تزيفيتان تودوروف

تأملات في الحضارة والديموقراطيّة والغيريَّة

  تزيفيتان تودوروف:  نبذة تعريفية

_ سيميولوجي، فيلسوف، و مؤرخ. يعتبر أحد الأصوات المتميزة على الساحة الثقافية و الفكرية المعاصرة بفرنسا.

_   ولد في بلغاريا (1939) حيث عانى فيها من التضييق الذي مارسه النظام الشيوعي.

_  غادر  في سن 24 إلى بلاد الأنوار حيث طلب اللجوء السياسي و تحصل على دكتوراه دولة في الآداب  1970، كما فرض نفسه  ” كواحد من المثقفين الأكثر احتراما ” حسب توصيف  “باسكال بونيفاس “.

_  يتميز فكره  برؤية تاريخية رصينة و حس نقدي و مسحة أخلاقية، كما يعرف بانتقاده اللاذع  لأسس الليبرالية المتطرفة و العولمة المتوحشة و المسيحية السياسية.

_ يثير في مصنفاته موضوعات و تساؤلات راهنية:  كالحضارة و البربرية، التنوع الثقافي و الهوية، الديموقراطية و الإرهاب، الأنا و الآخر  …

_   يوسم بالمفكر الإنساني الذي يسعى إلى بلورة أطروحات تعيد النظر في  المنظومة الثقافية الغربية على أسس الكونية و التعايش، الحرية و القيم،  مما يجعل منه الإبن الشرعي لفلسفة التنوير في أصالتها و جدتها.

_ سبق أن شغل منصب مدير المركز الوطني للبحوث العلمية بفرنسا.كما شكل مؤلفه ” نظرية الأدب، نصوص الشكلانيين الروس ” 1965  أولى إصدارته  التي ناهزت اليوم الخمسين كتابا من بينها:

ذاكرة الشر إغواء الخير 2000 _ الفوضى العالمية الجديدة 2003 _ روح الأنوار 2006 الخوف من البرابرة ، ماوراء صدام الحضارات 2008 _ أعداء الديموقراطية الحميمين  2012 .

*****

نقدم في هذه الورقة: كتاب ” تزيفتان تودوروف – تأملات في الحضارة والديمقراطية والغيرية”، الصادر مع مجلة “الدوحة” بإعداد وترجمة محمد الجرطي و الذي يحتوي ثلاثة فصول تضمّ قراءات و مقالات و حوارات نُشِرت في الصحف و المجلات الفرنسية.

 

1 _  ما وراء صدام الحضارات

يتمثل الهدف المركزي لكتاب تزيفيتان تودوروف ” الخوف من البرابرة  ما وراء صدام الحضارات ” في محاولة تجاوز مقولات صدام الحضارات على أسس دينية التي قدمها المفكر الأمريكي فوكوياما في كتابه ” صراع الحضارات “.

ينطلق تودوروف من تفكيك مفهوم الحضارة التي يعني بها ” القدرة على الاعتراف بإنسانية الإنسان الآخر عن طريق ربط وحدة الإنسانية ، عموما ، بتعدد أشكال تجلياتها الثقافية “.(1 )

لا تستقيم الحضارة بهذا المعنى إلا بانصهار كافة الأشكال الثقافية و الاعتراف بها على اختلافها و تنوعها إنها ” تعبير عن إنسانية مشتركة واعية بوحدتها العميقة و قادرة على الترابط و التلاحم في خضم تنوع أشكال التعبير الثقافي” ( 2 ) . من هنا تغدو البربرية حسب تودوروف  ” إنكارا للتعددية الإنسانية إنها الموقف الذي بواسطته ننبذ شخصا ما خارج دائرة الإنسانية من خلال نفي خالص لاختلافه أو لما يشكل سماته المشتركة “( 3 ) . يفيد هذا التحديد الأولي أن الهوية المنغلقة و المتقوقعة على ذاتها و التي تشكل خطرا جسيما تتنافى مع مقولة الحضارة .كما يلح تودوروف على أهمية الربط ما بين المفهومين : ” فالتـوق للهوية و اكتساب ثقافة ما يوفران الشرط الضروري لبناء شخصية إنسانية متكاملة، لكن وحده الانفتاح على الغيرية ذات الأفق العالمي هو ما يحقق معنى الحضارة ، و يمدنا بالشكل الكافي لبلوغ هدا المبتغى ( 4 ) .

إن التوضيحات السالفة تسمح للمرء ” بألا ينخدع بنظرية صدام الحضارات كما تمنحنا يقضة إزاء حقيقة أن حجب و اختزال الهويات في خط واحد مع النزعة المانوية القائمة على عقيدة الصراع بين النور و الظلام ، و الخير و الشر ، و الحضارة و البربرية “( 5 ) لا يمكن إلا أن يؤدي الى الصراع و الحرب ، و خير دليل على ذلك الطريقة التي تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب ضد الارهاب و التي تسقط بدورها في منطق البربرية فتبريرها للتعذيب كما يحدث في غوانتنامو ليس سوى اقصاء لآدمية الفرد و انتمائه للإنسانية و شحذ لمشاعر الضغينة و الكراهية عن طريق إخضاع الآخر ليصبح خصما في الصراع . إذا كان هزم العدو يقتضي تقليد تصرفاته الأكثر وحشية و بشاعة فان البربرية ستضل حاضرة بيننا” ( 6 )

لقد قاد هذا الخوف إلى شن حرب ضد الرعب ، بحيث أضحى الغرب لا يرى في الإسلام و الإسلام المتطرف و الإرهاب أي فرق أو تمييز فصار استخدام القوة المنفذ و الخيار المتاح أمام تراجع أي إجراء سياسي .

غير أن تودوروف يرى أن النموذج الأروبي القائم في مرجعيته على قبول التعددية و المساواة، العدالة و العلمانية، الديموقراطية و الفلسفة، كمبادئ للمستقبل و كمؤهلات بناءة. هذا النموذج باعتباره وريث الحضارة اليونانية و الرومانية، عصر النهضة و  الأنوار، يختلف جوهريا عن النظام الأمريكي المتخم بالعولمة الليبرالية المتطرفة التي يعزى لها غزو الأسواق العالمية و تدمير قيم التضامن وسيادة الإحباط الذي يسود العالم ، هذه  السياسات الليبرالية الجديدة  تمثل سلاحا رهيبا كما هو الحال بالنسبة للترسانة العسكرية في السيطرة على العالم .

لا يخفى علينا أن تودوروف منتصر كبير لأروبا غير ان هذا القول ليس الغرض منه الوقوع في نوع من التأورب و لا حتى إسقاط هذه النزعة الملائكية الأروبية على العالم. فمؤرخ من طينة تودوروف لا يغفل معطيات التاريخ و الواقع ، فعدم اكتمال هذا النموذج حاليا لا يعدم قيمة الإمكانات التي يختزنها. فأروبا يضيف تودورف ينبغي أن تصبح ” قوة ناعمة ” ( مكتفية بمعاييرها ، مساعدتها ، مشروطية أحكامها ، خطابها ) وذلك عكس كل  ” قوة خشنة ” التي تحيل على العسكري و الهيمنة الاقتصادية . تسعى القوة الأولى الناعمة إلى تبني القيم السياسية و إلى تطوير سياسة التعاون القائمة على تعدد  الأقطاب .” انها القوة الجاذبة التي تسلك طرق الإقناع بدل الإلزام ، الحوار بدل الإكراه ، و الجذب بدل التحريض “( 7 ) . انها القوة التي ستجعل من صراع الحضارات مجرد شطحات فكرية لا غير ، مادامت أشكال التواصل و الاعتراف و التشارك قائمة بالقوة و تحتاج منا لدفعات كي توجد  بالفعل.

يمكن القول أن  مصنف تودوروف هو بالأساس ” دعوة للحوار بين الثقافات ، فكل ثقافة لا تتجدد و تتغير هي ثقافة ميتة .إن بناء جسور الحوار بين البشر و الحقول المعرفية، احترام تعدد الهويات،   هي أنماط  يدعو اليها في كتابه  و هو يصبو في هذه الفترات العصيبة التي تمر منها البشرية إلى أن يمنح الناس قوة جديدة كفيلة بدحر الخوف وإسقاط عوائق الحوار بين الحضارات ” ( 8 )

و بعبارة واحدة : إنه سعي  لتحقيق حلم ” ريمون آرون ” المتمثل في مجتمع مؤنسن بشكل حقيقي.

 

2 _ أعداء الديموقراطية الحميمين :

بعد موت النـزعات الكليانية و تحلل النظم الشيوعية أعلن فوكوياما منذ عشرين سنة في كتابه   ” نهاية التاريخ و الإنسان الأخير ” أنه ليس بإمكان أي نموذج آخر أن ينافس أو يواجه  الديموقراطية أو يعارضها . يتوقف تودوروف في ” كتابه أعداء الديموقراطية الحميمون ” عند هذا الطرح مبينا أن ما أغفله فوكوياما هو أن الديموقراطية أفرزت بنفسها أعداءها الجدد، هؤلاء الأطفال الغير الشرعيين ، الأعداء الحميمين اللذين ولدوا من اختلال التوازن الخاص بالنظام الديموقراطي .

إجمالا يمكن حصر هؤلاء الأعداء في ثلاث :

 

أ _ المسيحية السياسية :

التي تزعم بأنها خلاص العالم ، في حين ترتكب أفعالا مشينة و شريرة باسم الخير ، تعمل على تبرير أفعالها بدافع الوصول إلى غاية يتم وصفها على أنها مبتغى سام للإنسانية( 9 )

إن استخدام العنف المفرط يلغي قيمة ونبل الهدف المتوخى. من جهة أخرى إن واقعة فرض الخير على الآخرين بدل الاكتفاء باقتراح ذلك عليهم، بدعوى أنهم غير قادرين على حكم أنفسهم وأن تحريرهم يستوجب أولا إخضاعهم مسوغ لا يجد له اي تبرير مقبول  ،  وعلى هذا النول وقع تدخل في أفغانستان و العراق و ليبيا. إن عبارة التدخل الإنساني ما هي إلى تورية ملفقة لعبارة التدخل العسكري يضيف تودوروف .

يبقى القول بتحقيق عالم مثالي على الأرض كما تدعي المسيحية السياسية مجرد زعم كبير،  وهو ما تزكيه النماذج السالفة الذكر كمثال واضح  على التعذيب المؤسس و المشرعن.

 

ب _ الليبرالية المتطرفة

تنطلق هذه الايديولوجيا المهيمنة و اللا محدودة حاليا من مسلمات ثابتة تنص على قدرة الفرد على تحقيق اكتفاءه بذاته و لذاته و ان إشباع حاجياته المادية يشكل القيمة العليا للحياة البشرية، و هكذا تعمل هذه الايديولوجيا على عزل النشاط الاقتصادي عن باقي أصناف الممارسة الانسانية، عند هذا الحد تتوقف السلطة السياسية عن إمكان لجم السلطة الاقتصادية تحت ذريعة الحرية الفردية .

ينتج عن انتفاء المراقبة السياسية ضياع للصالح العام و بحث لا محدود عن الربح الفوري فتفقد الحياة معناها و يتم تجريد الكائن البشري من إنسانيته. ألم يقل مونتسكيو يوما ” إن كل سلطة بلا حدود، لا يمكن أن تكون سلطة  مشروعة “( 10 )

 

ج _ الشعبوية :

يتقوم هذا الخطر الثالث على سياسة تملق الشعب لتهييجه، إن الشعبوية التي هي قديمة قدم الديموقراطية  تسعى إلى تقديم حلول مبسطة و سطحية و مضللة يعمل التلفزيون  و وسائل الإعلام على تغذيتها و إنجاحها رغم استحالة تطبيقها.  لقد أضحت تتمتع بحضور قوي في أروبا بتركيزها المفرط على الحاضر متجاهلة أنه يتطلب أحيانا إتخاد اجراءات و قرارات غير شعبية لضمان رفاهية الأجيال القادمة .”  تغري الشعبوية السكان الأصليين و تجاملهم بممارسة التمييز العنصري ضد الأجانب حيث يُتـناسى أن المبادلات مع الآخرين تعزز  توسُع و إثراء البلد بأكمله ” ( 11 )

3 _ الغيرية و الاعتراف

يسلم تودوروف بأن ” ما هو كوني و مكون للإنسانية هو أننا ندخل، منذ الولادة، في شبكة من العلاقات بين_إنسانية، ومن ثم في عالم اجتماعي، ما هو كوني هو أننا نصبوا جميعا إلى الإحساس وبوجودنا ” ( 12 ). يتطلب وجود الذات نيل الاعتراف، أن يعترف بنا الأغيار معناه أننا نوجد، الطفل يحتاج اعترافا  من والديه الأستاذ من تلامذته العامل من رب عمله …

أخذ موضوع الاعتراف اهتماما واسعا من طرف الفلاسفة ( هيجل ، آدم سميث ، جون جاك روسو و آخرون) . كما يأخذ شكل الاعتراف طابعا ماديا أو غير مادي : الاعتراف بالثروة

و الاعتراف بالأمجاد على سبيل المثال. إن  الاعتراف يسعى إلى جذب نظرة الآخر من خلال تمظهرات الجسد و الذكاء ، الصمت و الكلام ، كما تلعب الملابس دورا هاما في تحديد التطابق أو الاختلاف مع الجماعة ومن ثم تحديد موقع الذات إزاء الآخرين .

يمكن التمييز بين شكلين من الاعتراف: اعتراف المطابقة و اعتراف التميز و الاختلاف. إن الشخص الذي يريد أن يكون الأجمل و الأقوى و الأكثر تميزا يحدد نفسه كمختلف و يحضر هذا النوع خصوصا في فترة الشباب وهذا الشكل يمثل المجتمعات الديموقراطية التي يبقى الاختيار بشكل مخالف غير محدود من الناحية النظرية، فالسباق إلى النجاح علامة الاعتراف و ليس الامتثال إلى النظام . هذا الأخير  نجده لدى الأشخاص اللذين لا يتمتعون بحياة نشيطة و علاقات دينامية و الذين  يستمدون اعترافهم من خلال فعل المطابقة و الامتثال للأعراف و التقاليد و كافة الأشكال الثقافية السائدة، و التشبه بدقة أكبر بالآخرين اللذين يشكلون فئتهم العمرية من حيث ملبسهم و مرجعية كلامهم و برهنتهم على الانتماء إلى أخلاق الجماعة وهذه السمة هي ما يميز المجتمعات التقليدية أو التراتبية.

يدخل هذان الشكلان في صراع أو يشكلان تراتبيات  متحركة في تاريخ الأفراد و المجتمعات يسعى كتاب تودورف ” الحياة المشتركة ” إلى توضيح مسألة الاعتراف وفق مقاربة انثروبولوجية  فلسفية عميقة. يضيف تودورف موضحا أن الإعجاب بالآخرين مظهر واضح للاعتراف لكن الكراهية أيضا تشكل بذاتها اعترافا يشهد بحدة على وجودنا . ” إن كراهية شخص ما تعبير عن رفضه و من ثم تقوي احساسه بالوجود. لكن أن تسخر من شخص ما يعني أن تحكم عليه بالصمت أو العزلة، أن تجعله يشعر بما هو أكثر من هذا: أن يرى نفسه مهددا بالعدم “. ( 13 )

وسواء كان هذا الاعتراف قائم على المطابقة أو الاختلاف، على الاعجاب أو الكراهية فإنه يتطلب منا سعيا حثيثا و طلبا غير محدود ” مادام الشعور بالنقص أو عدم الاكتمال ليس أمرا أساسيا فحسب، بل هو أيضا، و باء لا يشفى، و إلا سنكون قد شفينا أيضا من إنسانيتنا”. ( 14 )

****

يسمح هذا الكتاب _ المقدم هنا _  بإلقاء نظرة متفحصة لبعض أطاريح المفكر الفرنسي تزيفيتان تودوروف التي يمكن إجمال مدارها في :

إذكاء النـزعة الإنسانية، إعادة هيكلة المجتمع وفق روح الأنوار، تحرير الديموقراطية من أعداءها ، الحياة المشتركة و تعايش الهويات، الاعتراف بالآخر دون الرغبة في تدجينه أو تمسيخه ، تحريرنا من الخوف من الأديان والأقليات والثقافات المختلفة  …  إنه المسعى الأصيل الذي يبتغي هذا المفكر أن يجرنا للتفكير فيه و للبحث عن سبل لإعماله.

إن العودة إلى قراءة الكتاب وهاجس إغراء القارئ بتتبع الخطوط العريضة لفكر تودوروف من خلال مؤلفاته المتكـثرة، وتمثل نزعـته الإنسانية بأبعادها القيمية والأخلاقية و التحصن بها في وجه عالم أضحى مشبعا بالإقصاء و التطرف و الإستعمال المفرط للعنف. هو ما يمكن اعتباره دافعنا الأولي، و هو ما قد يشفع لأي قصور تحتمله هذه الورقة .

 

الهوامش:

1 _ تأملات في الحضارة و الديموقراطية و الغيرية، تزبفيتان تودوروف،  ترجمة محمد الجرطي ، كتاب الدوحة عدد 82 أغسطس  2014 ص 20

2 _ المرجع السابق ، ص20

3  _ نفسه : ص 20

4  _ نفسه : ص 22

5  _ نفسه : ص 23

6  _ نفسه : ص 23

7  _ نفسه : ص 40

8  _ نفسه : ص 16

9  _ نفسه : ص 16

10  _ نفسه : ص 154

11  _ نفسه : ص 156

12  _ نفسه : ص 112

13  _ نفسه : ص 108

14  _ نفسه : ص 116

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This