فوبيا الحرية / ماجد صفوت

حرية الفكر والرأي والتعبير … مطلب إنساني ضروري لحياة سوية , فلا حياة بدون فكر , ولا فكر بدون حرية , هذا المطلب البعيد الذي قد يصل لمستوي الحلم في بعض البلدان قد يراه البعض رفاهية لا ضرورة لها وليس لهم في ذلك أي حق

تتعالي الاصوات وتتوالي وتكون الاستجابة دائما أقل من المتوقع وكأن المطلوب أمر غير مرغوب , فلماذا ؟ لماذا كل هذا الخوف من الحرية ؟ ولماذا يعتبر المجتمع ان المُطالب بالحرية شاذ عن المعروف وخارج عن المألوف وناقم علي مجتمعه وكأنه استثناء لقاعدة غير مكتوبة يفرضها المجتمع علي ابناءه , مع ان الحرية هي الاساس وكل الفروض والقيود أتت تالية لها فالانسان الاول عاش حرا الي ان أسس المجتمعات والتشريعات لحفظ الحقوق و وُضِعت معها القيود في ظروف خاصة لفئات معينة وبقيت القيود برغم فناء اسبابها

ينبغي علي المُطالب بحرية الفكر والرأي والتعبير أن يطلبها من المجتمع مباشرة قبل أن يطلبها من مؤسساته وهيئاته فتلك المؤسسات برغم أنها تقود المجتمع إلا انها لا تملك القدرة علي فرض تشريعات لايوافق عليها المجتمع عن طريق نوابه والمتحدثين بإسمه في المجالس النيابية , ومن ناحية أخري فهناك الكثير من الحريات المتاحة بحكم القانون ولكنها لا تُمارس بسبب الرفض المجتمعي لها

الحرية لاتأتي دفعة واحدة بل بدرجات نتيجة سعي محبيها وكلما كانوا أكثر جراءة كلما فرضوا حريتهم ونالوا حقهم فيها فلا ينبغي إنتظار أن يسمح المجتمع بالحرية لأن المجتمعات العربية إذا تُركت لفطرتها ستسعي للانكماش والانغلاق وفي سبيل ذلك سَتُفرض المزيد من القيود ولكن مع تذوق درجة أخري من الحرية يفرضها محبي الحرية ستقبلها المجتمعات وستصبح عادة

عودة للسؤال لماذا الخوف من الحرية ؟

الحرية تكشف الطبيعة الحقيقية للبشر فتكشف الميول والدوافع المحركة للانسان لذلك فهي تحتاج لمنظومة من القيم الانسانية لتهذيب الطبائع ولحفظ الانسان من التدني والانحدار في هوة الغرائز , فبوجود القيم مغروسة لدي الانسان (داخلياً) وحتي مع انعدام القيود تماماً نجده يسلك برُقي منقاداً من فكره فقط , ولذلك فالحرية تكشف عن مقدار القيم الموجودة في المجتمع وتُظهر مُدعّي الفضيلة علي حقيقتهم ولذلك يخشاها ضعفاء النفوس

مدعّي الفضيلة معادين دائماً للحرية وعشاقها وفي هذا يلقي هؤلاء المدعين اللوم دائما علي الحكومات وكأنها ترعي اولئك المنحلين , والحكومات مع هذا الهجوم العنيف تتشتت في محاولات لأثبات عكس ذلك ناسية دورها في نشر الثقافة التي تساعد علي نمو القيم الانسانية من جانب ومن جانب اخر حفظ لحقوق الجميع وعدم تعدي هؤلاء علي اولئك أو العكس سواء بإسم الحرية أو بإسم الفضيلة

أما عن رجال الدين الرافضين لحرية الفكر فموقفهم غريب هل لا يثقون فيما غرسوه من قيم دينية داخل النفوس فينفض الناس من حولهم نتيجة الحرية ؟ أم انهم يعتبرون أنفسهم المسؤلين عن القيم في المجتمع – في خلط بين القيم الدينية والقيم الانسانية – ومع الحرية ينكشف ضعف ما قدموه وضعف تأثيرهم ومقدار تقصيرهم وتذهب بعدها مكانتهم ؟

رجال الاعلام والصحافة المعاديين لحرية الرأي ( مع ان مهنتهم مهنة رأي ) يتربحون من التفاف الناس حولهم طلباً للمعرفة والتماس ارائهم وارتدائها مثل القبعات بدلاً من عناء التفكير وتكوين رأي فلذلك كلما قلت حرية الفكر بين الناس كلما زادت دوائر الرؤوس الخاوية حولهم وكلما زادت ارباحهم

المواطن البسيط يري أن نجاته من هذه المتاهات سابقة الذكر في تمسكه بنفس الطريقة التي عاش بها ابائه فيسلك بالعادات والتقاليد حتي وإن كانت غير مناسبة لزمانه التي هي في حقيقتها حكم الاموات علي الاحياء ومع اننا نقدر اسلافنا كثيرا إلا اننا لا نؤذيهم إطلاقا عندما نصنع لأنفسنا عادات جديدة خاصة بنا

ختاماً حرية الفكر والرأي والتعبير ضرورة للحياة فإنها وإن أخرجت لنا الفاسد فينا فإنها تخرج لنا المبدع أيضا فالعقل البشري لا يبدع داخل قيود والذين لا يرون في الغرب المتحرر إلا فساد أخلاقهم (عن خطأ) ينبغي أن يروا أيضا علومهم وتقدمهم أيضا أما عن الفاسد فكثرة القيود لاتمنع فساده بل يمنعه غرس القيم الانسانية داخله.

عن موقع صوت العلمانية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق