الديمقراطية عند جوزيف شومبتير / عن مجلة السياسة الدولية

الترجمة الخامسة من سلسلة «الديمقراطية عند..» لبابلو سيمون، وهو أستاذ علوم سياسية في جامعة بومبيو فابرا في برشلونة. السلسة تقدّم مُراجعة لأفكار أهم الفلاسفة والمنظّرين الكلاسيكيين حول مفهوم الديمقراطية، وتُنشر في مجلة جوت داونالثقافية الاسبانية. الترجمات السابقة: «الديمقراطية عند جون ستيورات ميل»؛ «الديمقراطية عند ماكس فيبر»؛ «الديمقراطية عند كارل ماركس»؛ و«الديمقراطية عند كارل شميت».

*****

أيهما أفضل؟ ديمقراطيةٌ يشارك عبرها الجميع في التداول والقرار، أم نظامٌ يقتصر فيه اتخاذ قرار على النُخب المتعلّمة؟ يولّد هذا التساؤل سجالاتٍ لا حصر لها، وهو تساؤلٌ قديمٌ كالديمقراطية نفسها. ولو أردنا تبسيط المسألة لأمكن القول بوجود مدرستين متمايزتين في التصدّي لهذا السؤال، تُقدِّمُ كل منهما إجابات مناقضة لإجابات المدرسة الأخرى.

الأولى هي المدرسة المنحازة للديمقراطية التشاركية أو «الجمهوريّة»، ونجد العنوان الأساسي لهذه المدرسة في وجوب مشاركة المواطنين في القرارات السياسية، وأن الروح المدنيّة هي الوقود الذي يحرّك الحياة المجتمعية، وأن المواطن هو فاعلٌ أساسي وإيجابي في الساحة السياسية العامة. نجد هنا أفكار سكينر، بوكوك، أو فيليب بيتيت.

المدرسة الثانية، أي المدرسة النخبوية، وهي تعتبرُ أن الديمقراطية كنظام سياسي يجب أن تبقى محصورة ضمن أقلية، وأن يكون أفراد هذه الأقلية هم الأفضل -إن أمكن-. ليست المشاركة السياسية قيمةً إيجابية بحد ذاتها، لكنها تساعد على أن يتخذ الناس القرارات. من بين المُدافعين عن هذه الأفكار نجد باريتو، موسكا، أو جوزيف شومبتير، والأخير هو صاحب أكثر النظريات النخبوية اكتمالاً وصقلاً، وهي نظريةٌ ديمقراطيةٌ بلا جدال.

شومبتير (1883-1950) هو أكاديميٌ واقتصاديٌ شهير، ولدَ في تريست (جمهورية التشيك)، وعُيّنَ وزيراً للاقتصاد في النمسا خلال الحرب العالمية الأولى. هاجر شومبتير إلى الولايات المتحدة عام 1932، وعَمِلَ هناك أستاذاً في جامعة هارفارد حتى وفاته. تميّز شومبتير كمثقفٍ بغزارة إنتاجه النظري والبحثي، وللعديد من مساهماته في حقل الاقتصاد (مثل دراسته حول الدورات الاقتصادية؛ أو مفهوم التدمير الخلّاق؛ أو دراسته حول الابتكار في مجال الأعمال في وسطٍ رأسمالي) دورٌ فاعلٌ حتى اليوم.

إحدى مساهمات شومبتير المهمة نجدها في فكرته حول الديمقراطية، وهي فكرةٌ تأثرت بشدة بمعايشاته الشخصية في فترة ما بين الحربين. أفكار شومبتير حول الموضوع، ما زالت تجد أصداءاً في السجال المعاصر.

موت الصالح العام

في أعماله، ينطلق شومبتير من التمييز بوضوح بين ما أسماه «النظرية الديمقراطية الكلاسيكية»، ونظريته الخاصة. الأولى، والتي سادت خلال القرن الثامن عشر، صوّرها على أنها أسلوب اتخاذ القرارات السياسية انطلاقاً من الصالح العام والإرادة الشعبية، حيث أن هذا النمط الديمقراطي الكلاسيكي يُنتج نظاماً مؤسساتياً لإصدار القرار حسب مقتضيات الصالح العام، حيث يُسمح للشعب أن يقرر بنفسه حول المسائل الخلافية، عبر اختيار ممثلين يجتمعون للتداول واتخاذ القرار.

لكن شومبتير اعتبر أن هذه النظرة لا تخلو من الزيف، وذلك لأنه اعتبر أن مفهوم الصالح العام لا مكان له في الديمقراطية. اعتبر شومبتير أن الناس لا يختلفون عن بعضهم فقط في التفضيلات والمصالح، ولكن أيضاً في القيم، فالأفراد والجماعات قلّما يتفقون جميعاً على أهداف موحّدة، وحتى لو حصل أن اتفقوا على الأهداف، فسيبقى مستحيلاً أن يتفقوا جميعاً على الأسلوب الواجب اتباعه للوصول إلى هذه الأهداف. لا إجماعات كونية على الغايات، ولا على الوسائل. لذلك، اعتبرَ شومبتير أن المجتمعات الحديثة، بتعقيداتها الاقتصادية والثقافية، ستحوي دائماً تفسيرات متباينة لمفهوم الصالح العام. هناك تباينات حول مسائل مبدئية، ولا تُحلُّ هذه التباينات عبر اللجوء للإرادة العامة الكونية.

من جهةٍ أخرى، اعتبرَ شومبتير أن فكرة الصالح العام تؤكّد أن بإمكان الناس الوصول لنقاط اتفاق دوماً باستخدام الحجج العقلانية، وهذه الفكرة بعيدة كل البعد عن الواقع. فحسبَ رؤيته، يتباينُ الأفراد فيما بينهم بعمقٍ حول المبادئ والمنطلقات الأهم. لذلك، اتفقَ شومبتير هنا مع ماكس فيبر في استحالة حلّ هذه التباينات عن طريق المحاججة. هناك فروقاتٌ جوهرية بين مفاهيم متناقضة حول الحياة والمجتمع، ويذهب شومبتير أبعد من ذلك ليشير إلى أن التقليل من شأن هذه التباينات هو مخاطرة في الوقوع في الشمولية، إذ لو اعتبرنا أن هناك صالحاً عاماً واحداً، وأكّدنا أن هذا الصالح العام هو نتيجة المحاججة المنطقيّة، فإننا بذلك نقتربُ بشدّة من رفض كل أنواع التباين مع هذه الأفكار، بحجة أن هذه التباينات «منحازة» أو «لا عقلانية»، ونقتربُ أيضاً من اعتبار أصحاب هذه التباينات خصوماً منحازين ولا عقلانيين، وبالتالي فاقدي الشرعية وبالإمكان تهميشهم أو تجاهلهم، أو حتى قمعهم واعتبار أن هذا القمع لمصلحتهم.

عدا ذلك، وحتى لو أمكن الوصول إلى تعريف واحد وواضح للصالح العام، فإن هذا لن يُلغي المشاكل الخاصة. كيف نوفّق بين الإرادة العامة والإرادة الفردية؟ ليست مصلحة الأفراد عادةً واضحة ومُعرّفة. ويرى شومبتير أن الأفراد لا يأخذون الظروف العامة، ونتائج بعض السلوكيات السياسية بعين الاعتبار في تفكيرهم. كما استند شومبتير إلى الأعمال حول سيكولوجيا الجماهير، وإلى الدراسات حول فعالية الدعاية والإعلان في تغيير السلوكيات الاستهلاكية للناس، ليؤكد بحماسٍ أن الإرادة الشعبية غالباً ما تتعرض للتلاعب «من فوق». بالتالي، إن لم يكن الشعب هو الذي يحلّ بنفسه المشكلات التي يتعرّض لها، بل إن هناك جهات أخرى تؤثر في هذه الحلول، فإن هذا الأمر يجب أن يكون واضحاً وصريحاً. هذا ما يحاول شومبتير فعله عن طريق نظريته حول الديمقراطية النخبوية.

ديمقراطية النُخَب

باعتبار أنه لا صالحَ عاماً في المجتمعات فعلياً، يعرّف شومبتير المنهج الديمقراطي بأنه نظامٌ مؤَسَّسٌ على الصراع التنافسي على أصوات المواطنين، والذي تتولّد القرارات السياسية عنه. يرى شومبتير أن هذه الرؤية الجديدة للديمقراطية أكثر واقعية من المنهج الكلاسيكي، إذ أن هذا التعريف يسمح بوضع متوازياتٍ بين التنافس على الزعامة والتنافس الاقتصادي، ويعكسُ العلاقة بين الديمقراطية والحريات الفردية -باعتبار أن التنافس يفترض سلفاً وجود حرّيتي تعبيرٍ وصحافة- ويضع معياراً للتمييز بين الحكومات الديمقراطية وتلك التسلّطية. بالإضافة إلى ذلك، تتجنب هذه النظرية الجديدة مشكلة المساواة بين إرادة غالبية من السكان والإرادة الشعبية. تقرّ هذه النظرية أيضاً أن وظيفة الناخبين تقتصرُ على تشكيل الحكومات، وعلى طردها من الحكم إن لزم، دون أن يكون لديهم وظيفة أخرى أبعد من ذلك.

اعتبرَ شومبتير أن رؤيته للديمقراطية لديها شواهد عملية. لا يجب أن تكون الأحزاب السياسية مجموعات تبحث عن الرفاه العام باستلهام ما تمليه إيديولوجياتها، بل يجب أن تكون منصات وآليات في خدمة التنافسية السياسية. الاستقرار الديمقراطي متعلقٌ بوجود زعماء جيدين، ينتمون غالباً إلى نُخَبٍ خبيرة وحرفيّة، وعلى هؤلاء التصدّي لمسؤوليات قليلة ومحددة بمساعدة وسطٍ بيروقراطي مستقر ومهيأ بشكل جيد. من جهتهم، على الناخبين ألا يتدخلوا في سير عمل الزعماء والقرارات التي يتخذونها، كما يُفترض ألا يحاولوا إملاء التعليمات عليهم. الديمقراطية تعني أن للمواطنين الحق في قبول أو رفض الزعماء الذين سيحكمونهم، لكن دون الذهاب أبعد من ذلك. تقسيم المهام هذا هو ما يجعل «النخبوية التنافسية»، حسب رأي شومبتير، النموذج الديمقراطي الملائم والعملي.

كناقدٍ جذريٍ للأفكار الشمولية التي راجت في عصره، اعتبر الاقتصادي النمساوي-الأميركي أن على الديمقراطيين أن ينظفوا معتقداتهم من الفرضيات المتخيّلة في النظرية الديمقراطية الكلاسيكية. وفوق كل شيء، عليهم أن يتخلّوا نهائياً عن الفكرة القائلة بأن للشعب آراءً نهائية وواضحة وعقلانية إزاء كل المسائل السياسية، وأن ينسوا فكرة أن بإمكان هذه الآراء أن تدخل حيّز التطبيق عبر التأثير بشكل مباشر، أو عبر اختيار ممثلين يعملون على تطبيق الإرادة الشعبية. النظام الديمقراطي ليس أكثر من أسلوب سياسي يسمح للشعب بأن يختار، بين حينٍ وآخر، طاقماً من الزعماء.

رجال الأعمال السياسيين

تخيّلت مقاربة شومبتير سلوكَ السياسيين بما يشابه سلوك الشركات المتنافسة على الزبائن، إذ يمتلكُ السلطة من يستحوذُ على السوق. وكما أن قوّة الزبائن محصورة ضمن ما تعرضه الشركات عليهم، فإنه لا يمكن للناخبين التدخل في المسائل السياسية المركزية اليومية، كما أن صلاحية ممارستهم لحق الانتخاب محدودة. ويَختارُ الناخبون حسب المبادرات التي يقدّمها المرشحون، وحسب القوى المختلفة التي تدعم هؤلاء المرشحين. لا يعتبر شومبتير أن ارتباط الأحزاب بقيمٍ إيديولوجية يُشكّل مسألة مركزية. ويُفسّر تشابه سلوكيات الحكومات رغم اختلاف الأحزاب بأن هذه الأحزاب، في النهاية، ليست إلا آليات مُصممة للتنافس على السلطة، والسلطة وحدها هي ما يهم.

في المحصلة، يعتبر شومبتير أن الأحزاب هي الرد على واقعِ عجزِ الجماهير الناخبة عن التصرّف وحدها إلا بطريقة عنفيّة أو دموية. الأحزاب هي محاولة لترتيب التنافس السياسي، أي ما يُشبه ما يحدث بين جمعيات التجار. الأحزابُ كالشركات التي تعمل على تنظيم توزيع المؤن والخدمات. لذلك، ليست تقنيات الإيحاء السيكولوجي والبروباغندا والشعارات والنغمات الخاصة بالمنظمات السياسية مجرّد إكسسوارات ثانوية بالنسبة لشومبتير، بل إنها جوهر السياسة الحزبية، مثلها مثل الزعيم السياسي، ذلك القادر على تقديم الترتيب والنظام والقدرة على ممارسة السلطة في بيئة معقدة.

يشددُ شومبتير أيضاً على ضرورة رسم أدوار الزعماء والناخبين بوضوح. لا يجب على الناخبين أن يمتنعوا عن محاولة تقرير سير عمل الزعماء المنتخبين فقط، بل عليهم أيضاً أن يبتعدوا عن محاولة التأثير بأي طريقةٍ كانت، وقد وصلت به الأمور حدَّ اقتراح منع إرسال الرسائل البريدية والبرقيات إلى المسؤولين المنتخبين قانونياً. الطريقة الوحيدة للممارسة السياسية المفتوحة للمواطنين، حسب نظرية شومبتير، هي السجال العام والمشاركة في الانتخابات الموسمية.

الديمقراطية، الحرية، والاشتراكية

في أعماله، أشارَ شومبتير إلى أن بإمكان الديمقراطية أن تتحوّل إلى بيئة خصبة تنمو فيها العطالة، لأسباب عديدة، من بينها ما يُشكّل جوهر الديمقراطية بحد ذاتها: التنافس المحموم على الظفر السياسي، واتخاذ القرارات بناءاً على المصالح قصيرة المدى للسياسيين. رغم ذلك، يرى شومبتير أنه من الممكن لهذه المشاكل أن تكون أقل تأثيراً إن تحققت بعض الشروط.

أولى هذه الشروط هي وجود سياسيين ذوي كفاءة عالية؛ وثانيها أن يكون حقل المنافسة بين المرشحين والأحزاب محصوراً ضمن طيفٍ صغيرٍ نسبياً من المسائل. يشدد شومبتير على ضرورة وجود توافقات حول المسار العام للسياسة الوطنية، وحول ماهيّة البرامج المنطقية وحول الشؤون الدستورية الأساسية؛ وثالث الشروط يتحقق بوجود سلك بيروقراطي مستقل وذو كفاءة أيضاً، وأن يتمتع هذا السلك البيروقراطي بسمعةٍ جيدة وتاريخٍ مشرّف لمساعدة السياسيين في كافة الشؤون الإدارية؛ أخيراً، ضرورة وجود نوع من السيطرة الذاتية الديمقراطية، وذلك عبر الالتزام بالابتعاد عن النقد المبالغ فيه للحكومة، أو أي سلوكيات غير منطقية أو عنفيّة.

تواجه الديمقراطية خطر الانهيار عندما يتم الدفاع عن المصالح والإيديولوجيات، بطريقة تمنع الناس من المحافظة على التزامهم بالنهج الديمقراطي في الممارسة. هذه نقطة يعتبرها شومبتر نهائية في السياسة الديمقراطية، ومن هنا يأتي قلقه الشديد على العلاقة بين الديمقراطية والحرية. إن كنا نعني بالحرية الحريات الفردية، فإن ذلك يعني ضرورة أن يكون الجميع أحراراً كي تكون المنافسة على الزعامة شريفة. وهذا ما يجعل شومبتير يؤكد أن الديمقراطية متلائمة مع النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي على حد سواء، بشرط ألا يتمدد مفهوم السياسة في الحياة المجتمعية أكثر من اللازم.

في حالة الاقتصاد الرأسمالي، يصعبُ أن يحصل التمدد في مفهوم السياسة، وذلك لأن الاقتصاد يُفترض أن يبقى خارج المجال السياسي المباشر، وبعيداً عن نشاطات الحُكم، وهذه فكرة ليبرالية بامتياز. في المقابل، يرى شومبتير أن النموذج الاشتراكي يطرح أخطاراً أكثر من النموذج الرأسمالي، ففي النموذج الاشتراكي لا وجود لتقييدات واضحة وصارمة لحجم المجال السياسي في الحياة العامة، ما يترك كل الجبهات مفتوحة للتدخل الحكومي. من هنا، يرى شومبتير أن لا إمكانية للملاءمة بين الاشتراكية والديمقراطية ما لم تُفهم الأخيرة بوصفها «نخبوية تنافسية»، ما يفصل بوضوح بين السياسة والشؤون التقنية. أكد شومبتير أيضاً أنه من المستحيل التقدير إن كان لديمقراطيةٍ اشتراكية أن تعيش طويلاً، لكنه واظبَ على التشديد على فكرةٍ مركزية: لا يمكن للأفكار الكلاسيكية حول الديمقراطية أن تكون واقعية في يومٍ من الأيام، وأيّ اشتراكيةٍ مستقبلية سوف تتخلص من هذه الأفكار.

نقد المنظور النخبوي للديمقراطية

تشير نظرية شومبتير حول الديمقراطية إلى صفات يمكن إيجادها في الديمقراطيات الليبرالية الغربية. الصراعُ والتنافس على السلطة بين الأحزاب، دورُ البيروقراطيات المهم، أهمية الزعامة السياسية، السياسة المُعاصرة المُعتمدة على أسس التسويق، الطريقة التي يتعرّض فيها الناخبون لشلالاتٍ مستمرة من المعلومات السياسية، رغم أن قطاعاً كبيراً من الناخبين يُعاني من عَوَزٍ في معلوماته حول الشؤون السياسية. كثيرٌ من هذه الأفكار تحوّلت إلى محاور مركزية في العلوم الاجتماعية في الخمسينات وبداية الستينات، أي في سنوات ازدهار العلوم السياسية.

رغم ذلك، أرى أن هناك نقطة ضعفٍ أساسية في نظرية شومبتير، تكمنُ في عدم تفريقه بين ما هو موجود ما يجب أن يوجد، أي أنه يعتبر واقع الديمقراطيات المعاصرة أساساً لدحضِ الأفكار المثالية للنموذج الكلاسيكي، أي أفكار المساواة السياسية والتشاركية. من الضروري بالتأكيد التصالحُ مع فكرة أن بعض هذه المنطلقات النظرية مستحيلة التطبيق فعلياً، إما لقيودٍ وتعقيداتٍ بشرية، أو لأنها يمكن أن تذهبَ إلى درجاتٍ قصوى تدفع للانهيار العام، أو لأن ظاهرها يُخفي في داخله تناقضاتٍ مركّبة. كل هذه الانتقادات للنموذج الديمقراطي الكلاسيكي ضروريةٌ ومطلوبة.

لكن المشكلة تكمن في أن هجوم شومبتير على الديمقراطية الكلاسيكية يختلف بعض الشيء، فهو عملَ على تعريف الديمقراطية حسب النظم الموجودة في الغرب في الوقت الذي كتب فيه أطروحاته، ولذلك لم يقدّم تقييماً للنظريات النقدية الرافضة للوضع القائم والباحثة عن بدائل ممكنة. ما فعله شومبتير هو رفضها منذ البداية دفاعاً عن النظام القائم، لم يقف شومبتير عند واقع أن الزعامة التنافسية لا تستطيع شمول كل حقول العمل السياسي المشروع ضمن النظرية الديمقراطية، ولم يحاول البحث في نظرياتٍ يمكن أن توفّق بين ملامحَ للنموذج التنافسي، وأسسِ عملٍ سياسيٍ أكثر تشاركية.

في النهاية، لا بد من القول إن مفهوم شومبتير للإنسان هو أكثر النقاط إزعاجاً في نظريته بالنسبة لي: إذا اعتبرنا أن الناخبَ عاجزٌ عن بناء رأي واضح وعقلاني حول الشؤون السياسية، فلماذا نفترضُ أنه قادرٌ على التمييز بين زعماء متنافسين؟ في أي حالاتٍ نعتبر أن قرار الناخبين قرارٌ صائب، ومتى نعتبر أنه خاطئ؟ ورغم اعتقادي بأنه مصيبٌ في نقده لمفهوم الصالح العام، إلا أنني لا أتفق مع ما يُمَرَّر في هذا النقد من أفكارٍ حول أن المواطنين هم فاعلون سياسيون غير واعين، وإنما بالإمكان «التحكم بهم» عبر رسائل توجَّه إليهم من أعلى.

هذه الأفكار تقتربُ كثيراً من اعتبارِ أن الشعب لا يحتاج إلا مهندسين قادرين على اتخاذ القرارات التقنية الصائبة، لأن أفراد هذا الشعب عاجزون عن اتخاذ القرارات حول مصالحهم، أي، بقولٍ آخر، المدخلُ إلى المنطق التكنوقراطي، وهو منطقٌ رائجٌ في أيامنا هذه، ويتناقضُ رأسياً مع العمود الفقري للسياسة الديمقراطية: مواطنون يعيشون في بيئةٍ تعددية، وراغبون بحكم أنفسهم بأنفسهم.

عن مجلة السياسة الدولية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق