تحدّي المرأة للفكر العربي والإسلامي

إن أول ما سيقال ونحن نطرح قضية المرأة بهذا الشكل الصريح والجريء انسجاما مع كانط في دعوته الى الجرأة والشجاعة كآلية معرفية وسياسية في عيش الحياة الإنسانية كقيم اجتماعية وثقافية والانتصار لها ضد الموت في اشكاله القهرية والاقصائية والاستعبادية أي في ممارسة الصراع المجتمعي في تفاوتاته البنيوية والتطورية : الاقتصادية والايديولوجية والسياسية٬ هو ان لغتنا فيها الكثير من التهجم والمزايدة وقد يقال ايضا لقطع الطريق امام عقل القارئ الشكاك الحائر ان لغتنا فيها الكثير من التشيطن والكفر والخيانة والمؤامرة ضد الهوية والاصالة والوطن.

أغلب ما كتب في الفكر العربي والإسلامي قديما وحديثا وفي ثقافتهما على العموم المكتوبة والشفوية حول قضية المرأة عبارة عن أكذوبة كبيرة لا تقل بشاعة عن أي جريمة في حق الإنسانية. عندما يصل هذا الفكر في هواجسه و أسئلته و اشكالياته المزعومة الى قضية المرأة ينهار أي حس  او ارتباط له بالمنطق العقلاني العلمي والمعرفي ويستنجد بكل انواع الخرافات و المكر والتحايل والتعتيم الى درجة الكذب والنفاق المعرفي والأخلاقي أي يصير مستعدا لقول وفعل كل ما يمكن ان يدفن حقيقة النوع الإنساني للمرأة. والامر لا يتعلق فقط بالفكر الديني بمختلف اقنعته الاجرامية في التنكيل بالإنسان عموما والمرأة خصوصا بل ايضا الفكر العلماني التنويري والنقدي على العموم.

لماذا يخاف العربي والمسلم من المرأة الى هذا الحد؟ ولماذا يخشى قول الحقيقة فيقاتل رمزيا وماديا على ارض الواقع لطمس بشاعة تصوراته ومعتقداته وافكاره وايمانه الديني  الحقيقي بقضية المرأة؟ لماذا يسكنه الرعب والارهاب فينهار من خشية انكشاف حقيقة وجوده لذلك تراه ممعنا في الستر والحجاب في صراع مميت لوأد حقيقة النوع الإنساني؟ أليس مصدر خوفه نابع من سيكولوجية الانفصال التي تمزقه حين حسمت السماء علاقتها بالأرض أو بتعبير أدق عندما أرادت سطوة الارض في تشكلها الايديولوجي كسلطة سياسية الاستئثار بالسماء واحتكار التحكم في المتعالي ” لانبي بعدي ” “اليوم أكملت لكم دينكم “؟

كان من الممكن للعربي والمسلم أن يعيش قلق الهجر بالمعنى الدنيوي الافقي الإبداعي الخلاق لكن منطلقات واليات النص الديني جعلته عاجزا عن المشي على قدميه والاستقلال بنفسه لأنه أينما ولى وجهه فثمة وجه الله يحصي حركاته وسكناته ويراقب أنفاسه وهو يدعوه في كل لحظة تحت ضغط الوسواس القهري أن يكفر نفسه باستمرار أي أن يكفر بالحياة الدنيا في جميع تفاصيلها الصغيرة والكبيرة في العمران والمال والبنون والفرح واللعب والترفيه عن النفس باعتبارها لهو ورجس من عمل الشيطان. فهو ليس مؤمنا إلا لأنه كافر يكفر نفسه التي ترزح تحت عبء الكفارة في الاكل والشرب والنظرة والنوم والسفر… فلا ذريعة للإغفال عن ذكر الله في كل شيء. عبء  يجعل منه مجرد الة عبودية في الخنوع والخضوع والاستغفار والتعبد في دوامة عنف نفسي لا ترحم مما يغرقه في ازدواجية الشخصية والانشطار النفسي والوجداني. ولكي يخفف قليلا  من عذاب تكفير نفسه باستمرار عليه أن يسقط كفره على الاخرين فهو في امس الحاجة النفسية الى الية التكفير من خلال الاختلاف الديني او الاختلاف المذهبي من دينه نفسه. هكذا نلاحظ بان خوفه نفسي معرفي وجودي اكثر منه جبن أخلاقي او نعت قدحي. ليس سهلا عليه ان يفكر  حياته الدنيوية التي ابتلعتها سطوة الديني  وأي تفكير في دينه الذي ليس اكثر من توسط معرفي ثقافي اجتماعي  لبناء وحدة نسيجه الاجتماعي السياسي كسلطة متعالية تقدم خدمات مقدسة مقابل الخنوع والخضوع والعبودية والطاعة يؤدي هذا الى حالة من الخوف والفزع الرهيب من تمزيق وحدته واطاره المشترك أي فيما يعتقد هويته الثابتة الازلية التي لا تتغير ولا يأتيها الباطل وأي ابتعاد عنها في الزمن التاريخي الاجتماعي هو مجرد فساد وكفر.  انه يدرك ان افق سؤال التفكير يضعه وجها لوجه امام حقيقة ان يسقط المعبد عليه بعد ان تظهر حقيقة ما يخفيه

يمكن للقارئ ان يتصفح ثقافة الحس المشترك من خلال تنشئته الاجتماعية والثقافية من الاسرة ووصولا الى الجامعة ويتصفح ايضا الكتب التكريسية و حتى النقدية سيجد الكثير من الكلام المتبجح بالموقف الرائع للإسلام اولا من الإنسان عموما في التكريم والخلق في احسن الصور و ثانيا ما تحظى به المرأة من مكانة مرموقة وحقوق مضمونة ومصانة. والى حدود اليوم كان اخر مقالة قراتها هي حول صورة الإنسان في القران ويمكن للقارئ ان يجد على الشبكة العنكبوتية الالاف من الكتابات النمطية في التستر على الحقيقة. لكن لماذا لا تقول الكتابات العربية والإسلامية شيئا يخص تكريم سبي النساء و الاماء والجواري؟ ما الذي يجعل من حقي شرعا ان أمتلك إنسانا في صورة حيوان يباع ويشترى يغتصب ويستغل ويذل؟ ويمكن اذخاره ليوم الكبيرة او عند انتهاك المحرمات وخرق المقدس وذلك لتحسين العلاقة مع الله من خلال فك رقبة. هل اطلعنا في امهات مصادرنا الدينية والتاريخية على العدد الهائل من النساء اللواتي وجدن انفسهن في وضعية الاماء والجواري بسبب حروب غنائم الغزو عنوة لنشر كلمة الله؟ لماذا العربي والمسلم يخاف من طرح الاسئلة ؟ ليس لأنه لا يشك ولا يتساءل ولكن لسبب بسيط ومعقد فهو يخاف ان يبقى في العراء وحيدا بدون معتقد ايماني يتوسط وجوده في الحياة. انه خائف الى ابعد الحدود من فقدان الذاكرة ومن ارتداد عدوانيته  لتفتك بأحشائه التي لا تكف عن الغليان العصابي فيما لو تساءل بجدية حول صورة سبي النساء و الاماء والجواري؟ هل لان ذلك سيجره الى القول المكبوت في النفس حول حقيقة ومصداقية الله الذي يطلب منه نشر الدين الحق على حساب كرامة الإنسان بل والاخطر من ذلك على انقاض روح الإنسان أي استباحة دمه؟ وبالتالي سيتساءل كيف يمكن ان يطلب مني الاله قتل النفس التي حرم قتلها واية نفس يقصد؟ هل هناك خصوصية في مفهوم النفس والإنسان التي يطرحها الإسلام؟ وهكذا تتناسل أسئلة الايمان الحقيقية بالشك في اليقين اللاإنساني المدمر لقيمة الإنسان وحرمته البشرية ومن ثمة البحث عن الحقيقة؟ لكن نادرا ما ينزاح قليلا ايمان كفر اليقين الوثوقي عن ارهابه في وجه سيرورة ايمان البحث عن الحقيقة التي لايمكن ان تكون واحدة ناجزة ونهائية وانما تكون وتصير كل يوم متعددة ومختلفة ومتفاوتة الاهمية والعمق المعرفي والإنساني وهي ليست مقدسة الا في اتجاه التجاوز و التغيير والنماء والاثراء.

ونحن هنا لا نتحدث عن تلك المجتمعات من الغرب الإسلامي الى الشرق الإسلامي التي رغم انها اعلنت إسلامها كانت تساق بناتها ظلما وعدوانا الى قصر الخليفة والولاة بل نتحدث عن الامتلاك الشرعي الذي يباركه الاله بنص قطعي الدلالة.  ألا علاقة لهؤلاء النساء بالإنسان الذي كرمه الله؟ فلماذا نضخم من حقيقة الورث رغم وقاحتها التمييزية وننسى الاسترقاق الشرعي الديني للإنسان في انتهاك قيمة وكرامة المرأة المسبية والجارية والامة؟

هذه الاسئلة وغيرها من الاسئلة النقدية التي تبحث بصدق نقدي وأخلاقي إنساني عن موقف الإسلام من الإنسان عموما والمرأة بشكل خاص  ليست صعبة او ليست في متناول أي إنسان عربي ومسلم لكن الخوف من فقدان امل الخلاص الديني هو الذي يعمل على تكريس قيم اجتماعية وثقافية كانت سائدة بمعنى كانت مقبولة أخلاقيا في مرحلة تاريخية محددة أي انه من الصعب ان نتحدث عن الحرية و الفرد والعدالة والمساواة بين الافراد والفئات الاجتماعية او بين النساء والرجال او داخل كل نوع إنساني على حدة او بين الحرة والامة والجواري. لهذا نحن لا نستغرب عدم وجود نص ديني يحرم الاماء والجواري والعبودية وحق سبي النساء وقتل الإنسان بدعوى نشر الدين الجديد. وبتركيزنا على القيمة المركزية الشاملة لكرامة الإنسان فإننا لا نقلل من قيمة ما طرحه النبي من أفكار جديدة ولذلك اتهم بالسحر والجنون لكنه لم يذهب بعيدا في الرفض الجذري لكل ما هو سائد بل تحرك ضمن الاطار المعرفي الاجتماعي التاريخي السائد في زمنه أي عمل على تكريس صور المراتب المجتمعية الموجودة بين الجماعات وداخل كل جماعة كفئات متفاوتة في التقدير والاعتبار والمكانة والشرف والوجاهة الاجتماعية. وحتى لا يذهب بعيدا في سحره وجنونه كما اتهم بذلك كان عليه ان يؤسلم الكثير من القيم والتصورات والمعتقدات والممارسات الجاهلية. وفي هذا سر نجاح دعوته لأنه لو دخل في تناقض تام مع كل الاساس السائد في الواقع والفكر لنجح الخصوم في وصمه بالسحر والجنون او بلغة الارهاب اليوم لتم وصمه بالتكفير وما يرافقه من هدر الدم واستباحة القتل.

والفكرة التي نطرحها هنا واضحة كل الوضوح ان النبي ما كان له ان يطرح القيم الإنسانية بالمعاني المتداولة اليوم كحق الحياة وحرية المعتقد والمساواة المجتمعية واحترام إنسانية الإنسان ومن ضمن ذلك إنسانية المرأة بتحريم سبيها وامتلاكها. لانه لو فعل ذلك لكانت ستعتبر أفكاره فضيحة أخلاقية وثقافية واجتماعية وخرقا لوحدة القيم المشتركة بين الناس وسط قبائل كانت ترى في تلك المراتب والتفاوتات وفي قيمها الثقافية وعلاقاتها الاجتماعية في الغزو والاسترقاق وامتلاك الجواري حقا طبيعيا أقرب الى المسلمات الايمانية الذي يضمن وحدتها الاجتماعية واعادة انتاج علاقاتها المادية والرمزية الثقافية كممارسات اجتماعية لا تخلو من صيرورة التغيير والتحولات في اطار ما يسمح به البناء الاجتماعي المشترك لوحدة القبيلة او الجماعات من آفاق في بلورة الجديد الذي يوافق السيرورة التاريخية لتلك الجماعات كقبيلة او تحالفات قبلية.

إن عدم مناقشة قضية المرأة من هذه الزاوية هو الخوف من التاريخ والنقد التاريخي الذي يبين الاشياء على حقيقتها أي انها غير صالحة لكل زمان ومكان. ليس للتقليل من قيمتها برغبة ذاتية ايديولوجية في رفضها والتهجم عليها بسبب كونها قيما دينية بل لكشف حدودها ومحدوديتها كتجربة خصوصية في التاريخ. ونقصد بالخصوصية هنا ارتباطها باطار معرفي اجتماعي محدود برؤية ذلك المجتمع لنفسه والاخر والعالم. وان الإنسان المقصود في الإسلام خصوصي في التاريخ أي لايشمل الإنسان بالمعنى العام الإنساني ليس فقط على مستوى العالم بل بالدرجة الاولى داخل الجماعات القبلية التي ظهر فيها الإسلام. وفي هذا السياق يفهم كل ما قيل عن موقف الإسلام من المرأة.

إذن كان طبيعيا ان تستمر دينيا شرعية السبي والجواري والاماء و واللامساواة أي المحافظة على كل التفاوتات التمييزية والاجتماعية بين السادة والعبيد بين الاشراف والموالي بين الحرة والامة بين الرجال والنساء…

وانطلاقا من هذا الفهم ندرك الخطأ الجسيم الذي ارتكبته الكتب الدينية ومن ضمنها كتب التفسير حول الدلالة المعرفية الثقافية والاجتماعية التاريخية للكثير من الافكار المتضمنة في النص الديني ومن ضمنها اتهام النبي بالسحر والجنون بمعنى الرفض المعرفي والأخلاقي الاجتماعي لزلزلة الاطار المشترك للجماعات والقبائل ليس على مستوى التدين كمعتقدات وتصورات فقط بل بالدرجة الاولى على مستوى الممارسات المجتمعية كواقع طبيعي او قل بتعبير ادق يأخذ المظهر الطبيعي في حركيته التارخية تسمح له باختفاء اساسه الاجتماعي كعلاقات اجتماعية يحددها مستوى تطور الشرط البشري في بنياته المجتمعية المادية والمعرفية الثقافية. اذن لم يكن بامكان النص الديني ان يشتط في الخيال العبقري الجنوني وهذه المعاناة في قراءة الواقع حاضرة بقوة في النص الديني وهي تحاول التغيير ليس من زاوية جنون القطيعة وهي طريق فاشل لمشروع النبوة لذلك تمت عملية تأسيس الجديد من خلال معادوة الانتاج لنفس العلاقات الاجتماعية بفتح افاق محدودة في البنيات المعرفية والثقافية والاجتماعية التاريخية قد تكون ثورية في لحظتها لكنها ليست مثالية ونموذجية للمجتمعات الإسلامية اليوم بل هي بعيدة اليوم عن القيم الإنسانية ليس فقط في علاقتها بالمرأة وانما كذلك في علاقتها بالإنسان عموما بما في ذلك الجانب الروحي الايماني.

واي خرق جذري لتغيير هذه السياقات المعرفية الثقافية والاجتماعية التاريخية كليا كان سيعتبر سحرا وجنونا أحمقا لانه يهدد الاطار المشترك لذلك المجتمع وهذا ما لم تكن لتقبل به تلك القبائل الا في حدود الطبيعي السائد او بتعبير ادق في حدود سقف ما كان يعتبر طبيعيا. من هنا نفهم سر جدل الاستمرارية والقطيعة في الإسلام او جدل الأسلمة والجاهلية في الإسلام بمعنى انه لايمكن ان تكون مسلما الا لانك جاهلي في اعماقك ونظرتك ورؤيتك وفي علاقاتك الاجتماعية  أي ان تهدم الاصنام خارجك لتحملها داخلك في نوع من الاجتياف الخطير لوثنية العلاقة بالسماء على مستوى النفس والفكر وهذا ما يستعصي على التفكير او القبول بالردة والتغيير في عيش التاريخ البشري وهو يعبر عن أعنف قوانينه في تطور السيرورة التاريخية للمجتمعات. ان خوف العربي و المسلم من طرح كل المشاكل من هذه الزاوية التاريخية نابع اما من جهله اولا بالمنهجيات الحديثة في التحليل النقدي او اعتقادا منه بإمكانية الاصلاح الديني من داخل النصوص الدينية او من خلال الاشتغال النقدي عليها. و إما خوفا من رؤية المسلم للجاهلي القابع في اعماقه وهو يغزو ويقتل ويسبي ويسترق ويمتلك الجواري… وغالبا ما يخشى ما هو بشري في ايمانه حين يكتشف حدود سقف قيمه الإنسانية فيفر مذعورا من حقيقة رؤية صورة تكريم الإنسان في النص الديني في حقيقتها التاريخية كتجربة خصوصية في التاريخ أي مرتبطة بسياقات معرفية ثقافية اجتماعية تاريخية محدودة ومحددة كان من المستحيل الحديث فيها عن حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها اليوم.

ان طرح قضية المرأة اليوم من زاوية السبي والاماء والجواري وفي التناقض الثانوي مع المرأة الحرة انطلاقا من محدودية السياقات الدينية والثقافية والاجتماعية التي تشرعن دونية المرأة وامتلاك الإنسان وتقديس الجماعة ونبذ الفرد والمساواة…هذا الطرح هو الذي بامكانه وضع التجربة الخصوصية للإسلام في سياقها التاريخي بنوع من النقد العلمي المترفع عن التهجم القدحي للدين والمبتعد ايضا عن التقديس للمغالطات التاريخية في تخيل واسقاط ما لم يكن قد تحقق تاريخيا في التجربة الإسلامية نصا او على مستوى الواقع التاريخي. والاخطر من هذا كله انه لايمكن للقيم الإنسانية خاصة لعلاقة المرأة بالإسلام ان تتأسس انطلاقا من هذه التجربة الخصوصية في التاريخية . لانها تجربة لا تفتح افقا لمثل هذه القيم الإنسانية وليس في هذا تهجما على الدين بقدر ما ان الامر يتعلق بمناقشة الدنيوي في الدين أي الحركة التاريخية لسيرورة المجتمعات في بنياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي لم يعد الدين قادرا على تأطيرها او تقديم اجابات موضوعية لتناقضاتها وتحولاتها وتطورها و لمآزقها المعقدة والتي تتطلب فكرا من طبيعتها الإنسانية بعيدا عن اقنعة المقدس المتعالي.

بناء على عدم امكانية هذا الافق في تجربة الإسلام ننتقد الكتابات النقدية التنويرية التي مارست اجتهادها وهي تحاول نقل الإسلام من التجربة الخصوصية في التاريخ الى الكونية الإنسانية. هناك الكثير من الكتابات التي انتصرت لحدود ومحدودية النص الديني كما انتصرت للممارسات التدينية في الإسلام بمختلف فرقها العقلية والنقلية والصوفية الهامشية والمركزية. محاولة خلق أمل جديد في النص الديني والواقع العربي الإسلامي من خلال توسيع الافاق المحدودة لتجربة خصوصية في التاريخ بنوع من القراءة التأويلية التي تتنكر للتاريخ وسيرورته كما تتجاهل تطور صيرورة الوضع البشري في حركة مستوياته البنيوية والتطورية بكل تفاوتاتها وتناقضاتها اقتصاديا وايديولوجيا وسياسيا. بمعنى ان هذه الكتابات كانت تمارس سحرها وجنونها من خلال اعادة انتاج التجربة النبوية “الاصيلة” في التغيير من خلال جدل الاستمرارية والقطيعة. انها حاولت تقديم تنازلات وترضيات قصد تنوير الإسلام كما لو ان على إنسان التنوير او الحداثي ان يكون مسلما بشكل او باخر سيرا على المنهج النبوي في اسلمة الجاهلية او كما تمارس اليوم الأسلمة ضد كل شيء. وهذا هو الفخ الكبير لكل من تنازل عن ادواته التفكيكية والتحليلية النقدية امام الدنيوي المسيج إلهيا بالمقدس البشري. وبعبارة اخرى ان التخلي عن المنهجيات النقدية العلمية الحديثة خاصة النقد التاريخي والاعتراف الضمني والصريح بامكانية البحث في الاطار المعرفي الثقافي والاجتماعي التاريخي المتعلق بالوضع البشري الخاص بالتجربة الإسلامية عن نقط ارتكاز مضيئة لإصلاح او تغيير مجتمعاتنا اليوم أنتج إسلاما معكوسا نكوصيا في وقت كان الحلم فيه هو التنوير.

لقد كافحت طويلا و بصورة رائعة فاطمة المرنيسي من اجل فضح الاساس الاعتقادي الديني كوجه بشري ذكوري تقنع بالمقدس من اجل هدر إنسانية المرأة واقصائها من دائرة النوع الإنساني وبينت كيف كانت القيم القبلية البدوية تعيق جنون سحر السماء في تنزيل لغة ومعاني ودلالات قيم ثقافية اجتماعية جديدة. بل تقاسمت القوى الاجتماعية سر النبوة في صراع حاد حول وحي التنزيل بين النبي والصحابة خاصة مع عمر الذي دافع باستماتة وفق ما يمليه عليه اطاره المعرفي الثقافي الاجتماعي من تصورات ومعتقدات. هكذا تمت معاودة الانتاج المجتمعي من خلال شكل ايديولوجي اكثر قداسة في الاستجابة لاكراهات حاجات  المتخيل النفسي الاجتماعي للناس بواسطة فاعلين اجتماعيين جدد يتكاملون في الاهلية والقدرة الكلية لتصريف الخدمات الرمزية المقدسة التي تشرعن وجودهم كسلطة جديدة.

هذا ما طرحته فاطمة المرنيسي في كتابها الحريم السياسي وهي تعود الى سيرورة هذه الصراعات الاجتماعية التي نشأ و تشكل في سياقها التوسط الايديولوجي للدين الإسلامي. وتركز بشكل خاص على مفهوم المجال باعتباره الارضية الاساس التي انتجت الهندسة الجنسية الاجتماعية.  وفي محاولتها هذه تحاول انطلاقا من تجربة النبي تأصيل مفهوم المجال الديني المرحب بالنساء في المسجد و ايضا في المجال العام الاجتماعي بعيدا عن اي نظرة تمييزية احتقارية في حق النساء كما ترفع من قيمة الافكار الجديدة التي اتى بها النبي بل تبين انه ذهب بعيدا في تعظيم شأن النساء  حيث لولا تدخلات المجتمع الذكوري في شخص عمر لتحررت النساء من الكثير من الموانع التي تعبر عنها القيم البدوية. لقد بذلت جهدا كبيرا لتبين الفرق الهائل بين شخصية النبي النفسية العاطفية والفكرية الاجتماعية وعلى مستوى الممارسة الإنسانية في علاقاته بالرجال والنساء على حد سواء. بالإضافة الى انها قامت بجهد عظيم في كشف المهمش والمسكوت عنه في التاريخ العربي والإسلامي خاصة على مستوى الدور المتميز الذي انجزته الكثير من النساء في الفقه والفكر والسياسة حيث لهن تاريخ مشرف في تجربة الحكم العربي والإسلامي. الا ان ثقافة الجهل المقدس للانحطاط العربي الإسلامي غيبت وهمشت تاريخ النساء المشرق وطمست كل ما له علاقة ببروز النساء في المجال الفكري الثقافي والاجتماعي السياسي. هذه الافكار ناقشتها المرنيسي بشكل علمي دقيق و مفصل في كتابها سلطانيات منسيات.

هكذا حاولت ان تؤصل المفاهيم الحديثة كالحرية والمساواة والديمقراطية خاصة على مستوى حقوق وكرامة النساء في اطار مواطنة كاملة داخل الفضاء العام بعيدا عن اي وصاية او احتكار ذكوري لمفهوم المجال العام وتقسيماته الاجتماعية.

وفي الكثير من دراساتها السوسيولوجية  مثل بحثها الميداني “نساء الغرب” درست مختلف اشكال حضور النساء اجتماعيا واقتصاديا ومدى تعرضهن لمختلف اشكال العنف الرمزي والمادي الاجتماعي والطبقي. وبالإضافة الى مختلف انواع العنف الجسدي و الأخلاقي. والمرنيسي تريد من وراء هذا كله ان تثبت حقيقة تاريخية مبصومة  كممارسات مجتمعية نسائية كان لها وزن كبير في الفعل الاجتماعي لتطور حركة السيرورة التاريخية للمجتمعات العربية و الإسلامية وهي  لا مبرر شرعي ديني او اجتماعي سياسي تاريخي لاستعباد وقهر النساء.

رائعة وجميلة كل الافكار التي طرحتها المرنيسي الا اننا لا نعتقد بتأصيلها انطلاقا من النص الديني ولا من واقع التجربة العربية الإسلامية من فجر الإسلام الى سبات العقل في الإسلام. فالتعامل الانتقائي مع النصوص الدينية والوقائع التاريخية يؤدي الى التلبيس والتدليس والتلفيق مما يخلق ذهنية فكرية ثقافية اجتماعية أشبه بعقلية المهرب الذي يشتغل في السوق السوداء للمضاربات المالية والسياسية والدينية…

وفي قراءتنا ايضا لكتاب دوائر الخوف لناصر حامد أبوزيد نلمس الرؤية نفسها. فرغم التحليل النقدي الذي يتميز به أبوزيد خاصة وهو ينبه كثيرا الى خطورة مناقشة الفكر الديني في جميع القضايا بما في ذلك قضية النساء انطلاقا من الدين حيث دعا الى الابتعاد عن السقوط في فخ النصوص الدينية لان في ذلك يكمن الخطأ الفكري والمنهجي والسياسي للقبول الضمني بالاشتغال في اطار ايديولوجية الخصم التي تقوم باحتواء الخطاب النقدي وجعله تابعا هامشيا وهذا ما حصل لابن رشد مع الغزالي ولا يزال يحصل الى اليوم مع اغلب المفكرين التنويريين ومن بينهم ناصر حامد ابو زيد الذي يحكي تجربته في كتابه الخطاب والتأويل مع خطاب الفكر الديني اذ وجد نفسه فجأة غارقا في منطلقات واليات الخطاب الديني.

ورغم كل هذا الحذر المنهجي والوعي المعرفي الايديولوجي لممارسة الصراع الفكري والسياسي فان مقاربة أبو زيد لقضية المرأة في كتابه ” دوائر الخوف ” تبقى مجرد احتفاء بأسطورة الموقف الرائع للإسلام من المرأة غافلا عن مقاربة القضية من زاوية الموقف السلبي واللاإنساني للنص الديني من الإنسان عموما ومن المرأة بشكل خاص. فرغم نقده العلمي لمنطلقات واليات الفكر الديني في لغته العنصرية الطائفية وفي شكل ومضمون أفكاره الرجعية المتخلفة والبعيدة كل البعد عن القيم الإنسانية فان  نقده يبقى خجولا محتشما بالمعنى الايديولوجي وليس الأخلاقي أي أنه يمارسه الوجه الاخر للخطاب الديني اي التلاعب الايديولوجي السياسي بالدين لتحقيق النهضة والتنويروفي ذلك نوع من تديين الفكر النقدي بمعنى القبول بالقناع الديني كاستراتيجية في الكتابة النقدية للخطاب الديني. وهذا يدل على ان نصرحامد أبو زيد  متورط في دوائر الخوف المعرفي والاجتماعي السياسي اكثر من ممارسة نقد الدين والفكر الديني ليس بأسلوب التهجم الانفعالي بل من زاوية اطاره المعرفي الثقافي وشرطه الاجتماعي التاريخي.

وهذا ما سنعمل على توضيحه فالمسلم ازاء حقيقة واضحة كل الوضوح ان جميع ما يبدو انه تناقضات في النص الديني بين الرحمة والقتل الكراهية والمحبة التسامح وحرية الاعتقاد والتكفير والاكراه في الدين …   فالتحليل الذي اعتمدناه سابقا يبين ان ما يبدو لنا تناقضات هو ليس كذلك بالنسبة لتلك المجتمعات بل هي في انسجام مع اطارها المعرفي الثقافي والاجتماعي التاريخي فكل تلك التناقضات كانت تحظى بالقبول والرضا كأمر واقع طبيعي يستحيل في اطاره التفكير في الحرية الفكرية والدينية والمساواة الاجتماعية والعدالة والفردية… انها تعبر عن حياة الناس اي عن الدنيوي في النص الديني او بتعبير ادق عن العلمانية بمنطلقات واليات دينية اي من زاوية القدرة الخارقة للفاعل الاجتماعي كنبي وصحابة على تقديم خدمات معرفية ثقافية رمزية مقدسة في معاودة انتاج الاطار المشترك للوحدة الاجتماعية في تطورها التاريخي من القبيلة الى التحالف القبائلي.

وهذه التناقضات لا تطرح تساؤلات حول شك التحريف الذي يمكن قد طال النص الديني او في اجتهاد الكثرة من التأويلات لقول شيء قريب من هذا المعنى لحماية النص الديني من تناقضات عدم انسجامه وتماسكه كنص متعالي. الى غير ذلك من الاجتهادات التي يؤسسها الغياب التام للتمكن العلمي من المقاربات والمنهجيات الحديثة حيث تترجم عجزها بمنطلقات واليات اعجاز الحكمة الربانية و المعجزة عاملة على تكريس سبات العقل في الإسلام

اننا ازاء افكار ومقولات ايمانية ابعد عن الايمان واقرب الى التصلب الذهني و الفكري والنفسي الثقافي حيث تعتمد مقولات الثوابت والهوية الناجزة والمطلقة النهائية  ومفاهيم خاطئة حول التطور والصيرورة والتراكم والسيرورة التاريخية…

إن ما كان فضحية معرفية واجتماعية وأخلاقية صار اليوم ضرورة إنسانية ومعرفية و اجتماعية وأخلاقية محليا وكونيا. وما كان صالحا لذلك الزمان والمكان صار اليوم مدمرا ومخربا لمجتمعاتنا ولمجتمعات غيرنا وللعالم. فهي تجربة علمانية محدودة كتدبير ديني للدنيوي انتهت صلاحيتها على كل المستويات وصارت اليوم جنونا ارهابيا تخريبيا لان الفاعلين الاجتماعيين اليوم لا يمكن ان يعرضوا خدماتهم التي توافق الاطار المعرفي الثقافي والاجتماعي التاريخي إلا من خلال اسس واليات الدولة الحديثة ووفق معايير القيم الإنسانية المتعارف عليها دوليا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق