هل يستطيع البحر…؟

هل يعقل أن يمرَّ معرض الكتاب في العاصمة الاقتصاديّة والعلميَّة التكنولوجيَّة للمغرب دون أن أقوم بجولة عليه لمعرفة آخر ما صدر؟عيب لا يجوز، وهكذا حملت حمائلي وذهبت إلى هناك فاستقبلني أوَّلا جامع الحسن الثَّاني الكبير. إنَّه صرح شامخ يتحدَّى الزَّمن والقرون. وربَّما كان أكبر جامع في إفريقيا. إنَّه يخلّد ذكرى العاهل الرَّاحل أفضل تخليد. ومن كثرة ضخامته وتنوّع أجنحته واتّساع ساحاته تكاد تشعر وكأنَّه مدينة بأسرها. تكاد تضيع ولا تعرف أين أنت؟ هل أنت في عاصمة العبَّاسيين والقرون الخوالي، أم في عاصمة الأندلسيين؟ ما أجمل التّجوال في رحابه!هناك حيث تختلط بالعشرات والمئات من عائلات وأطفال وآباء وأمَّهات وشابات وشبّان..جوّ مفعم بالفرح والمرح والسُّرور. وبالتَّالي فيعديك بالتَّفاؤل حتَّى ولو كنت أكثر تشاؤما من شوبنهاور! وهذا أحلى شيء في الواقع.. إنَّه متعة للنَّاظرين وليس فقط مأوى للمصلّين الخاشعين. إنَّه مدرسة وجامع ومكتبة ومؤسّسة ضخمة في آن معا. نقول ذلك وبخاصّة أنَّه يطلّ على البحر مباشرة إطلالة واسعة جدًّا أين منها إطلالة النَّسر المجنح؟ تخيّل الجامع والساحات الواسعة وبوجهك الكورنيش والبحر المحيط!..موقع ولا أروع. ولكن هل يستطيع البحر، كلّ البحر، أن يمتصَّ لواعجي وهمومي؟ لا يهم. هذه مشكلتك وليست مشكلتنا. فرجاء وفر علينا آهاتك ونحيبك. المهمّ أنَّنا الآن أمام تحفة فنيَّة، عربيَّة إسلاميَّة، من الطراز الرَّفيع. فدعنا نستمتع على الأقلّ ولا تفسد علينا اللَّحظة. يا أخي حلَ عن ربّنا! نحن لا نستطيع أن نحلّ مشكلة تستعصي على الحلّ. يكفينا استعصاء الحالة السُّوريَّة فلا تزعجنا باستعصاءات أخرى إضافيَّة. رجاء. وفي مواجهته مباشرة يقع المعرض الدُّوليُّ للكتاب. يكفي أن تقطع الشَّارع لكي تدخل فيه. إنَّها لفكرة ذكيَّة جدًّا أن يقام المعرض قبالة هذا المسجد الاسلاميّ العظيم. لولا ذلك لفقد نصف قيمته وجاذبيته إن لم يكن ثلاثة أرباعها.. بعد أن تجوَّلت قليلا أو كثيرا في صحن المسجد الجامع، بعد أن ملأت رئتي بنسيم البحر، بعد أن حملقت في الفراغ البعيد حملقات مفزعة، قرَّرت أخيرا دخول المعرض. وهناك أيضا يستقبلك جمهور غفير جدًّا إلى درجة أنَّك تجد صعوبة في شقّ طريقك إلى الأمام. أقول ذلك وبخاصّة أنَّ طلبة المدارس كانوا يملأون ردهات المعرض جماعات جماعات. وكانت ضوضاؤهم وأصواتهم المرحة تدخلان البهجة إلى القلب. إنَّهم أجيال المستقبل من الابتدائي وحتَّى الثَّانوي وقد جاؤوا للاحتفال بالكتاب والعلم والثَّقافة. فهناك مكتبات للأطفال بالطَّبع وليس فقط للكبار. معرض الكتاب للجميع بل وللأطفال وتلامذة المدارس بالدَّرجة الأولى. ما أجمل هذا المنظر: أطفال المغرب، وشباب المغرب، وشابات المغرب وهم يصدحون بأصواتهم معربين عن فرحهم وسرورهم في معرض الكتاب والقراءة والمطالعة. إنَّهم أزهار المغرب، مستقبل المغرب.

لكن بعد هذه الدّيباجة الافتتاحيَّة لندخل في صلب الموضوع. كان هدفي بالدَّرجة الأولى البحث عن آخر الصَّادرات الفرنسيَّة. أوّل شيء لفت انتباهي هو كتاب الدُّكتور علي بن مخلوف: لماذا ينبغي أن نقرأ الفلاسفة العرب: الإرث المنسي. والباحث المذكور لمن لا يعرفه هو مغربي الأصل حيث ولد في مدينة فاس العريقة عام 1959.ثمَّ انتقل إلى فرنسا لإكمال دراساته ونجح وارتفع في المناصب حتَّى أصبح أستاذا للفلسفة العربيَّة ولعلم المنطق في بعض جامعاتها. وكان قد نشر سابقا عدة كتب من بينها كتاب لافت بعنوان: الفارابي: التَّفلسف في بغداد في القرن الرَّابع الهجري/ العاشر الميلادي. وهو عنوان جميل ولافت. وبالفعل: ماذا يعني أن تتفلسف في عاصمة العباسيين والعالم المتحضّر كلّه آنذاك؟ ماذا كانت تعني الفلسفة بالنّسبة للعرب المسلمين قبل ألف سنة بالضَّبط؟ لماذا اهتمُّوا بها كلّ هذا الاهتمام في العصر الذَّهبي ثمَّ انقرضت في عصر الانحطاط؟ هذه بعض الأسئلة المتلاحقة الَّتي لا يمكن للمثقَّف العربيّ الحاليّ أن يتحاشاها بعد الآن. لماذا؟ لأنَّها تخصُّ الحاضر أيضا وليس فقط الماضي البعيد. لماذا كان أسلافنا العظام يهتمُّون بالفلسفة في حين أنَّنا أهملناها واحتقرناها بل وكفرناها؟ هل لولا ذلك كان يمكن للقاعدة وداعش أن تكتسحا المشهد العربيّ والاسلاميّ بمثل هذه الفرقعة؟ لو استمرّ تعليم الفلسفة وعلم المنطق في العالم العربيّ هل كان يمكن لهذا الجهل المقدَّس أو بالأحرى غير المقدَّس أن يغمر العالم العربيّ والاسلاميّ من أقصاه إلى أقصاه؟ عندما نشخّص المرض بشكل صحيح يسهل علينا إيجاد العلاج..

يرى المؤلّف أنَّ الفارابي دشن حقبة جديدة في تاريخ الفكر بعد أن أسَّس مدرسة المنطق في بغداد إبَّان القرن العاشر. ودشن معها في ذات الوقت فكرا كونيًّا ساهمت في تشكيله عدَّة مصادر كالفلسفة الاغريقيَّة، وتفسير القرآن الكريم، وعلم البلاغة والشّعر العربيّ. في ذلك الوقت كان المثقَّف يدعى “بالأديب” ولكن بالمعنى الواسع للكلمة لا بالمعنى الضَّيق السَّائد حاليًّا والمحصور بالشّعر والنَّثر. كان مثقف كالجاحظ أو التَّوحيدي مثلا ملمًّا بكلّ مجالات المعرفة وينتقل بسهولة من تفسير آية قرآنيَّة إلى شرح نظريات أرسطو وأفلاطون إلى تذوّق قصيدة شعريَّة وتحليلها طبقا لعلم البلاغة..

وأمَّا في كتابه الجديد: لماذا ينبغي أن نقرأ فلاسفة العرب؟ فيرى علي بن مخلوف أنَّ هؤلاء الفلاسفة الَّذين عاشوا في القرون الوسطى قبل ثمانمائة سنة أو ألف سنة عندهم شيء لكي يقوله لنا. ولكن ينبغي أن نقرأهم بعين الفيلسوف المعاصر لكي نرى ماذا بقي منهم وماذا بلي ولم يعد صالحا. وعندئذ نشعر أنَّه بقي منهم الكثير فيما يخصُّ المنهج والعقيدة. وبالتَّالي فقراءتهم ليست تضييعا للوقت على عكس ما يتوهَّم الحداثوي المتسرع. فعندهم أشياء لكي يقدموها لنا ودروسا لكي يلقوها علينا. يضاف إلى ذلك أنَّهم يشكلون جزءا لا يتجزأ من الميراث العام للبشريَّة. لقد عرفوا كيف يتوصَّلون إلى الحقيقة من خلال تناغم الدّين والفلسفة لا من خلال صراعهما أو تهميش أحد الطَّرفين لصالح طرف آخر. يضاف إلى ذلك أيضا أنَّهم ساهموا في تشكيل الحضارة الأوروبيَّة الَّتي هيمنت على العالم لاحقا ولا تزال. فلولا ترجمة ابن سينا وابن رشد والكندي والفارابي لما كانت نهضة أوروبا. والدَّليل على معاصرتهم لنا أنَّ الفيلسوف العربيَّ الأوَّل الكندي يخوض صراعا مع شيوخ عصره وأصولييه لا يقلّ ضراوة عن الصّراع المندلع حاليًّا في العالم العربيّ. ويتَّهمهم صراحة بالجهل والمتاجرة بالدّين ومحاربة الحقيقة والعلم عن طريق تكفير الفلسفة اليونانيَّة. ويردُّ عليهم بالصَّاع صاعين قائلا أنَّنا كمسلمين ينبغي أن نأخذ الحقيقة من حيث أتت حتَّى ولو من قبل شعوب أجنبيَّة أو غريبة عنَّا. وصراعه معهم يذكرنا بصراعنا نحن ضدّ من يستخدمون مصطلح الغزو الفكريّ لمنع الاستفادة من الحداثة الأوروبيَّة. وبالتَّالي فالكندي معاصر لنا تماما من هذه النَّاحية، ومعركته معركتنا. وقل الأمر ذاته عن نابغة العرب والإسلام ابن سينا الَّذي خاض أيضا صراعا مريرا مع متقعري عصره ومتزمتيه. وربَّما كانوا هم الَّذين اغتالوه ولم يمتّ بشكل طبيعي. من يعلم؟

كنت سأتوقف مطوّلا عند تلك السّيرة الضَّخمة الَّتي صدرت مؤخَّرا عن عالم الأنتربولوجيا الشَّهير كلود ليفي ستروس. بل ونالت جائزة باريسيَّة معينة نظرا لضخامتها وجديتها. ولكن الوقت داهمني. وهي من تأليف باحثة شابّة وأستاذة في معهد العلوم السّياسيَّة بباريس: إيمانويل لوييه. والكتاب يتجاوز التّسعمائة صفحة من القطع الكبير. وبالتَّالي فسوف أغرق فيه تماما. وكنت أتمنى لو أستطيع التَّوقف عند كتاب صغير الحجم كبير الأهميَّة لإدغار موران بعنوان: فلاسفة حياتي. إنَّه ممتع جدًّا لأنَّه يستعرض أسماء المفكّرين الكبار الَّذين أثروا عليه من أمثال: ديكارت، وسبينوزا، وجان جاك روسو، وهيغل، وماركس، ودوستيوفسكي، وهيدغر، ومدرسة فرانكفورت، والسريالية، إلخ. وكنت قد استعرضته هنا على صفحات “الأوان” يوما مَّا.. وتستنتج منه أنَّه لا يمكن أن تصبح مفكّرا كبيرا قبل أن تطلع على كبار مفكري الماضي وتهضم نظرياتهم وتتمعن في تجاربهم. كما أنَّه لا يمكنك أن تصبح شاعرا كبيرا قبل أن تعتصر اعتصارا قصائد كبار الشُّعراء السَّابقين..ولكن بالطَّبع ينبغي أن تنسى كلّ ذلك في لحظة ما لكي تستطيع أن تفكّر بنفسك فلا يطغى عليك تأثيرهم طغيانا كاملا ويشلك عن تشكيل شخصيتك المتفرّدة الخاصَّة بك. إنَّها لقصة معقدة: قصَّة الكتابة وكيمياء الإبداع الخلاَّق.

أخيرًا ينبغي الاعتراف بأنّي أذهب إلى معرض الكتاب مثلما كان عمر بن أبي ربيعة يذهب إلى موسم الحجّ: لغاية في نفس يعقوب. كنت أريد أن أعرف هل أنا لا أزال موجودا أم لا؟ هل أصبحت في خبر كان وأخواتها أم لا؟ هل أكل عليَ الدَّهر وشرب أم لا؟ هذا هو السُّؤال، والباقي تفاصيل..ومن خلال النّظرات والعبرات، من خلال الابتسامات المشبوهة والمراوغات، اكتشفت أنّي لا أزال حيًّا يرزق حتَّى الآن. بل وربَّما الآن أكثر من أي وقت مضى. لا، لم أقل كلمتي الأخيرة بعد. لا تزال أمامي صولات وجولات.. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق