الاستثناء التُّونسي

ستيفان بورغ (*)

لا ينبغي اعتبار تونس نموذجاً لهذه المنطقة التي تدعى “الشرق الأوسط وشمال افريقيا” وإنما استثناءً منه. ففي تونس عناصر بنيوية عديدة تصب في صالح التطور الديمقراطي. أولها وجود شعب جيد التعليم نسبياً، فمستوى التعليم في تونس يختلف بفارق كبير عن مستواه في دول الاقليم الأخرى، المغرب وليبيا والجزائر. وثانيها وجود طبقة وسطى كبيرة بمعايير هذا الاقليم، ومستوى معيشة مريح نسبياً. وثالثها خلو الحياة السياسية هنا من بُعد عرقي للصراعات كالذي في ليبيا مثلاً أو المغرب. وأخيراً، ليس لدى القوى الكبرى مصالح استراتيجية هامة في تونس، ولذلك نجت البلاد من التدخل الأجنبي (على خلاف قناة السويس الاستراتيجية الهامة في مصر والموارد النفطية في ليبيا، مثلاً).

 

المرونة السياسيَّة

مع ذلك فان هذه العوامل البنيوية بحد ذاتها كان يمكن أن تكون بلا معنى لولا وجود نخبة سياسية ميالة للمرونة والتوافق، هي التي وجهت الساحة السياسية بعد سقوط الديكتاتور بن علي في يناير (كانون الثاني) 2011. كانت حركة النهضة الاسلامية المعتدلة، التي هي في الحقيقة أقرب الى حركة شعبوية منها الى حزب سياسي، قد حصلت على الأغلبية في انتخابات أكتوبر 2011 وأسست حكومة بالتحالف مع حزبين علمانيي التوجه. غير أن الأوضاع الاقتصادية الهشة، وعمليتي اغتيال مروعتين لزعيمين بارزين من زعماء المعارضة، والتوقف الذي أصاب عملية كتابة الدستور، وانتشار حالة من عدم اليقين حول ما يمكن أن يعنيه الاسلام السياسي لتونس، كل ذلك أطلق اضطرابات ومظاهرات في كافة أرجاء البلاد. وتكرر الاتهام الموجه الى الحكومة، التي تهيمن عليها حركة النهضة، بأنها كانت تميل الى التساهل مع المجموعات الاسلامية المتطرفة وتعمل بشكل خفي وتدريجي على أسلمة المجتمع. كانت تلك هي الأوضاع المقلقة التي بدأ في ظلها الاتحاد التونسي للشغل، جنباً الى جنب مع جمعية أرباب العمل ونقابة المحامين وكذلك منظمة حقوق الانسان التي هي أقدم منظمة حقوق إنسان في المنطقة، بتنظيم حوار وطني ضم ممثلي الحكومة والمعارضة. وسوف تنال هذه الأطراف التي دعيت بلجنة الحوار التونسي الوطنية الرباعية اعترافاً دولياً من خلال حصولها على جائزة نوبل للسلام لعام 2015. فانسحبت حركة النهضة من السلطة عام 2013 وأظهرت استعداداً لتقديم تنازلات في عملية كتابة الدستور الجديد التي جرت في أوائل 2014.

لكن ما هو تفسير هذا الاستعداد من طرف حركة النهضة لتقديم تنازلات في عام 2013 الحاسم؟

أولاً ينبغي التنويه الى أن حركة النهضة أثناء زعامة راشد الغنوشي كانت قد تبنت خطاً براغماتياً ومعتدلاً نوعاً ما وذلك منذ عهد الديكتاتورية. وثانياً كان من الواضح جداً أن الحركة ظلت تسترق النظر الى مجريات الأوضاع في مصر. فسياسة المواجهة والتصلب التي اتبعها محمد مرسي، والتي أدت الى الانقلاب العسكري صيف 2013، أظهرت كيف يمكن أن تنتهي الى مصير سيء. فأرادت “النهضة” أن تتجنب بكل ثمن مصيراً مماثلاً لما حدث في مصر، ولهذا اختارت المرونة وسارت في خط الوسطية السياسية. كما إن الأوضاع في ليبيا بعد سقوط القذافي، حيث تحولت بحكم الواقع الى دولة فاشلة، جاءت هي الأخرى كإنذار للنخب السياسية في تونس.

 

التّحديات والآمال

ما هو إذن أكبر تهديد للديمقراطية في تونس؟ هناك على الأقل أربع عوامل يمكن إبرازها هنا. التحدي الذي يمكن وصفه بأنه أساسي أكثر من غيره هو الحاجة الى أن تتمكن الادارة الديمقراطية الحاكمة من رفع الرفاهية المادية وتعميمها على أساس المساواة. كان العام التالي للثورة قد اتسم بتضخم عال بحيث لم تستطع الأجور أن تلحق بارتفاع تكاليف المعيشة. وغالبية الأعمال التي خلقت كانت ضمن القطاع العام وليس الخاص. الى جانب هذا توجد بطالة عالية جداً بين الشباب، حوالي 36 بالمئة (ثمة رقم رسمي للبطالة هو 15 بالمئة). إن هذا الوضع يعني أن هناك خطراً بأن يفقد السكان، وخصوصاً الشباب، إيمانهم بالديمقراطية.

أظهر استطلاع عن المعارضة أنه بينما كان 63 بالمئة من السكان في عام 2012 يعتبرون الديمقراطية أفضل من بقية أنواع الحكم، انخفضت هذه النسبة بعد عامين من ذلك حيث أبدى 48 بالمئة فقط من السكان دعمهم لنظام الحكم الديمقراطي. وفي بداية سنة 2016 حصلت اضطرابات على نطاق واسع ومظاهرات احتجاجاً على البطالة، وتم فرض حظر التجول لأجزاء من اليوم من نهاية يناير (كانون الثاني) الى أوائل فبراير (شباط).

التحدي الثاني هو إن المجال العام السياسي في تونس يتسم الى حدٍ ما بالاستقطاب ما بين حركة النهضة، التي هي أقوى ما تكون في الجنوب، والتونسييين الحداثيين، العلمانيين الفرانكفونيين الذين يسودون في الشمال. وقد تعرض الحزب العلماني نداء تونس، الذي فاز بغالبية المقاعد البرلمانية في انتخابات 2014 ويهيمن الآن على الحكومة، مؤخراً لهزة بسبب استقالات عدة أعضاء برلمانييين. يضم نداء تونس طيفاً واسعاً من مناضلين نقابيين الى نيوليبراليين، وفي الحقيقة فانه لا توحده سوى وحدة الخصم: “النهضة”. إن تعزيز النظام الحزبي (أي خلق حزب موحد فكرياً) هو بلا شك أمر مهم لاستمرار التطور الديمقراطي.

التحدي الثالث هو الارهاب، الذي يشكل تهديداً ملحوظاً لتونس الديمقراطية. فقد نجحت داعش في تجنيد آلاف من الشبان التونسيين للقتال في الحرب الأهلية السورية. ويمكن لهذا بالطبع أن يأتي بأضرار كبيرة لتونس عندما يعود هؤلاء المقاتلون الى وطنهم ويزيدون أكثر من خنق صناعة السياحة، المهمة للبلاد والتي هي أصلاً تمر بأوقات صعبة بعد تلقيها ضربات خطيرة على يد الارهابيين في واقعة متحف باردو في مارس (آذار) 2015 وعند أطراف سوسة في يونيو (حزيران) نفس العام. والى جانب هذا قامت منظمة القاعدة في المغرب ومنظمة أنصار الشريعة في تونس بقتل عشرات من رجال الأمن التونسيين في المنطقة الحدودية مع الجزائر.

لكن أثناء كفاح الحكومة ضد الارهاب من المهم كذلك صيانة الحريات والحقوق. تدور بين الناشطين الحقوقيين، وعلى نطاق واسع، مخاوف من قانون مكافحة الارهاب الذي اتخذ عقب الهجوم الارهابي عند أطراف سوسة. فأثناء مكافحة الارهاب ينبغي على الحكومة أن تحافظ على حرية التعبير والصحافة وكذلك أن لا تستجيب لإغراء استخدام موارد الدولة لتهميش المعارضة السياسية.

ورابع هذه التحديات هو الوضع الأمني العام في البلاد والمحفوف بالمخاطر. فالحدود مع ليبيا والتي تبلغ 45 ميلاً سيئة الحراسة. والجريمة المنظمة وتهريب السلاح مشكلتان كبيرتان في المناطق الحدودية. ان ليبيا هي حالياً مكان آمن للمتشددين التونسيين الراغبين بالذهاب للقتال في سوريا والعراق. والجيش التونسي صغير وسيء التجهيز ولذلك يلاقي صعوبة في التعامل مع الوضع.

 

عوامل إيجابيّة عديدة

من العوامل المبشرة باستمرار المسيرة الديمقراطية: الخبرة الايجابية التي وفرها الاتفاق على الدستور (أوائل عام 2014)، الأمر الذي أظهر جلياً أن القوى الاسلامية والعلمانية بمقدورها أن تتفق على مسائل أساسية معينة. لدينا عامل آخر هو ما يمكن أن ندعوه التأثير الرادع، أي رغبة القوى السياسية التونسية في أن تتجنب – بأي ثمن – الدوامات السلبية التي دخل فيها عديد من البلدان المجاورة.

وأخيراً ينبغي على المجتمع المدني الذي دعم العملية الديمقراطية بنشاط أن يبرز من جديد. كان قد سُمِح في زمن بن علي للمجتمع المدني بأن ينمو، وإن في ظروف دون المستوى الأمثل وفي صيغ تجعل المجتمع المدني تحت التحكم، وقد يتصاعد نموه بسرعة بعد الثورة. وعلى خلاف الأحزاب السياسية التي تهيمن عليها الأجيال الكبيرة ويصعب على الشباب أن يصلوا الى موقع التأثير فيها، توجد في المجتمع المدني أجيال شابة تكوّن مستقبل تونس.

ان التحدي الكبير الذي يقف أمام المجتمع الدولي، والاتحاد الأوروبي بوجه خاص، عندما يتعلق الأمر بدعم الديمقراطية التونسية هو كيف يمكن دعم هذا البلد لكي يخلق تنمية ديمقراطية مستدامة وبعيدة المدى لشرائح واسعة من السكان وفي الوقت نفسه عدم التساهل مع النزعات الاستبدادية لدى الحكومة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) باحث في معهد السياسة الخارجية في ستوكهولم. ناشط في مشروع حول الكيفية التي جرى فيها تقديم ما يدعى بالربيع العربي في أنحاء العالم المختلفة وفي النقاشات المختلفة داخل الأوساط الأكاديمية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This