رحل جورج طرابيشي الَّذي فكَّر ضدّ المخاتلة بالتراث

بوفاة جورج طرابيشي  تخسر الثقافة العربية المعاصرة مرة أخرى علما بارزا من أعلامها ، وحسنا فعلت رابطة العقلانيين العرب بتكريمه قبل وفاته  في تظاهرة محترمة حضرت أشغالها  قبل عامين في بيت الحكمة بقرطاج، وقد دعوته على هامشها وقتها إلى  زيارة مدينة صفاقس لتقديم مداخلة ضمن ندوة الفلسفة والمقاومة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية  فاعتذر فوضعه الصحي لم يعد يسمح له بغير القليل من النشاط.

فيما أذكره عن الرجل أنه جاء إلى تونس العاصمة في مطلع الثمانينات من القرن الماضي وحاضر في دار الثقافة ابن رشيق وكنت وقتها طالبا، المحاضرة قاطعها أغلب الطلبة وكنت واحدا منهم فقد كان وقتها مصنفا تروتسكيا  بينما كان ستالين متربعا على عرش الحركة الطلابية، والطريف أن التونسي  العفيف الأخضر سيتهمه بعد سنوات من ذلك بأنه قومي عربي لينيني ستاليني يمارس الرقابة على مثقف ثوري مثله بتحوير ما يرسله للنشر في مجلة دراسات عربية البيروتية وأنه هدده لأجل ذلك بالرد بالعنف الثوري البروليتارى، وهو ما يؤكده طرابيشي الذي ذكر أن شابا عريض المنكبين أسمر اللون دخل عليه يوما في مكتبه بمقر تلك المجلة وأمسكه من كتفه ورفع في وجهه قبضته متوعدا وأن ذلك الشاب لم يكن غير رسول العفيف إليه وهو  محمد كبة الذي نقل نصوص لينين عن الدين إلى العربية وقضى شهيدا بعد ذلك في صفوف الحركة الوطنية اللبنانية.

ولم يكن حال طرابيشي مع أساتذة الفلسفة في الجامعة التونسية أفضل من حاله مع طلبتها  فقد كانوا يسخرون من ترجماته محذرين من الإقبال عليها وهناك من كان يردد بينهم أن الجامعة التونسية حصن منيع لن يدخله أمثال جورج طرابيشي  وهكذا لم يكن معترفا به تونسيا لا في ساحة العلم الضيقة ولا في ساحات النضال الواسعة، وجرت بعد ذلك مياه دافقة في نهر المعرفة وتصالح معه كثيرون وأصبحوا يحاضرون عنه دون حرج. ويبدو أن استقبال جورج طرابيشي في تونس لم يكن يختلف كثيرا عن استقباله في المغرب وهو ما ألمح  إليه سعيد ناشيد في مقال عنه نشره موقع الأوان قبل مدة.

وبالعودة إلى فكر طرابيشي  نلاحظ بيسر أنه تشكل تحت وطأة الواقع الذي نشأ فيه فقد تحرك  ضمن عالم شرقي مسكون بالأديان والنبوات والمعجزات والخيالات  لا تمثل فيه الحداثة غير قشرة برانية خادعة  فحاول هتك أسرار السماء  بإرجاع ما هو ملغز فيها إلى أصوله الأرضية ، سيرا على طريق ماركس فمفتاح السماء الشرقية الأرض الشرقية ونقد الدين هو الشرط الممهد لكل نقد ،  لذلك بحث علاقة النبوة بالواقع الاقتصادي و الاجتماعي والسياسي مثلما سعى إلى ربط الصلة بين المعجزة والتاريخ الخ..

في واقع كهذا فإن الفكر غير منفصل عن الممارسة وإلا تحول إلى سخافة نظرية لذلك كان طرابيشي مثقفا ومناضلا أيضا فعرف السجون والمنافي وانتمى الى حزب البعث العربي الاشتراكي قبل ان يستقيل منه ويؤسس مع ياسين الحافظ وعدد آخر من البعثيين اليساريين حزب العمال العربي الثوري ويبدو انه اختار بعد ذلك الابتعاد عن الالتزام الحزبي  فضعف فيه شيئا فشيئا المناضل الحزبي  بينما قوى المفكر النقدي فربحت الثقافة العربية المعاصرة بذلك عقلا نقديا ربما كانت  السياسة ستحول دونه و الولوج إلى قضايا الفكر الشائكة والمعقدة.

يتداخل في مقاربة طرابيشي الفكرية الاقتصادي والاجتماعي السياسي مع السيكولوجي فقد حاول النفاذ إلى ما وراء الانكسارات والجراحات والآلام والأحزان والآهات والانهيارات فليس علمنا وهما وإنما الوهم أن نعتقد  اننا سنجد خارجه ما لا يستطيع هو ان يقدمه لنا بحسب عبارات فرويد مثلما حاول إدراك   ما يفسر الاستغلال والاستعمار والهيمنة و من ثمة  جعل الاضطهاد اشد وطأة بان نضيف اليه وعى الاضطهاد بعبارات ماركس . لذلك كان فرويد وماركس حاضرين بقوة ضمن ما كتبه وقد اخرج تلك المقاربة في أسلوب  يزخر بالحياة بما يذكر بكتابات  ياسين الحافظ والياس مرقص على نحو خاص.

بعد سنوات طويلة من البحث وغزارة التأليف  فإن اسم جورج طرابيشي ينضاف إلى كوكبة من المثقفين العرب مثل محمد عابد الجابري ونصر حامد ابوزيد وهادى علوى والياس مرقص وياسين الحافظ وهشام جعيط وصادق جلال العظم ومحمد أركون وطيب تزينى وعزيز العظمة وغيرهم الذين لم تكن مهمتهم شرح وتحليل ما قاله  الفلاسفة والمفكرون والمؤرخون والمتكلمون والفقهاء السابقون بقدر ما كانت  إنتاج مشاريع فكرية يكون لها وقع الزوابع العاتية على الذهنية الرائجة وان كان قد احتل موقعه معهم باعتباره ناقدا لمشروع الجابري بصورة رئيسية وبينما كان غيره يكتب دون الالتفات غالبا الى البقية فانه أسس للمناظرة في الكتابات العربية المعاصرة سيرا على عادة قديمة نجدها عند المفكرين العرب الكلاسيكيين الذين كانوا يناظرون بعضهم البعض  مثلما جري  بين الرازى الطبيب والرازى المتكلم وبين ابن سينا والبيرونى وبين ابن رشد والغزالي الخ …

وعلى سبيل الذكر  فإن استنطاق المناظرة بين الرازيين حول النبوة يمكننا من الوقوف على ملمح مهم من ملامح الحوار وآدابه في الموروث العربي، ففي تلك المناظرة  آداب تحيل إلى ايتيقا الحوار ، فقد  تمت وجها لوجه في مجلس أميري بين فيلسوف من جهة ومتكلم وداعية من جهة ثانية، وكان مدارها إشكالية عويصة تمثل جوهر الدين نفسه ونعنى النبوة ، مما يمنحها أهمية خاصة من حيث كونها مشبعة باحراجات فلسفية شتى.

لقد كان الحوار حجاجيا فتعاقبت فيه الأسئلة والأجوبة كما تم فيه استدعاء مدونات معرفية مختلفة ، ورغم تباعد آراء المتناظرين  بل تناقضها غالبا كان هناك حوار ، وهذا مهم جدا من زاوية التاريخ فالأبواب لم تكون موصدة بين مثقفي تلك المرحلة التاريخية الموسومة بانفتاح فكري لافت ، مما يدعونا إلى البحث في الشروط المعرفية التي سمحت به.

وإذا كانت  تواليف الرازي الطبيب قد طواها الزمن جراء موجات التكفير المتلاحقة فإننا نظفر بجانب من آرائه في تلك المناظرة ، فقد حفظها الرازي المتكلم ويا للمفارقة ، ومن ثمة فإنها توفر لنا بمضامينها التي اشتمل عليها  كتاب أعلام النبوة لأبي حاتم الرازي الوقوف على الحوار موضوع حديثنا ، فضلا عن ملامسة فلسفة آبي بكر الرازي الدينية التي كان حريصا على دحضها واثبات تهافتها.

هل كان طرابيشي ينشد مثل هذه المناظرة وهو ينقد مشروع الجابري ؟ نعم ، ولكن منشوده لم يتحقق فقد كان الحوار من جانب واحد إذ صمت الجابري وتولى مهمة الرد بعض تلامذته وان بصورة غير مباشرة ، والمهم هنا أنه مع طرابيشي نستكشف  معركة مشوقة مع الجابري كان لها ولا يزال إغراؤها.

حرص طرابيشي أثناء عودته إلى النصوص  التراثية على البحث فيها بعيون جديدة فالنص يُقرأ على ضوء مشكلة وهو قابل لقراءات مختلفة ومتجددة فكان تأويله لا يتوقف إلا ليبدأ من جديد ، مشتبكا مع تلك النصوص وخلال ذلك تطورت قدرته   التأويلية من حيث منطلقاتها و مآلاتها.

.ومقابل الدعوات المتسرعة في التعامل مع الموروث العربي من خلال القطع معه التي انتشرت خاصة مطلع الستينات من القرن الماضي باعتباره فائتا وميتا ونكوصيا  حرص هو على تملكه و إعادة قراءته والدفع به في معركة التحديث والعلمنة والعقلنة كي يكون سلاحا للتغيير ، يحدوه مطلب انتزاعه من يد قوى الارتكاس التي جعلت منه لجاما يحيل أمة بأكملها على الصمت أو في أفضل الأحوال يجعلها تعيش على ترديد ما يقوله شيوخ المخاتلة بالدين الذين يزعمون السير على الصراط المستقيم.

كان طرابيشي عاشق حكمة رغم أن علاقته بالفلسفة قد نشأت وتطورت خارج أسوار الجامعات  فحاول كسر حلقات الدوغما والقطع مع المكرور  وكشف المخاتلة ومقاومة الغباء  ، مجيدا التجوال بين الأنقاض وفحص  ما أسفرت عنه الاشتباكات السابقة فنار المعارك في مجال الدراسات التراثية  كانت مشتعلة من حوله فلم يحاول إطفاءها بل زادها التهابا.

وقد كان على وعى بانتمائه إلى أمة تمتلك موروثا ضخما ودون تصفية حساب عقلية ونقدية مع ذلك الموروث لا يمكنها انجاز مهمة التوحيد والتحرر والعدل الاجتماعي والعلمنة والديمقراطية لذلك كان يحلم بثورة لاهوتية ويتنبأ بمجئ فولتير مسلم ، مؤكدا الحاجة إلى لاهوت تحرير إسلامي ممهدا لكل ذلك باستنطاق الكلام والفقه والقرآن والحديث فضـــلا عن فلسفة العرب بحثا عن مهماز يدفع نحو ذلك كله.

ولم يكن من الفارين من مواجهة الموروث نقديا ولا الابتعاد عن مناطق التوتر الإيديولوجي بحثا عن الأمان المعرفي فقد كان من عشاق إشعال الحرائق مسكونا بالمروق والهرطقة وقصف المعابد الفكرية المقدسة وتدميرها فوق رؤوس أصحابها  ولم يرض بأن يكون دعيا حداثيا ينقر على طبول جوفاء بل حاول الاستفادة من مكاسب الحداثة في تملك التراث عقليا ونقديا.

ربما تتمثل مأساة طرابيشي في أنه عبر عن قوى ضعيفة اجتماعيا فكانت خيبته من خيبتها فرافعة ذلك الخطاب كانت ولا تزال شبه معدومة من جهة الوعي بالذات من حيث هي حاملة راية التغيير وصانعته ولكنه كان يعلم أن تلك  الخيبة مؤقتة بمعيار التاريخ فخاطب المستقبل مثل كثيرين غيره من المثقفين العرب الحالمين بمآلات منيرة لواقع مظلم  بمعيار الديالكتيك، ولم يفلت بدوره من اكراهات الواقع فتنقله بين مدارس مختلفة لا يفسر فقط باجتهاداته الفكرية وإنما أيضا بما فرضته الوقائع السياسية والاجتماعية العينية وتحولاتها الدراماتيكية ومن هنا تأرجحه ، فقد كان ينوس بين مدارس مختلفة وأحيانا متناقضة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق