شكسبير والموت (بمناسبة مرور 400 عام على رحيله) أماندا سفينسون

في 23 أبريل هذا العام يحتفل العالم بمرور 400 عام على خلود شكسبير. قبل حلول هذا اليوم بأسبوع واحد كنت وحدي عند قبره في كنيسة هولي ترينيتي بستراتفورد أوبون أفون، أطارد شبحه. وقتها شعرت بشيء غريب. وأنا جالسة القرفصاء عند الشاهدة المسطحة داهمني شعور، مفاجئ وقوي معاً، بالحميمية وبالاستغراب الممزوج بشيء من النشوة. أن أكون وحدي في غرفة واحدة مع شكسبير! إنه نفس الشعور بالحميمية والاستغراب الذي يمنحه شكسبير لكل شخص يقيم اتصالاً مع نصوصه، والذي جعله حياً الى الأبد.

رحل شكسبير – على الأرجح – في يوم ميلاده الثاني والخمسين، 23 نيسان (أبريل) 1616. أن يموت في نفس تاريخ ميلاده لهو شيء يبعث على الخيال، فهو يشير الى حياة بلا نهاية، حيث الولادة والموت كشيء واحد. وهذا اللغز في تأريخ مولده وموته أراه ينسجم مع الحقيقة المعترف بها بأن شكسبير خالد.

وماذا يعني هذا؟

من الشائع في الثقافة الشعبية أن تفسر كلمة “خالد” حرفياً، وتطلق على أدباء أو على أعمال هنا وهناك. ولكن كرمز للعبقرية الكونية والعابرة للزمان، وكرمز لطبيعة الانسان الشعرية، بل وكرمز للفن بحد ذاته، سافر شكسبير عبر الزمن، وولد من جديد في أجساد جديدة وخُلِّد بوصفه ملك الأحلام.

قبل أربع سنوات من كتابة شكسبير مسرحية “هاملت” (1596) مات إبنه “هامنت” في سن الحادية عشر. كثيراً ما قيل بأن التشابه في الاسم كان مصادفة، وقلل باحثون عديدون من أثر موت هامنت على المستقبل الأدبي لشكسبير، بدعوى أن الأطفال كانوا يموتون كالذباب في ذلك الزمن ولذلك لم يكن الآباء والأمهات يتعلقون بشدة بطفل معين، فعلى المرء أن يحسب حساباً للخسائر – كما يقول المثل. وهذه الحجة مبنية على حذر أنثروبولوجي مبالغ به: بمعنى أننا لا ينبغي أن نتوهم بأن الناس في زمن شكسبير كانوا يفكرون مثلنا ويحبون مثلنا.

ولكن هذه الحجة تتعثر عندما نطبقها على حياة وشعر شكسبير بالذات. أليست الغالبية متفقة على أن عظمة شكسبير – أي خلوده – تكمن في حقيقة أن شخصياته الدرامية تشبهنا جداً وحديثة جداً؟ وعليه فأنا أثق أكثر بحجة ستيفن غرينبلات المقنعة في كتابه “Will in the world” بأن موت هامنت قد ترك أثراً له ثقله في إنتاج شكسبير فيما بعد، على الأقل في “هاملت”. يقول غرينبلات أنه في زمن شكسبير كان الباب بين عالمي الأموات والأحياء يراوح جيئة وذهاباً وليس كما هو اليوم مغلقاً بقسوة.

نشط شكسبير وسط فترة الاصلاح الانجليزي، حيث جاءت البروتستانتية لتضع الفكرة الكاثوليكية عن الموقف ما بين الحياة والموت (المَطْهر) في خانة الخرافة، وتحرم الصلاة على الميت. وإزاء هذه الحقيقة فان المقطع المسرحي عن “اختفاء الشبح”، والذي يظهر سواء في “هاملت” أو في “مكبث” أو في “يوليوس قيصر”، من الممكن قراءته قراءة رمزية: اختفاء عالم الأرواح. بمعنى، أي عزاء يبقى لنا عندما لن يعود ممكناً حتى الصلاة على أرواح الموتى؟ ربما كان قنوط هاملت وإحساسه بالشلل عن القيام بأي فعل بعد موت الأب، عرَضاً من أعراض الفراغ والعجز التي لابد أنها – بالضرورة – ظهرت الى السطح في المفاوضات التي كانت الكنيسة تخوضها حول شروط الموت. ربما كان شكسبير يداوي في نفسه ضياعاً مماثلاً عن طريق الكتابة، الكتابة عن الموت، لكن أيضاً الكتابة عن القيامة من الموت.

كثيرة هي الشخصيات الدرامية الشكسبيرية التي واجهت الموت، وغالباً واجهته بطريقة عنيفة وخارقة، ولكي نكون دقيقين فقد بلغ عددها 74 إنساناً وذبابة واحدة. هذا القدر الكبير من حالات الموت الدراماتيكية والدموية يُنْسَب عادة الى الجانب التجاري من شكسبير، فبكل بساطة كان يعرف ما الذي يجذب الجمهور. وفي الوقت نفسه كان مشغولاً أيضاً بالجوانب الناعمة في الموت البشري.

الموت عند شكسبير حتمي لكن ليس بالضرورة أبدياً. وتراجيدياته تزدحم بالأشباح وبالزوار المهدِّدين الذين – خصوصاً في الخلفية – يفرضون مطالبهم على الأحياء. لكن هناك أيضاً، وعلى الأخص في أعماله المتأخرة، مجموعات متحركة من الموتى الذين يجذبهم الحب، والحب وحده، الى العودة الى الحياة، الحياة الحقيقية! هنا نجد سيباستيان في “الليلة الثانية عشر” حيث يُظَن أنه مات ولكنه يعود ويأتلف مع أخته التوأم (لاحظ أن هامنت كانت لديه أخت توأم هي جوديث). وهنا نجد هرميون في “حكاية شتاء”، حيث تقتلها غيرة زوجها لكنها تعود من الموت عندما يداوي بندمه الجرح الذي أحدثه بقلبها. وهنا أيضاً نجد برديتا في نفس المسرحية، الرضيعة المفقودة التي تعود في النهاية الى أبويها. ففي كل مرة تعرض فيها مسرحية “حكاية شتاء” هناك عودة لطفل حبيب. أُدعوني حساسة إن شئتم ولكن يصعب علي أن أفهم هذا المثال النموذجي للتفكير السحري على أنه شيء آخر غير أن يكون محاولة من الأب أن يستدعي طفله الميت، أن يخلده بالوسيلة الوحيدة التي يقدر عليها: الكلمات.

هاملت مسرحية عن موت الانسان، لكن مشاهدتها وهي معمولة بشكل جيد هي تذكرة بأن الفن قادر على تخليصنا من هذا الموت، ولو لبعض الوقت. ان القيامة من الموت ممكنة على المسرح، بل إنها الشرط الأساس للمسرح ذاته: فعندما ينسدل الستار في الاستراحة بين الفصول نعلم أن هذا ليس النهاية، وأن الستار سيسحب ثانية عن قريب ويبدأ التمثيل من جديد. ربما لهذا السبب أحب شكسبير المسرح، وربما لهذا السبب أحب المسرح شكسبير ويظل يحبه. فبعد 400 سنة من موته ما تزال مسارح العالم تردد كلماته التي لا تموت.

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This