مفهوم المعرفة بقلم: أندريه كونت سبونفيل

“تعجز العيون عن معرفة طبيعة الأشياء” لوكريس

أن يعرف المرء، معناه أن يفكر فيما هو كائن: المعرفة هي رابطة ما- من التطابق والتشابه والتكافؤ- بين العقل والعالم، بين الذات والموضوع. هكذا، تتم معرفتنا بالأصدقاء، بالحي، بالمسكن، لأن ما يقطن في عقلنا، حينما نفكر في هذه الأمور، يطابق تقريبا ما يوجد في الواقع.

إن هذا الملفوظ “تقريبا ما” هو ما يميز المعرفة عن الحقيقة. فقد نخطئ  في شأن أصدقائه، وقد نجهل كل شيء عن حيه، بل قد لا نعلم شيئا كثيرا حتى عن مسكنه الخاص. من يستطيع الجزم أن مسكنه لم يسبق أن تعرض لهجوم من قبل النمل الأبيض أو شيد، خلافا لذلك، على كنوز مطمورة؟ فلا وجود إذن لمعرفة مطلقة، ولا لمعرفة كاملة ولا لمعرفة لانهائية. فهل المرء على معرفة بحيه؟ طبعا! لكن، لكي يعرفه معرفة تامة، لابد أن يتوفر على قدرة وصف دقائق الزقاق الذي يقطن فيه، وكل عمارة في أي زقاق، وكل شقة في أي عمارة، وكل زاوية في أي شقة، وكل حبة غبار منثورة في أي زاوية، وكل ذرة في أي حبة، وكل جزيء الكتروني في أي ذرة…كيف يتأتى له انجاز هذه الأشياء؟ يلزم الشخص علما مكتملا وذكاء لامتناه: والحال، لا هذا ولا ذاك في متناول الإنسان.

بيد أن هذا الأمر لا يعني جهلنا بكل شيء. لو كان الأمر كذلك، فكيف يصح لنا أن نفرق بين المعرفة والجهل؟ سؤال مونتاني، من حيث هو سؤال عن الواقعة (“ماذا أعرف”)؟ أو سؤال كانط، من حيث هو سؤال عن الحق (ماذا يمكن أن أعرف؟ كيف وبأي شروط؟) يفترضان معا فكرة حقيقة ما، على الأقل، ممكنة. أما إذا استحال وجودها تماما، كيف بإمكاننا أن نبرهن، بل وما جدوى من الفلسفة؟

إن الحقيقة هي ما هو كائن (حقيقة الكائن Veritas essendi) أو مطابقة تامة لما هو كائن(حقيقة المعرفة Veritas cognoscendi). لهذا السبب، فأي معرفة ليست هي الحقيقة: لأننا لا نعرف تماما وعلى نحو مطلق ما هو كائن، ولا كل ما هو كائن. فليس بمقدورنا معرفة أي شيء من الأشياء إلا من خلال حواسنا، وذهننا، ونظرياتنا. فكيف يجوز أن تتأتى لنا معرفة مباشرة بما أن كل معرفة، بالطبيعة، هي وسيطة؟ إن أبسط أفكارنا تسم جسدنا، عقلنا، وثقافتنا. فكل فكرة تسكن بواطننا هي فكرة إنسانية، ذاتية، ومحدودة، وبالتالي، لا يمكن لها أن تتطابق تطابقا مطلقا مع التعقد الدائم للواقع.

جاء على لسان مونتاني:”تعجز عيون البشر على إدراك الأشياء إلا عبر أشكالها المعرفية”، ولا يمكن التفكير فيها، كما سيبين كانط، إلا من خلال أشكال فهمنا. مثلما أن عيون أخرى سترينا مناظر أخرى؛ بحيث سيفكر فيها عقل أخر بمنظار مغاير. مثلما سيتأتى لدماغ أخر،ربما، اختراع رياضيات أخرى أو فيزياء أخرى أو بيولوجيا أخرى. فكيف سنتمكن إذن من معرفة الأشياء كما هي في ذاتها، بما أن معرفتها هي دوما أن ندركها أو أن نفكر فيها كما تتبدى لنا؟ إذا استحال أي منفذ مباشر للحقيقي (لا قدرة لنا على معرفته إلا من خلال حساسيتنا أو عقلنا، أو بأدوات الملاحظة والقياس أو بمفاهيمنا أو بنظرياتنا..)، وأي اتصال مطلق مع المطلق، وأي انفتاح لامتناه على اللامتناهي؛ فكيف يتحصل لنا معرفتها(الأشياء)على نحو مطلق؟ ومن حيث كوننا في انفصال عن الواقع بالوسائل ذاتها التي تمنح لنا إدراكه وفهمه؛ فكيف سيتأتى لنا معرفته على نحو مطلق؟ وإذا كانت المعرفة لا توجد إلا من أجل ذات ما، فكيف يجوز، حتى وإن كانت معرفة علمية، أن تكون موضوعية بالكامل؟

هكذا تعتبر الحقيقة والمعرفة مفهومين مختلفين، إلا أنهما متضامنان. فليست أي معرفة هي الحقيقة، لكن معرفة لا تكون حقيقية بالمرة، لن تصير أبدا معرفة(ستؤول هذيانا، خطأ، وهما). كما أن أي معرفة ليست مطلقة، لكن معرفة لا تكون كذلك- لا فقط اعتقاد أو رأي- إلا بجزء المطلق الذي تتضمنه أو تسمح به.

لنضرب مثالا عن حركة الأرض حول الشمس، فلا أحد بإمكانه أن يعرفها معرفة مطلقة، كلية وكاملة. لكن نحن على علم بوجود هذه الحركة، والتي هي أساسا حركة دورانية. إن نظرية كوبرنيك ونظرية نيوتن، لما تنطوي عليهما من نسبية(بما أن الأمر يخص نظريات علمية)، هما أصوب وأيقن- وبالتالي أكثر إطلاقية- مقارنة مع نظريات هيبارخ(= أبرخش)وبطليموس. على اعتبار أن النظرية النسبية هي أكثر إطلاقا (خلافا لما يوحي به اسمها النسبية!) من الميكانيكا العلوية في القرن 18، التي تفسرها، بينما لا يتمكن هذا القرن من تفسيرها، فأن تتحلى كل معرفة بالطابع النسبي، لا يعني أنها تتساوى جميعا. لأن التقدم يستحيل إنكاره في تاريخ العلوم: بدءا من نيوتن إلى اينشتاين ومن بطليموس إلى نيوتن.

لهذا السبب هناك تاريخ للعلوم، ولهذا السبب أيضا يعتبر هذا التاريخ في الوقت ذاته معياريا ولا يقبل الرجوع قهقرى: لأنه يقابل الأصح بأقل صحة، وينزه ذهننا مرة أخرى من السقوط في الأخطاء التي فهمت وتم دحضها. هذا ما أبان عليه، كل بطريقته الخاصة، بشلار وبوبر. فلا وجود أصلا لعلم نهائي. لكن إذا كان تاريخ العلوم هو”من أكثر التواريخ كافة الذي يتعذر فيه الرجوع قهقرى”بحسب تعبير بشلار، فلأن تقدمه قابل للبرهنة ومبرهن عليه، ولأنه”المحرك نفسه للثقافة العلمية”. فليس هناك نظرية علمية تظل صادقة على نحو مطلق، ولا هي، بالحري، قابلة للتحقق تحققا مطلقا. بيد أنه من الضروري أن تتوفر على إمكانية، بما أنها نظرية علمية، مجابهتها بالتجربة قصد اختبارها والسعي إلى تزييفها باصطلاح كارل بوبر. وبعبارة أخرى، أن نقوم بإبراز،عند الاقتضاء،عن خطئها.فالنظريات العلمية التي تصمد لهذه الاختبارات، تأخذ مواقع النظريات الأخرى المستسلمة، سواء بالاحتواء أو التجاوز. إن هذا الأمر أشبه بانتقاء ثقافي للنظريات (بالمعنى الدارويني للكلمة: الانتقاء الطبيعي للأنواع)، والذي بفضله، تطورت العلوم؛ تطور لا ينهج منحى الانتقال من حقائق يقينية إلى أخرى أكثر يقينا كما دأبنا على الاعتقاد أحيانا، بل هو تطور يتم “عن طريق التعميق والشطبات” حسب تعبير كافياس Cavaillés، أو بعبارة أدق: “عبر محاولات وإزالة الأخطاء، إذا ما استعرنا مفردات كارل بوبر. لهذا السبب تعتبر النظرية العلمية دوما نظرية جزئية، مؤقتة، ونسبية، دون أن يعني ذلك، جواز رفضها بالمرة ولا تفضيلها على الجهل والخرافة، لأن مثل هذا الموقف يتضمن استغناء عن المعرفة. إن تقدم العلوم الباهر، غير قابل للنكران، هو ما يثبت في الوقت ذاته نسبيته (لا تقدم لأي علم مطلق) وحقيقته الجزئية على أقل تقدير( لو أن لا شيء حقيقي في علومنا، فلن يكتب لها أبدا أن تتطور، بل لن تكون هناك علوما أصلا).

هكذا سنتفادى، بالرغم من ذلك، الالتباس بين المعارف والعلوم أو السعي إلى اختزال هذه بتلك. فالمرء أدرى بعنوانه، بميلاده، برفاقه، بأذواقه، وشتى الأشياء الأخرى، التي لن يعلمها له أي علم من العلوم أو يضمنها. فالإدراك هو مسبقا معرفة، والتجربة هي مسبقا معرفة، فهما من نفس الموجة(ينعتها سبينوزا بالمعرفة من النوع الأول)، والتي بدونها يصبح العلم ضربا من المستحيل.”الحقيقة العلمية” إذن، ليست مجرد إطناب: هناك حقائق غير علمية ونظريات علمية، حيث سيأتي يوما ما، نكتشف فيه على أنها ليست حقيقية.

تخيل على سبيل المثال، أن شخصا ما مطالب بإدلاء شهادة أمام المحكمة… فليس المطلوب منه أن يبرهن علميا عن هذه النقطة أو تلك، بل أن يكتفي ببساطة بالتصريح عما يعتقد به أو، في أحسن الأحوال، عما يعرفه. هل بإمكان المرء أن يخطأ؟ لاريب فيه. لهذا السبب، يعتبر تعدد الشهود إجراء قضائيا محمودا. بيد أن هذا التعدد عينه، لا معنى له إلا في حالة افتراض حقيقة ممكنة، ولن تكون هناك عدالة بغير هذه. إذا استحال أي منفذ للحقيقة، أو انعدمت الحقيقة، فأي فرق بين المتهم والبريء؟ أو بين الشاهد والمفتري؟ أو بين العدالة والخطأ القضائي؟ أو ما الداعي إلى مجابهة الأشخاص السلبيين، والظلاميين، والكذابين؟

إن الأهم في هذا المقام، هو تجنب الالتباس الكائن بين نزعة الشكاك والسفسطائية. فأن يكون المرء من دعاة الشك، كمونتاني وهيوم، معناه أن يفكر بأن لا شيء يقيني، ولنا في هذا الشأن مبررات راجحة. لأن ما نسميه يقينا، هو ما لا نستطيع الشك فيه. لكن ما الذي يثبته عجز ما؟ لقد كان الناس، منذ ملايين السنين، على يقين بأن الأرض ثابتة: سكون الأرض. ومن ثمة سيصير اليقين معرفة مبرهنة عليها. بل إن استدلالاتنا لا يتم الجزم في وثوقيتها إلا إذا أقرها عقلنا، والحال، كيف يمكن أن نثبت أنه على يقين من ذلك، بما أنه هو ذاته لا يتحقق إثباته إلا عبره؟ كتب مونتاني في هذا الصدد: “لكي نحكم على المظاهر التي نتلقاها من الموضوعات، لابد أن نستعين بأداة حكم، ولكي نتحقق من هذه الأداة، يتوجب البرهنة عليها، ولكي نتأكد من البرهنة، نتوسل إلى الأداة، هكذا يجد المرء نفسه يحوم في حلقة مفرغة”. إنها حلقة المعرفة، التي تصد كل من يزعم ابتغاء المطلق! هل من السهل الخروج من هذا النفق المسدود؟ هناك مخرجان لا ثالث لهما: التجربة والعقل. لكن لا هذه ولا ذاك قادران على تحقيق ذلك: لأن التجربة تتوقف على الحواس، ولأن العقل يتوقف على ذاته.”بما أن الحواس عاجزة عن الحد من خلافاتنا- يستأنف مونتاني- لكونها هي ذاتها غاصة باللايقين، فمن الضروري أن نتوسل بالعقل، غير أن أي عقل، لن يتأسس دون استناد إلى عقل آخر: ها نحن هنا نعود قهقرى إلى ما لانهاية”. وعليه، لم يعد أمامنا من خيار آخر إلا الدائرة والانحدار إلى ما لانهاية؛ فأن نقول بانعدام الخيار: فإن هذا اللاخيار  نفسه الذي يجعل المعرفة ممكنة (الحواس، العقل، الحكم)، هو ما يصدها من إقامة اليقين.

وفي عبارة بديعة لجول لوكييJules Lequier:”عندما نعتقد بإيمان متين بأننا نمتلك الحقيقة، فإنه ينبغي أن نعرف أننا نعتقد بها، لا أن نعتقد بأننا على معرفة بها”. فطوبى لهيوم وللتسامح.

كما تشدنا كذلك عبارة أخرى رائعة لمارسيل كونشMarcel Conche بشأن مونتاني. بلاشك هناك يقينيات تبدو أكثرها يقينيات حق (يقينيات مؤسسة أو مبررة على نحو مطلق)، غير أن”اليقين بوجود يقينيات على المستوى النظري ليس أبدا إلا يقينا على المستوى العملي”. يجب أن نستنتج من هذا الأمر، أن اليقين الأكثر صلابة، بالمعنى الدقيق للكلمة، لا يثبت شيئا : فلا وجود لأدلة دامغة على الإطلاق.

هل يجب إذن التخلي عن التفكير؟ طبعا لا.”يحتمل أن تكون المبرهنات صادقة، كما لاحظ باسكال، لكن دون سند يقيني”. في الواقع، هذا الأمر لا يبرهن عليه، بما أن كل برهنة تفترضه. إن قضية”وجود مبرهنات صادقة” هي قضية يتعذر البرهنة عليها. وقضية”الرياضيات صادقة” هي غير قابلة لمحك البرهنة الرياضية. مثلما أن قضية “العلوم التجريبية صادقة”هي غير قابلة للتحقق التجريبي. لكن هذا لا يحول دون الاشتغال بالرياضيات أو الفيزياء أو البيولوجيا، ولا التفكير أن برهنة ما أو تجربة ما هي أفضل أو أكثر أهمية من رأي معين. بهذا المعنى لا مبرر لأن نكف عن استقصاء الحقيقة بدعوى أن لا شيء يكون يقينيا، مثلما لا يوجد ما يؤكد، كما لاحظ أيضا باسكال، أن كل شيء يكون غير يقيني. إن هذا الإشكال هو الذي يعطي للشكاك مبررا معقولا، بينما المبرر عينه هو من يصدهم على إثباته. فطوبى للنزعة البيرونية ولمونتاني. في الحقيقة، ليس مذهب الشكاك نقيض النزعة العقلانية، وإنما هو مذهب عقلاني، واضح ومندفع إلى أقصى حد، بل يصل الأمر إلى درجة يتأتى فيه العقل الارتياب، من شدة الصرامة، في يقينه الظاهر. لكن ما الذي يثبته مظهر ما؟

أما في ما يخص السفسطائية، فلها منحى آخر: فلا يتعلق الأمر بأن يعتقد المرء أن لا شيء يقيني، بل أن يعتقد أن لا شيء حقيقي. فلم يسبق لمونتاني ولا هيوم أن أدرجا هذا النوع من التفكير في كتاباتهما. هب أنهما سايرا هذا الاعتقاد، فكيف سيتأتى لهما القدرة على التفلسف؟ وما الداعي لفعل ذلك؟ إذا كان مذهب الشكاك نقيض الدوغمائية، فإن النزعة السفسطائية هي نقيض العقلانية، بل نقيض الفلسفة. وبما أن لا شيء حقيقي، فما الذي سيتبقى من عقلنا؟ كيف يتأتى لنا أن نناقش، أن نحاجج، وأن نعرف؟ “هل معنى هذا أن كل شخص يمتلك حقيقته؟”. إذا كان الأمر كذلك، فلن تكون هناك حقيقة بالمرة، طالما أن قيمتها لا تساوي شيئا إلا إذا وسمت بالكونية. فعلى سبيل المثال: أنت تقرأ في الوقت الحاضر هذا الكتاب الموجز، فلا أحد أخر غيرك، ربما، يعلم بذلك. لكن،مع ذلك، يبقى الأمر حقيقيا كونيا: فلا يوجد شخص بإمكانه نفي ذلك، في أي منطقة ما أو في أي عصر ما دون أن يظهر جهله ورياءه. لهذا”يعتبر الكوني مأوى الأفكار”بتعبير “ألن”Alain. وهذا ما يجيز للبشر التساوي جميعا، على الأقل في نطاق الحق، أمام الصواب”. وبما أن الحقيقة لا تنتمي لأي شخص، فهي لهذا السبب تنتمي، في نطاق الحق، إلى كافة البشر. فهي لا تقبل الإذعان لأحد، لهذا السبب تكون حرة ومحررة.

أن يكون السفسطائيون مخطئين، فهذا ما لا يحتاج إلى البرهنة عليه(بما أن كل برهنة تفترض على الأقل فكرة الحقيقة)؛ لكن أن يكونوا على حق، فهذا ما لا يمكن حتى التفكير فيه بكيفية منسجمة. إذا انعدمت الحقيقة فلن يكون من الصواب ألا توجد حقيقة. وإذا كانت الأشياء كلها على خطأ، كما يراد لها نيتشه، سيكون من الخطأ أن تكون جميعها باطلة. وهذا ما أودى بالسفسطائية إلى السقوط في مطب المغالطات (عكس مذهب الشكاك) وإلى تهديم نفسها بنفسها كفلسفة. بل إن السفسطائيين لا يولون اهتماما على الإطلاق لهذا الأمر. ما هو أثر التناقض عليهم؟ وماذا هم بالفلسفة صانعون؟ بيد أن الفلاسفة، منذ سقراط، كانوا في انشغال كبير بمباحثها. وكانت مبرراتهم في ذلك، ترجع بالأساس إلى شغفهم بالعقل ذاته وبمحبة الحقيقة. فلو كان لاشيء حقيقي، فسيكون بإمكاننا أن نفكر في أي شيء، وهو ما يتلاءم ومذهب السفسطائيين. بل لن يكون بإمكاننا، والحالة هذه، أن نمارس فعل التفكير أصلا، وهو ما يشكل ضربة قاتلة  للفلسفة.

 

أتصور السفسطائية كل فكر يذعن لشيء أخر خلا ما يبدو حقا، أو كل فكر يخضع الحقيقة إلى شيء أخر عدا ذاتها(مثلا إذعانها للقوة، للمصلحة، للرغبة، للإيديولوجية…). المعرفة تجعلنا نظريا بمنأى عن تأثيرها، وعمليا كما هو الشأن في الإخلاص. إذا كان لاشيء على بطلان ولا على صواب، فلن يكون بمقدورنا التمييز بين المعرفة والجهل، ولا بين الإخلاص والكذب. كما أن العلوم لن يتأتى لها الاستمرار على قيد الحياة ولا للأخلاق ولا للديمقراطية. فلو شاءت الأمور أن كل شيء يكون خاطئا، لاستبيحت كل الأشياء: نستطيع أن نتلاعب بالتجارب أو بالمبرهنات (بما أن لاشيء منها سليما)، أو أن نضع الخرافة والعلم في نفس الإطار(بما أن أية حقيقة غير مفصولة عنهما)، أو أن ندين بريئا(مادام هناك غياب تمييز دقيق بين البطلان والصدق في الإدلاء بالشهادة)، أو أن ننفي الحقائق التاريخية الأكثر رسوخا(مادامت كذلك خاطئة مثل غيرها)، أو أن نترك المجرمين في حالة سراح(مادام أنه من الخطأ اعتبارهم مذنبين)، أو أن نأذن لأنفسنا بأن نكون شيئا واحدا(بما أنه، حتى حين نكون مذنبين، فليس حقيقة أننا كذلك)، أو أن نرفض كل صلاحية لأي تصويت على الإطلاق (بما أن أي تصويت لا يساوي شيئا إلا إذا كنا نعلم حقا نتيجته)…من هذا الشخص الذي لا يرى المخاطر تحدق بالمعرفة؟ فإذا كنا قادرين على أن نفكر في أي شيء، سيجوز لأنفسنا أن نفعل أي شيء: السفسطائية تقود إلى العدمية، مثلما العدمية تقود إلى البربرية.

هذا ما يهب للمعرفة حمولتها الروحية والحضارية.”ما الأنوار؟” يتساءل كانط. إنه “خروج الإنسان من القصور الذاتي، قصور لا يمكن الخروج منه إلا عبر المعرفة:” Sapere aude ! تجرأ على المعرفة! تجرأ على استخدام فهمك الخاص! هذا إذن هو شعار الأنوار”. وحتى وإن لم تدمغ المعرفة دوما بطابع الوعظ الأخلاقي(أن يعرف المرء ليس معناه أن يقرر، وأن يقرر ليس معناه أن يعرف)، فإن كل معرفة هي درس أخلاقي، على اعتبار أن أي أخلاق مستحيلة بدونها، ولا ضدها.

لهذا السبب لابد على الإنسان أن يستمر في استقصاء عن الحقيقة، “بكل روحه”، كما قال أفلاطون، لاسيما وأن الروح ليست شيئا أخر، ربما، إلا هذا الاستقصاء عينه.

ولهذا السبب كذلك، لن يكون بإمكاننا أبدا الكف عن البحث. لا لأننا لن نعلم شيئا،  وهو ما ليس صحيحا على الأرجح، بل لأننا لن نعرف كافة الأشياء. لقد سمى أرسطو العظيم، بحسه المعهود، الأشياء بمسمياتها:”إن البحث عن الحقيقة هو في آن معا بحث عسير ويسير، بحيث ليس بمقدور أحد بلوغها إطلاقا، ولا افتقادها تماما.”

إن هذا الاستقصاء عن الحقيقة هو المسلك الذي يتيح لنا فرصة فعل التعلم الدائم، ويبطل دعوى الدوغمائيين(الدعاة إلى امتلاك الحق بشكل مطلق)، كما هو الشأن عند السفسطائيين(الدعاة إلى استحالة وجود الحق أو أنه بمنأى عن متناول الإنسان على الإطلاق).

هكذا، يمكن القول أن ما بين الجهل المطلق والمعرفة المطلقة، يقطن مجال للمعرفة ومجال لتقدم المعارف. عمل موفق للجميع.

  André Comte-Sponville, Présentations de la philosophie, éd. Albin Michel S.A..2000

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق