قيم بائدة مازلنا ننفخ فيها

كم نحن بائسون يائسون حين يستعيد ويسرد في القرن الحادي والعشرين شيخ يحمل درجة الدُّكتوراه في الدّراسات الإسلاميَّة من جامعة غربيَّة في صفحته على الفيس أحاديث ومأثورات تدعو للتَّشفع والتَّوسط بين الغنيّ والفقير، بين القويّ والضَّعيف، وتبيّن فضل الشَّفيع والوسيط، ومكانتهما وكرامتهما.

وأكتفي هنا بنقل أربعة أحاديث ممَّا أورده، لأنَّها تفي بالغرض شرحًا وتعليقًا.

١- “أفضل الصَّدقة اللّسان. قيل يا رسول الله وما صدقة اللّسان؟ قال: الشفَّاعة. يُفك بها الأسير، ويُحقن بها الدَّم، وتجرّ بها المعروف والإحسان إلى أخيك، وتدفع عنه الكريهة”.
٢- “من كان وُصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ بر، أو تيسير عسير أعانه الله على إجازة الصّراط عند دحض الأقدام”.
٣- “إنّ لله خلقًا خلقهم لحوائج النَّاس. تفزع النَّاس إليهم في حوائجهم. أؤلئك الآمنون من عذاب الله”.
٤- “من أتى إليكم بمعروف فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتَّى تعلموا أن قد كافأتموه”.

وهنا سأستعير مصطلحات أصوليِّ الفقه في علم الدَّلالة حين يتحدَّثون عن ثلاث مراحل لها: الوضع – الاستعمال – الحمل.
ففي الوضع: يقوم الواضع بوضع اللَّفظ بإزاء المعنى.
وفي الاستعمال: يقوم المتكلّم باستعمال اللَّفظ في ذلك المعنى.
وفي الحمل: يقوم السَّامع بحمل اللَّفظ على ذلك المعنى.

ولا شكَّ في أنَّ الواضع حين قال هذه الأحاديث في ذلك الزَّمان فإنَّه راعى قيم النَّاس وأعرافهم وحدودها وإمكاناتها، وساير آليات تحريك المشاعر والضَّمائر حتَّى تنالها هزَّة الأريحية والكرم، وعطفة الإسعاف والإنجاد، نصرةً للمظلوم، ورعايةً للأسير، وخدمة للفقير، وكلاءة للمعتر.

ولكنَّنا نشكُّ كلَّ الشَّكّ في أن يستعمل الشَّيخ ورجل الدّين هذه الأقوال والأحاديث في نفس المعاني والأهداف الَّتي أرادها الواضع، حين يستدعيها بعد خمسة عشر قرنًا! ذلك أنَّه لم تكد تمضي خمسون سنة على قولها حتَّى انزاحت عن مقاصدها، وحُرّفت عن معانيها. فقد اكتشف الحاكم من جهة، والطُّفليون من جهة أخرى أنَّ مثل هذه الأحاديث أوطأ من المهاد الوثير للاستبداد والفساد.

اكتشف الحاكم أنَّهذه الأحاديث تثبّت سلطته، وتزيد شرعيته، وتمنحه لذَّة ونشوة لا تصمد أمامهما متع الدُّنيا بأسرها، ولم يطلب من الوسيط والشَّفيع سوى أن يكون حلو المعشر مداهنًا حتَّى ينال الحظوة والاستجابة. فلقد قرأنا في سنن أبي داود أن الحاكم معاوية بن أبي سفيان قال: “إنّي لأريد الأمر فأؤخره كيما تشفعوا فتؤجروا. فإنَّ النَّبيَّ قال: اشفعوا تؤجروا”. وهكذا تتحوَّل الدَّلالة من الواضع وفق ما رأينا لتغدو لدى المستعمل، في غمرة حجه لنفسه، وسيلةً لتحقيق نشوة التَّأله، ولذَّة التَّربُّب. فالحاكم إله يجب أن يدعوه النَّاس ليستجيب لهم، ويجب أن يتشفَّع له الشُّفعاء ليعفو ويصفح، ويفيض وينعم، أوَليس وجود الرَّعيَّة بحدّ ذاته عطيَّة من عطاياه، فالحاكم هو السَّيِّد القائد، والأب البطريرك الصَّامد، وعبر الوريث الممتدّ الخالد. وإذا كان الإله في السّماء يقول: “ادعوني أستجب لكم”، فلم لا يقول الحاكم في الأرض: “تشفّعوا تؤجروا”. وقد غدا هذا الطَّلب عادةً لدى كلّ المستبدين، وديدنًا لهم، وفي الحقيقة كان هو الغاية والنّهاية، من وراء استبدادهم وفسادهم، فكلّ حركاتهم وسكناتهم، وكلّ تلويحاتهم وإشاراتهم فضلاً عن عباراتهم كانت تقول:
امدحوني، واستعطفوني، وتملقوني، وقفوا بابي واطلبوني.
أرسلوا شفعاءكم. وليقولوا لي: كان شابًا أهوج، غرًّا، مندفعًا، ملعوبًا بعقله وبعاطفته، وإنّ له أمًّا تدعو لك ليل نهار “كيما” يعطف الله قلبك الشَّريف عليه، وسأخرجه من المعتقل.
قولوا لي: خدم في دولتك، بل في مزرعتك، بل في حظيرتك ثلاثين سنة، ولم يغب يومًا واحدًا عن وظيفته، وكان كامل الولاء والوفاء لك، وسآمر بتقريب دوره في العمليَّة الجراحيَّة المستعجلة.
قولوا لي ولا تتأخَّروا. فأنا الَّذي أُنشط الحبل على رقابكم، وأنا الَّذي أفكُّ الأحبولة عنها. أنا الَّذي يحييكم ويميتكم، ويفقركم ويغنيكم، ويؤمّنكم أو يروّعكم.

واكتشف الطُّفيليون في الوقت نفسه كيف يَفِدون على هذا الحاكم بكلّ وسيلة وآلة، وكيف يفتدون كَلَبهم عليه بكلّ مرتخص وغال، وكيف يجيدون لعبة الاستخفاء السَّخيفة وراء نفع الآخرين. وكم سعدوا وحُبروا بعبارة: “اشفعوا تؤجروا”! حيث لم تسوّغ دورهم في معافسة ذوي القوَّة والسُّلطة، ولم تستر طفيليتهم فحسب، وإنَّما جعلت التَّمسُّح في عتبات السُّلطان، وبسط كامل عدّة التَّبجيل والتَّزلف بين يديه عبادةً يؤجر المتملق عليها، فيتوّج بتاج الفضل، وينوء بنياشين المنة، في الدُّنيا قبل الآخرة.

ونعود للشَّيخ ورجل الدّين حين يستعمل هذه الأحاديث لنرى المعاني المستكنة وراء حجاب ما أراده الواضع من معنى نبيل، ومقصد سام.

١- “أفضل الصَّدقة اللّسان”. فلا تتعتبوا علينا! فكيف للسان أن يستحصد الخير والمعروف والإحسان من “ذي السُّلطان” إن لم يتقن فنون التَّزلف والتَّودُّد والمحاباة والاستعطاف والاستلطاف، ونفخ ذي السُّلطان إلى أن يغدو بحجم الكرة الأرضيَّة، بل إيهامه أنَّ هذه الكرة تظلُّ دون مزاياه وسجاياه، وهكذا لا تضيع دراستنا للأدب العربيّ هباءً، ولا حفظنا مدائح الشُّعراء سدى، ولا تذهب ملكاتنا البلاغيَّة أدراج الرياح.

٢ – ولأجلكم وكرمى عيون أبناءكم وزعرانكم نسجنا علاقاتنا مع رؤساء فروع الأمن والمخابرات، ومع كلّ ضربة مكّوك في نول هذا النَّسج ضربتنا خضّة توجس، وخفقة قلق، حتَّى لكأنَّ الرّيح تحتنا وفوقنا وعن أيماننا وشمائلنا، إلى أن غدونا “وُصلة” بينكم وبينهم. تحملنا غلظة العلاقة معهم، وكُرب المكث بينهم، وغضضنا الطَّرف عن كلّ أنواع تجديفهم، وتجاوزنا عن كلّ أنواع مزاحهم، بل سماجتهم، بل استهزائهم. وسترون كيف سيكافئنا ربّنا، و“يجيزنا الصّراط” عندما “تدحض” أقدامهم وأقدامكم.

٣ – ولأجلكم، وكرمى عيون أسركم وبناتكم شبكنا هذه العلاقات مع التجار والأغنياء، وأرباب النعمة واليسار. أوَتظنون أن الجميع مؤهل لهذه العلاقات؟ كلا. فنحن من خلقنا الله “لقضاء حوائجكم”، وللتوسط والشفاعة لكم، ولأجلكم ذهبنا لمزارعهم ومضافاتهم الفاخرة، وشاركناهم بطرهم في أفراحهم وأتراحهم الفاجرة، وباركنا حولهم وبهم وفيهم، وأفتينا لغلولهم، وسكتنا عن مصائبهم وفظائعهم، وها أنتم ذا تفزعون إلينا فنلبيكم، ونأخذ بأيديكم، فنستجديهم لكم، ونستعطفهم عليكم، فنحن “الآمنون من عذاب الله” يوم يعذبهم ويعذبكم.

٤ – أخيراً نحن نستحق المكافأة، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: “من أتى إليكم بمعروف فكافئوه”. هيّا فكافئونا. والشاعر العربي الذي ينقط حكمة، ويقطر حنكة يقول:
وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعة……………. من جاهه فكأنها من ماله

فها نحن ذا نبذل جاهنا لكم، وماء محيّانا لكم. ألا فكافئونا. أوَلم تسمعوا قول غوته أيضاً: “نكران الجميل أعظم الآثام”! فإن لم تجدوا فقبّلوا أيادينا. شكراناً لأيادينا، ولولا الحياء لقلنا: أرجلنا. فنحن من ريحة الاستبداد يسرنا ما يسره، ويبهجنا ما ييهجه، وكما أننا دعونا للفاسدين في صلواتنا، وأيدناهم في بياناتنا وخطبنا فلتتدفقوا دعاءً لنا، قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم، ولترسفوا في أغلال الشكر والحمد لنا والثناء علينا إلى يوم الدين، وأبد الآبدين.

نكتفي بسرد هذه الشَّذرة من لسان حال السُّلطان والشَّفيع، ويعلم الله أنَّنا لم نسطّر ههنا من هذه المعاني إلاَّ ما يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد إيجازًا واختصارًا وترفّعًا.

على أنَّنا لا نعتب على المشايخ ورجال الدّين حين يتلهّفون لأداء هذا الدَّور، ويستميتون لعطف القلوب والعقول إليهم، فهم من ناحية جُبلوا على أن يكونوا كاللبلاب يبهجه أن يلعب الدَّور الرَّئيسي حيثما التصق، وهم من ناحية أخرى يبدو أنَّهم لم يأتهم نبأ الدَّولة المدنية الحديثة الَّتي غدا القانون ومؤسَّساته فيها الوسيلة الوحيدة لإقرار الحقوق والحصول عليها، وتحديد الواجبات وفرضها، بدون تمييز بين الأفراد على اختلاف صنوفهم وأنواعهم ومراتبهم، حيث تفقد وسيلة “التَّشفع والتَّوسُّط والاستجداء” قيمتها، بل حتَّى أنّه لا يمكن تفعليها ولا ممارستها، كما أنَّه ينتفي وجود رجل الدَّولة “ذي السُّلطان” الَّذي يُلتمس دفع ضره، أو جلب منفعته، لأنَّه بكلّ بساطة غدا مجرَّد موظف لا يملك أدنى صلاحيَّة خارج وظيفته الَّتي تنتهي في وقت محدَّد معلوم، ولا يملك أن يتجاوز في أدائها، قيد أنملة، الإطار المرسوم.

ولكن هل لنا أن نحلم بمشايخ ورجال دين يتعالون على واقعهم مهما كان مشؤوماً بالقبلية، منخوراً بالعشائرية، ويكفّون عن ترسيخ كل ما هو عفن، وعن تثبيت كل ما هو منحط؟ 
هل لنا أن نحلم بأن نخرج ويخرجوا من عصور السلاطين والمماليك؟
هل لنا نحلم بأن ينطفئ توقهم الدَّائم ليكونوا مجرَّد بديل بائس للقانون، وبدلاً من أن ينفخوا في قيم بالية بائدة أن يدعوا لمجتمع يسوده القانون، ويبسط سلطانه في كلّ مناحيه، فلا يحتاج المواطن لأن يتمسّح بالشَّفيع، ولا أن يلهث وراء الوسيط، ولا أن يظلّ مبرشمًا بالاستجداء المبتذل الَّذي لا يلائمه سوى عطاء مبتذل؟
هل لنا أن نحلم بدلاً من أن يرسّخ هؤلاء المشايخ قيم التَّوسُّط والتَّشفُّع لدى أولياء الدَّم أن يطالبوا ويدعوا لإلغاء عقوبة الإعدام؟
هل لنا أن نحلم بأن يغدوا هؤلاء الدُّعاة دعاةً لمواطن أشم، لا يستنشق سوى عبير الكرامة الإنسانيّة، ويخلو صدره ورئتاه من غبار التُّملُّق، وسخام الاستجداء؟

إن كان حلمنا بعيد المنال فلنعرِّ هذه الطبقة الطُّفيليَّة، ولنقاطعها، ولندعُ الإنسان ليكون سيّد نفسه، سيّد مصيره.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق