قواعد التديّن العاقل (2)

القاعدة الثانية: الحقيقة الدينية متعددة..

التحليل: لنحاول التذكير ابتداء بمبدأ متفق عليه في الفكر السياسي المعاصر : الإيمان بوجود حقيقة واحدة ثابتة ومطلقة هو المدخل الرّئيس لممارسة العنف بمختلف أبعاده وأنماطه. مقابل ذلك، من المحال أن يدفع الشكّ الإنسان إلى اقتراف أي نوع من أنواع العنف، وإنما الذي يقود إلى تفشي مظاهر العنف في معظم الأحوال هو وهم امتلاك اليقين الذي لا يشوبه شكّ ولا ينتابه ارتياب. لهذا الاعتبار بوسعنا أن نعتبر ثقافة الشكّ ترياقاً ضدّ مرض اليقين المفضي إلى أعراض العنف. فما أن يدرك النّاس بأن حقائقهم نسبية متعددة ومتغيرة حتى يصبحون أكثر قدرة على التعايش السلمي والعيش المشترك. ودعنا نقول بصريح العبارة، من المحال بحكم الأحوال أن يمارس الإنسان العنف من أجل حقيقة يدرك بأنها قد تتغيّر خلال أجل منظور، أو قد تُدرك من زوايا نظر مختلفة فتبدو مغايرة. لكن، فوق هذا وفوق ذاك، ثمة قناعة موازية بأنّ إصلاح العقول لا يستدعي بالضرورة أن يهجر النّاس “حقائقهم” كلها. إذ لا يقتضي الأمر أن يفرغ الناس عقولهم على طريقة سلّة تفاح ديكارت -رغم أن تفاحة فاسدة واحدة قد تفسد سلة التفاح بأكملها كما ينبهنا ديكارت- إلاّ أنّ إفراغ السلة قد يكون جهداً استثنائيا غير ميسّر للجميع. إنه ليس بالإجراء الواقعي عندما يتعلق الأمر بالشعوب، وبالأحرى عندما يتعلق الأمر بالمعتقدات الدينية للشعوب. غير أنّ الخيار الأكثر حكمة وفعالية في هذا الباب أن يقتنع النّاس بأنّ “حقائقهم” التي يؤمنون بها –وهذا حقّ لهم- تبقى نسبيّة، متغيرة، ومتعددة، وذلك تبعاً لتقلبات الوجدان ونقائص الكينونة وحدود الأفهام ورسوخ الأوهام. والأمر كذلك، فالملاحظ أنّ فكرة الحقيقة الواحدة والحقّ الواحد داء عضال وعطب قديم أصاب العقل الإسلامي ولازمه لقرون طويلة، منذ لحظة إحراق المصاحف قصد الإبقاء على مصحف واحد، وهي اللحظة التي لم تنل نصيبها من التقييم الديني العاقل، أو ليس بعد. وقد تفاقم الوضع إبّان عصور الانحطاط، إلى أن أصبحت التعددية الدينية تبدو كأنّها رديف الشرك الذي هو أكبر الكبائر عند الله ! غير أنّ المقال الذي نحاول بسطه في هذا المقام يميط اللثام عن فرضية دينية غائبة أو مغيّبة : التّعددية الدينية أساس الخبرة الدينية في معظم الأديان، وضمنها الإسلام، رغم تحجّر الناطقين باسمه من باب انتحال الصفة. ودعنا نقول، ممكنات التعددية الدينية كامنة في قيم الخطاب القرآني نفسها، بل بادية فيها لفظا ومعنى، رغم سوء الأحوال وكثرة الأهوال وتضارب الأقوال، وأمامنا ثلاثة اعتبارات تؤكد الدعوى:

أوّلاً، من حيث مبدأ الألوهية : فإنّ وحدة الله ( توحيد الرّبوبية ) لا تعني أن هناك دين واحد، ومذهب واحد، ومنهاج واحد، وفرقة ناجية واحدة، إلخ، لكنها تعني أنّ كل الأديان وكل المذاهب وكل المناهج متكافئة في التعبير عن نفس المبدأ الرّبوبي : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلاّ إياه ) الإسراء 23. كلمة قضى هنا –كما يوضح ابن عربي في الفتوحات المكية- تحمل إخباراً بالحُكم المتحقق في كل الأحوال، لا مجرّد دعوة لما يجب أن يكون على حال محدّد. وهذا ما تؤكده فقرة أخرى من فقرات الخطاب القرآني ( أغير الله تدعون إن كنتم صادقين. بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تُشركون ) الأنعام 40 و41، وهي عبارة تؤكد بلغة صريحة –وحسب توضيح ابن عربي في فتوحاته- بأنّ كل العبادات والديانات ما هي إلا أوجه متعددة لنفس المبدأ الإلهي سواء أدرك الناس ذلك أم لم يدركوه ( بل إياه تعبدون ) الأنعام 40 و41. بهذا المعنى لا يدلّ التوحيد على الطريق الواحد أو الطريقة الواحدة، وإنما يدلّ على تكافؤ كل الطرق وتعادل كل الطرائق، يدل على أنّ الدين ليس ملكاً عقاريا يحتكره بعض الخلق على حساب بعض الخلق، وليس خندقاً لتحصين الذات وعزلها عن الآخر المختلف، لكنه يدل بالأساس على تكافؤ الدّلالات الدينية وتعادل الأدلة الغيبية، وإرجاء الحكم النهائي إلى ما بعد الحياة وفق رأي المرجئة وبشهادة النص القرآني نفسه ( الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون ) الحج 69، ( ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ) آل عمران 55.. بهذا المعنى نفهم أن التعددية الدينية قدرٌ حياتي ودنيوي لا محيد عنه. وهذا ما يفسر –على الأرجح- كيف أن تعدّد أسماء الله لا يمثل إخلالا بوحدة المسمّى ولا مساساً بمبدأ التوحيد، طالما يتعلق الأمر بإمكانية تعدّد المشاعر نحو نفس المسمّى، تبعاً لتعدّد الخلائق وتنوع الطرائق.

ثانياً، من حيث الخطاب القرآني : حين نستحضر القرآن المبين –بمعزل عن الموروث الديني- فإننا نراه يمثل أرضية مأمولة لغاية استعادة فكرة التعددية الدينية داخل الوعي الديني في العالم الإسلامي اليوم. إذ يقول الخطاب القرآني بصريح اللفظ وفصيح العبارة ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) المائدة 48، فهل يحتاج هذا الكلام إلى شروحات؟ ثم يقول من باب تأكيد المعنى ( لكل أمة جعلنا منسكا ) الحج 67.. فكيف نعطل مثل هذه الآيات المحكمات لتلبية نوازع العصر الإمبراطوري الذي عاش فيه الفقهاء والذي لم يعد نفس عصرنا اليوم؟ بل تشمل التعددية الدينية البُعد الخلاصي أيضاً، إذ يقول الخطاب القرآني في باب الجزاء الأخروي : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) البقرة 62. وهو التعبير الذي تكرر في أكثر من آية واحدة دون أن يحظى باهتمام الموروث الفقهي. هذا الأخير الذي استفاض في تبويب آيات الجهاد والقتال والسبي والغنائم ونحوها، رغم أنها كانت تمثل آيات المرحلة الانتقالية من حياة الدعوة والمحصورة بين الهجرة والفتح. بل لا يخلو الخطاب القرآني من محاولة تكريس نسبية الحقيقة الدينية في كل أبعادها التعبدية والاعتقادية ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) سبأ 24.. فأين هو الحق الواحد والحقيقة الواحدة من هذا الخطاب القرآني الذي يتيح إمكانية انبعاث قيم النسبية والتعددية من داخل الوعي الديني العاقل؟

ثالثاً، من حيث الفطرة الإنسانية : إذا كان الإسلام دين الفطرة كما يقال فإنّ فطرة الإنسان لا تتحمل التشابه والتنميط والتكرار. وإذا كان الإيمان مسألة شخصيّة كما رأينا في القاعدة السابقة، القاعدة رقم 1 ( الأوان بتاريخ 22 شباط/فبراير 2016 )، فإنّ شخصنة الدين تعني الحكم عليه بالتعدّد والتنوّع تبعاً لتعدّد النفوس وتنوع الأمزجة واختلاف المآلات والمصائر من شخص لآخر. وهذا ما يؤكده الخطاب القرآني بصريح اللفظ وفصيح العبارة ( لكل وجهة هو موليها ) البقرة 148.

الاستنتاج: لا تقوم مفاهيم الحق والحقيقة والعبادة والتعبّد في التجربة الدينية إلاّ على أساس التعددية والنسبية والاختلاف والتنوع.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This