إنَّهم يهينون عقيدة التَّوحيد

لم يكن انتصار عقيدة التوحيد منفصلاً عن ظروف موضوعية يمكن تشبيهها – بحسب إحدى فرضيات علم اجتماع المعرفة بالحوض المائي الذي يفتح سكوراً لممكنات ويغلقها أمام ممكنات أخرى-فبعيداً عن الجذر العقدي للتوحيد وبنيته المنطقية المتماسكة، فإن بلورته لم تكن منفصلة عن ضرورة التوحيد السياسي المنبثقة من مطامح اقتصادية لدى الفئة الوسطى تحديداً من القرشيين بعد أن تحوّلت مكة إلى مركز تجاري عقب تضاؤل أهمية طريق الحرير، وبعد تفتّق وعيهم نتيجة العلاقات الاقتصادية الدولية والاتصال بالشعوب الأخرى.

كان لزاماً أن يقصى جميع الآلهة وأن يدان بالعبادة لإله واحد، وهو معتقد لم يعدم بذوراً كامنة في المجتمع وجليّة مثّلها وجود موحّدين أطلق عليهم لقب الأحناف، وكان إنتاش هذه البذور ممكناً بمجيء الدعوة المحمدية ومنظومتها العقدية والتشريعية والأخلاقية التي فتحت سكور الحوض محوّلة ممكن انتصار التوحيد العقدي والسياسي إلى واقع.

وكما كانت هذه العقيدة وثيقة الصلة بالسياق التاريخي وعلله الفاعلة في جذورها، فقد كان الاختلاف في موضعتها ذا علاقة جدلية لاحقاً مع السياقات المختلفة.

ورغم ما ظهر في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية من خلافات بين المدارس العقدية داخل المنظومة الإسلامية حول أسماء وصفات الإله الواحد، فقد ظلّت وحدانيته ثابتاً تفرضه مركزية الدولة ومواجهة التيارات الفكرية الوافدة.

ومع تفتت الدولة وتصدّعها كان التمسك بمفهوم التوحيد ديدن العلماء حرصاً منهم على تثبيت الوتد الناظم للبقية الباقية من التماسك وأصبح خرق الضوابط التشريعية والأخلاقية ليس ذا شأن خطير ما دام غير كفيل بزعزعة نقطة الارتكاز هذه.

إن السياق التاريخي الذي تستثمر فيه قوى التطرف والظلام هذا الفكر بشكل بالغ القسوة والوحشية، والذي يجعلها تستمرئ الذبح والتعذيب بدون أي اعتبار أخلاقي هو سياق اختفاء الدولة وتحلّل روابط المجتمع واضمحلال الحالة الفكرية المزدهرة.

إن السياق الحالي الموسوم بضعف الدولة والانحطاط الفكري سياق كفيل بإضعاف معتقد التوحيد فبالرغم من سيطرة الوحدانية الشكلية إلا أن الحفر العميق في الثقافة العالمة والثقافة الشعبية في واقعنا يشي بوجود تذرّر في تصور الإله الواحد، إن لم يكن على صعيد التصور النظري فعلى صعيد كيفية موضعة الفكرة في الواقع.

فبعيداً عن التصورات الشعبية التي تنوس بين الاقتراب من التصور الأصلي وبين الوصول في حدود قصوى إلى الوثنية، تعاني الثقافة العالمة في محاولات إسقاط الفكرة من تشظ ّكبير في الرؤى ليست رؤية الإسلام المتطرف إلا واحدة منها وهي رؤية تعمل بغير علم منها على إهانة فكرة الإله الواحد عن طريق ربط تجسّدها بإرادات أشخاص ذوي تصورات بالغة الضيق والمحدودية وافتراض هؤلاء أن رؤيتهم هي الرؤية الوحيدة الصحيحة.

فاختزال تجسيد التوحيد بمشروع الخلافة وما يتضمنّه من تطبيق لفهم أحادي للنصوص أحياناً ومشوّه أحيانا أخرى هو فصل قسري لها عن علاقتها بالواقع المغاير للواقع الذي ازدهرت فيه إبّان ظهورها الأول.

فهذا الواقع الجديد ينطوي على مفهوم نسبيّ للزمان والمكان مغاير للمكان والزمان المطلقين المميّزين للواقع القديم، وهو ما يفرض تنوّعاً في زوايا النظر للقضايا، والسمة النسبية تلك لا تنفصل عن ظاهرة التبدّل السريع وقابلية الزوال وهيمنة الصورة، الأمر الذي يجعل اللجوء إلى المطلق الثابت وسيلة من وسائل الهروب في ظلّ فقر أدوات مواكبة التغيرات.

إن اتّخاذ الأصل المتعالي المطلق ملاذاً للاحتماء من الواقع سريع التبدل ليس إلا إفقاراً له وحرماناً لمفهومه الغني من التفاعل الجدليّ مع الواقع، وجعله سبباً من أسباب النكوص بدل أن يكون رافعة للتطور.

إن متبنّي هذه النسخة الأكثر تخلفاً من التطرّف بقصرهم معتقد التوحيد على مشروع سياسيّ موجود في أوهامهم وعالمهم الإقليدي المطلق وعلى بضعة حدود يطبّقونها بدون الأخذ بالاعتبار ما يتطلّبه تطبيقها من فهم لحيثيّات السياق وتوخّ للمصلحة العامة، إنما يستخدمون هذا المعتقد استخداماً أداتياً لا يمكن ان يكون أكثر من تنفيس عن أزمة هوية تفرض نكوصاً إلى الماضي خوفاً على هوية منتقاة من الضياع، وخشية من أن يؤدي تداخل الثقافات إلى غلبة الثقافة ذات المقدرات الأكبر على الثقافة التي اقتصرت في معظمها على الاستيراد والتقليد منذ زمن طويل.

واختزاله من جهة أخرى إلى أداة لنصرة مشروع طائفي، واحتكاره من قبل ميليشيا طائفية ليس إلا استخداماً رخيصاً له يعلن عن تمجيده بينما هو يهينه ويحوّله إلى أداة للاستقطاب الطائفي والاقتتال المذهبي.

من الضروري العمل على إعادة نسج العلاقة الجدلية بين عقيدة التوحيد وبين السياق التاريخي، وتحويلها إلى سبب من أسباب النهوض كما كانت إبان الدعوة المحمدية، وهو عمل لا يكتمل قبل القضاء على المأزومين الذين يستغلّونها استغلالاً بشعاً، والطائفيين الذين يمسخونها باحتكارها وتحويلها إلى شعار أجوف أولاً، واستنزاف إمكانياتها الغنية وقابليتها للتفاعل الإيجابي مع معطيات العصر ومع العقائد الأخرى ومصالح الناس ثانياً.

كلّ إمكانيات تجسّدها سواء في مشروع الدولة، أو في العمل الدعويّ، أو في العلاقة الروحية مع الله تغنيها ما دامت في إطار التنافس السلمي والإثراء الفكري والروحي وبغاية تحويلها إلى نبض في القلب المشرف على التوقّف.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق