عن المنطقة العربيّة… وتحديات المستقبل / محمد مشموشي

لا يجادل اثنان من العرب بأن أخطر مشكلاتهم، بلداناً ومجتمعات ونخباً وأنظمة، الغرق الى ما فوق الأذنين في الماضي: المضيء منه، في العلوم والطب والفلك والفكر والأدب والموسيقى، كما المظلم والجامد عند ظاهر النص وبدائية تأويلاته كما تطلع به تنظيمات مثل «داعش» حالياً أو ما يشبهه في مراحل سابقة من التاريخ. وعلى خلفية هذا الغرق، النوستالجي في جزء منه والمتعمد سياسياً في جزء آخر، يكاد لا يسمع أحد كلمة «مستقبل»، فضلاً عن التفكير فيه وما قد تحدثه فيه الثورات العلمية، إلا باعتباره من غيبيات عائدة الى الإصرار على توقّف العقل عند بدائية التعاطي مع النص.

ولا حاجة الى بذل جهد كبير لاكتشاف أن هذا الواقع هو في أساس التراجع، وحتى الابتعاد من العصر، والذي تعانيه المنطقة وشعوبها وحكوماتها راهناً.

من هنا، كان لافتاً الحدث الذي شهدته مدينة دبي قبل أيام، تحت عنوان «استشراف المستقبل»، في سياق استضافة دولة الإمارات الدورة الرابعة من «القمة العالمية للحكومات»، وما كشفه الحدث من قفزات علمية وتكنولوجية استثنائية قد تغيّر ليس فقط ما تعرفه البشرية عن الفضاء والطب والاتصالات والصناعة، بالتالي المال والاقتصاد، إنما أيضاً الحياة نفسها (التغير «فينا نحن»، كما قال رئيس ومؤسس «المنتدى الاقتصادي العالمي» البروفسور كلاوس شواب).

ومن «استشراف المستقبل»، الى البحث حتى في «مستقبل المستقبل»، الى تصوّر إمكان احتفال المرء قريباً بـ «عيد ميلاده الـ150» أو ربما الـ200، الى توقع انتهاء عصر الكومبيوتر والانتقال الى زمن الهاتف الذكي (سيكون بنك المستقبل، كما قالت إحدى الخبيرات)، الى ترقب تبادل «العملة الرقمية» بدل الورقية، بالتالي الانقلاب الجذري في أساليب التعليم الخ…، يمكن القول إن القمة التي استضافتها المدينة الإماراتية كانت حدثاً نادراً بكل معنى الكلمة، ليس في ما يتعلق بحال المنطقة الآن فقط، إنما قبل ذلك في ما يتعلق بمستقبلها الذي لا يبدو أن أحداً يهتم به جدياً.

فـ «الثورة الصناعية الرابعة»، أكد شواب في تقريره أمام القمة، على عكس الثورات الصناعية الثلاث السابقة، لن تكشف الهوة بين الدول المتطورة والأقل تطوراً، بل بين تلك التي سارت في طريق التطوير والابتكار وحققت السعادة لشعوبها، وتلك التي بقيت خارج هذا المسار. فضلاً عن ذلك، فهي تمتاز عن سابقاتها بسرعتها الهائلة، لأن «التغييرات التي ستأتينا عبرها لن تصلنا كالأمواج الهادئة بل كالتسونامي… ولن تقدم لنا إنجازاً واحداً بل إنجازات متلاحقة وفي وقت قياسي، كما لن تأتي بخدمات ومنتجات جديدة، بل بمنظومات عمل جديدة في كل القطاعات، ولن تغيّر فقط ما نقوم به بل ستغيرنا نحن، وعلينا أن نكون جاهزين لهذا التغيير».

كيف سينعكس هذا الوضع العلمي (عملياً، الحياتي) الجديد في الكون على المنطقة، بل على العالم العربي خصوصاً؟

هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن، ولكن على الأنظمة والحكومات أساساً من دون إعفاء النخب العلمية والفكرية والثقافية من محاولة الإجابة عنه، أو «الابتكار» (كما أكدت القمة في غير بحث ودراسة) في هذه المحاولة.

ولعلّ في ما أكدته دراسات القمة وبحوثها عن التعليم وأساليبه في هذا الزمن الجديد ما يسترعي العناية، خصوصاً في ظل الكم الكبير من الأسئلة التي تحيط بهذا المكون المركزي للأفراد وإذاً للشعوب في المنطقة… ليس فقط في محتوى مادة التعليم منذ الطفولة حتى الدراسة الجامعية، بل أيضاً في طرق وأساليب تعريف الأجيال الجديدة بها.

«لا بد للتعليم أن يستمر طوال حياة الإنسان، عوضاً عن أن ينتهي بمجرد التخرّج في الجامعة»، قال الرئيس التنفيذي لمؤسسة «إكس برايز» الدكتور بيتر ديامانديس، في دراسة عن تاريخ الجامعات والتعليم، وكيف بدأ نظام الجامعات التقليدية قبل نحو 200 عام، وهو ينتهي الآن. هذا النظام، قال ديامانديس، أدى المهمات المطلوبة منه في شكل جيد آنذاك، لكن التطورات المتلاحقة أفرزت حاجة ملحّة الى التعامل في شكل مغاير تماماً مع قطاع التعليم.

لماذا؟ لأن التطور التكنولوجي أصبح سريعاً جداً الى درجة أن وتيرة الإنتاج تتضاعف الآن، وكذلك لأن الأجهزة الآلية «الروبوتات» دخلت مجالات الحياة اليومية كافة، حتى في الاختصاصات المعقدة جداً، مثل صناعة السيارات والسيارات ذاتية القيادة والعمليات الجراحية. وفي مجال التعليم قال إن «هناك توقعات بأن تأخذ الروبوتات أدوار المعلمين في المستقبل القريب، وبأن 40- 50 في المئة من فرص العمل التي يشغلها الناس اليوم ستُستبدل بالروبوتات في وقت غير بعيد».

وبالنسبــــة الــــى تعليم الأطفال، تساءل الدكتور بول أندرسون «هل سيشكل اللعب مستقبل تعليم هذا الجيل؟» وأجاب بضرورة وضع استراتيجية فاعلة لكيفيــــة التعامل مع كل طالب في شكل فردي أو ضمــــن مجمــــوعات، ومراعاة الاختلافات الشخصية ومستـــويات الأطفال وقدراتهم على الفهم، قائلاً: «نعيـــــش عالماً جديداً في مجال الوسائل التعليمية، فقد تغيــــرت طرق التعليم وباتت أكثر متعة وسلاســــة». وأكــــد استخدام الوسائل التعليمية التي تعزز مبدأ التعلم باللعب وتوظيفها كأداة فاعلة من شأنها تحسين مستوى الطالب وإدراكه واستيعابه.

ما يبقى أن المستقبل هو مسؤولية الحكومات قبل غيرها من مكونات المجتمع، وأنه في الشكل، في أقل تقدير، كانت «القمة العالمية للحكومات» نقطة بارزة في تاريخ المنطقة. فقد حضرتها حوالى 3000 شخصية (عربية وأجنبية) و125 متحدثاً، بما في ذلك قادة وخبراء في القطاعين الحكومي والخاص في العالم والمنطقة، وعدد من صناع القرار والوزراء والرؤساء وممثلي المؤسسات الأكاديمية ونخبة من الإعلاميين (800 صحافي) وطلاب الجامعات العربية. وأعلن نائب رئيس دولة الإمارات، حاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد، في ختام القمة تحويلها مؤسسة دائمة تتولى المتابعة وإصدار المبادرات والتقارير والدراسات على مدار العام.

وإذا كانت الوزارات الجديدة في دولة الإمارات، والتي أعلن عن إنشائها بعد القمة («وزارة السعادة» و «وزارة التسامح» و «وزارة الـ22 عاما») تعني شيئاً، فهو أن الانتقال من الأقوال الى الأفعال لم يعد بالأمر الذي كان يقال دائماً في السابق أنه من الأحلام.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق