الاستشقار

لا ريب أننا نعيش في حقبة أكثر ما تميزها الصور والإبهارات البصرية، سواء من خلال الميديا ووسائلها التعبيرية، أو من خلال دور الأزياء و” تحديثها” الدائم للمظهر ، أو حتى من خلال الشكل الذي نرغب أن نبدو فيه، أي الكيفية التي نقدم فيها أنفسنا للعالم الخارجي. وانطلاقاً من قول لاش[i]  بأننا نعيش في عصر ” نرجسي” حيث تقديم الذات مسألة هامة، فإن الجسد يعرض للبيع بعد أن يتحول إلى ” سلعة فيتشية[ii]” . إن وضعنا في الحسبان هذا الإصرار على تقديم الذات وإظهار الشكل الخارجي بوصفه مسألة مركزية في مجتمعاتنا المعاصرة، وقضية هامة للطريقة التي تتشكل فيها هوياتنا، فلن نجد سوى القليل جداً مما كتب بهذا الشأن في ميدان السوسيولوجيا. فبحسب إدواردز [iii] ” نزعت السوسيولوجيا عموماً إلى إغفال الأزياء، ونظرت إليها على أنها خارج ميدان العلوم الاجتماعية، وضمن الفنون. فحتى عندما درس علماء الاجتماع الأزياء والموضة، اختزلوها إلى نظريات مبسطة. والأمر كذلك، فإن اكتساب المرء شكلاً ومظهراً جديدين سواء من خلال اللباس أو من خلال تغييرات ( عمليات التجميل، وصبغة الشعر الخ)، بقيت خارج ميدان الدراسات الاجتماعية نسبياً. وإذا سلمنا بأن للمجتمعات تقاليدها الراسخة في التعاطي مع شأن هذه الموضوعات، فلابد أن نسلم أيضاً أن الاحتكاك بين البشر والمجتمعات غيّر  بعضاً من هذه التقاليد أحياناً، وقلبها تماماً في أحايين أخرى. وإن نظرنا إلى المظهر والشكل البشريين بوصفهما معطى ثقافياً، فسنجد أن مقولتنا تلك تصدق إلى حد بعيد، شأنهما شأن الموسيقا والفكر والأدب والفن بوجه عام. في بدايات القرن الماضي على سبيل المثال، فرض أتاتورك نمط اللباس الغربي على الأتراك، في الوقت الذي أصرّت بعض فئات من الشعوب العربية في النصف الأول من القرن الماضي على التمسك بأزيائها التقليدية انطلاقاً من شعورها بهويتها القومية أو الوطنية، بينما انصرفت فئات أخرى إلى مسايرة الغرب الحديث في التشبه به طوعاً من دون أن يُمارس عليها أي عسف أو جور.

وإذا كان البشر ينزعون إلى السلطة والقوة فإن المظهر الخارجي هو أحد تجليات  ذلك. فهو يجسد مزيجاً  من عدة أشياء في الوقت ذاته.  لقد وُلد تغيير المظهر من حقائق صغيرة  وميول وحتى سياسات، وتحول إلى حقائق كبيرة، و إلى مرآة يرى البشر أنفسهم من خلالها. والمظهر ليس مجرد  ألوان أو زركشات. إنه الحياة بكل تجلياتها وشتى تناقضاتها. وهو فن مركّب من يتصدى له يدرك سلفاً بأنه  يخلق  إنساناً جديداً بكل ما في الكلمة معنى. تغيير الشكل شأن الأزياء صدفتنا الاجتماعية التي تخفي  نقائصنا، ومنظومة  الإشارات والدلالات التي نعلن من خلالها عن أنفسنا وقناعاتنا ونوايانا. وهو من يشير إلى وضعنا الاقتصادي و طبقتنا الاجتماعية. إنه سلاحنا  وتحدياتنا والدّال على علاقاتنا ووجهات نظرنا حيال الحياة بل وأكثر،  إنه نظرتنا إلى العالم وورقة التوت الشائكة التي جعلت من عرينا يبدو أ كثر جلاء.

لقد أكدت النقاشات النقدية في الغرب أن طريقة تصفيف الشعر ولونه قادران على الإشارة إلى المرتبة الاجتماعية، وبنيات الطبقة والسلطة.  ويمكن من خلال هذين العاملين الإشارة أيضا إلى تمايزات تتعلق بالجندر[iv] والعرق[v]. وبما أن طريقة تصفيف الشعر ولونه يمثلان شكلاً طبيعياً وثقافياً، فشعور النساء تنقل معانيَ حتى عندما لا تكون مصففة. فبوصف الشعر علامة[vi]،  لا بد وأنه يشتمل على استعارات سياسية واجتماعية وسايكولوجية مُحمَّلة بمعاني ثقافية نجمت عنها العديد من الاستجابات المتفاوتة في الآداب المعاصرة. في كتابها ” من البهيمة إلى الشقراء” [vii]تقارب مارينا وورنر الشعر بوصفه وسيلة أنثروبولوجية وتقول:

” يؤسس تصفيف الشعر بحد ذاته إشارة[viii] للإنسان. فالشعر يمكن أن يساعد في البحث عن الهوية الشخصية وعلاقتها الأوسع بالمجتمع.”

منذ ثلاثينيات القرن المنصرم، قوربت الشُقرة كميزة إيجابية وسالبة في آن. فمقولات مثل “الشقراوات أكثر إمتاعاً”، والتي تَعد البشر بالسعادة اشتغلت إلى جانب قوالب نمطية أخرى أكثر سلبية شأن ” الشقراء الغبية[ix]، أو “السخيفة مشتتة الذهن[x]“.

ولكن من أين جاءت هذه الأساطير التي حيكت عن الشقراء؟ وكيف نفسر مثل هذه المفارقة ؟ إذا كان الأمر كما فسره فيريس[xi] ” لإلقاء الضوء على التكلّف والتصنّع بغية إظهار الفروق”، سيكون لزاما علينا أن ندرك الرسائل التي تريد النساء نقلها عندما يَستشقرن. كما يمكن لنا أن نبحث في الكثير من الظروف التاريخية والسوسيوثقافية التي سمحت لهذه الأساطير أن تظهر.

رغم ذلك، تبقى الدراسات العلمية والتساؤلات الأكاديمية التي تناولت طبيعة الشقراء بوصفها علامة في الثقافة البصرية، محدودة. يبدو أن البحث في الشعر الأشقر يتسيد ميدان الدراسات بمقاربات تؤدي حتما إلى قضايا العرق. فالمبدأ الآري الذي تبناه الحزب النازي الألماني سعى إلى تأسيس نقاء عرقي بين الألمان. هذا النموذج الأعلى الذي تأسس على ذلك المبدأ، تميز في جانب منه بالأفضلية التي منحها هتلر لصاحب الشعر الأشقر والعينين الزرقاوين هاتين السمتين اللتين رأى فيهما هتلر نموذجاً مثالياً  “للعرق المتفوق” لسلالات شمالي أوروبا[xii]. تركزت بحوث الشقرة الأكاديمية على قوة أساطيرها، وشيوعها بوصفها ظاهرة رمزية متبدلة في الثقافة البصرية، وأُمليت قيمتها تبعاً للثقافة السائدة آنذاك. وبوصفهنَّ عوامل فاعلة في إنتاج معنى دلالة الشقراء في أيامنا هذه، تَوجب على النساء اللواتي اشتركن بهذه الأساطير، الانغماس عن دراية في الشيفرات الثقافية التي تتصل بالشُقرة. وفي حين تظهر معظم المراجع والإحالات لدلالة الشقراء في الدراسات السينمائية، فإن تلك المراجع والإحالات تفشل في الوصول إلى فهم جماهيرية الشعر الأشقر بوصفه ظاهرة تملأها المفارقات في الغرب المعاصر. رغم ذلك، يمكننا القول بأن الشُقرة استمرت بوصفها رمزاً وعلامة وشيفرة تمثل منظومة قيم، ورابطة للجندر، والسلطة وتمايزات العرق ضمن سياسات الجسد.

وبعيداً عن وجودها كواقع “طبيعي”، يمكن اعتبار الشقرة في الثقافة الغربية جزءاً من الخطاب الثقافي.  فإمكانية “تصفيف”الشعر توحي بأنه يمكن أن يُرتدى. بهذه الطريقة، يمكن أن نُضمّنه في نموذج واعتباره، حرفة ثقافية بالإضافة إلى كونه قطعة من الجسد، حتى عندما لايكون مصففاً. ورغم أن الشعر الأشقر يمكن “ارتداؤه” من كلا الجنسين، فَيُعرف معناه تبعا لجندره. وهنا تنشأ المعايير المزدوجة التي تتصل بدلالة الشُقرة سواء فيما يتصل بالنساء أو الرجال. لكن تبقى الميزة الرئيسة لخطاب الشُقرة، أنوثته. لذلك يتعين علينا أن ندرك أن كلمة شقراء تتصل بالأنثى إلا إن جاءت في صيغة المذكر[xiii]. وهنا يجدر بالمرء أن يستقصي الدلالة المستمرة لعلامة الشقراء في سياقها المعاصر، ويوضح كيف انتشرت تلك العلامة في الثقافة البصرية بغية ” صَوغ شكلٍ مجُندر من التميز”والذي يؤسس لفرق في الطريقة التي يتم إدراك النساء الشقراوات مقيماً صلة بينهن مع بعض السلوكات التي تعتبر متأصلة بالشقرة[xiv].

زعم علماء النفس البنيويون والمفكرات النسويات بأن الضغوط التي تدفع الأنثى باتجاه الجاذبية، هي التي تصنع القدرات الثقافية. فبحسبهم تلك الضغوط الشديدة التي تقبع فيها المرأة الغربية ماهي إلا منتج محلي منوط بديناميكيات ثقافية وتاريخية محددة. نجد جذور هذه الأفكار في كتابات النسويات الأوائل  التي أشبعتها نعومي وولف[xv]  وغيرها، بحثاً وتحليلاً.

مما لا ريب فيه أن الشعر الأشقر دلالة بارزة في الثقافة الغربية. ورغم  جماهيرية الشقرة والرغبة فيها في الغرب من الأمور الأكيدة، إلا أنها وفي الوقت ذاته ولّدت ومنذ خمسينيات القرن الماضي العديد من الإيحاءات السلبية التي ساهمت في خلق أساطير وحكايات. فالنسوة اللائي يصبغن شعورهن بالأشقر يجدن أنفسهن قابعات في تناقضات شتى . ففي الوقت الذي يستثرن رغبة الرجال، يلفين أنفسهن محط سخريتهم. فهذا القناع الأنثوي الذي ترتديه المرأة في مناسبات بعينها كوسيلة غير مباشرة لتمكينها من تنصيب نفسها في مركز الضوء والإعجاب، ومن ثم الدخول إلى مواقع السلطة التي أقصيت عنها النساء منذ عهود بعيدة، لا يلبث أن يذوي بعد أن تألفه العين ويصبح أمراً عادياً. واتكاء على أفكار هذا “الكرنفال” الذي تقيمه المرأة لنفسها على حد وصف باختين، يمكننا الحديث عن أن هذه الكرنفالية تلجها النساء بغية انتهاك الحدود البطريركية التي سطرتها ألفيات من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وعبر قناع يثير الشفقة تحاول المرأة أن تقارب من خلاله النموذج الأصلي للشقراء. لقد ظهرت مفردة شقراء كإسم في اللغة الإنغليزية، مقابل الصفة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن االماضي في هوليوود حيث بدأت مفردة Blonde وتعني الشقراء، تولّد كماً كبيراً من المعاني. فتغيير لون المرأة لشعرها سرعان ما بات حيلة جذابة ومقبولة للمرأة الغربية[xvi] . ومن جهتها غذت هوليوود هذا النمط، وشكلت ما سمي بأسطورة الشقراء التي أسست للشقراوات اللاحقات. ولكن ماذا يمكن أن نقول عن النساء المُتقنعات بالشقرة؟ وكيف لنا أن نفهم دور الشُقرة في الثقافة االمعاصرة؟ وكيف لنا أن نقاربها من خلال كليشيهات قدمها الغرب شأن “الشقراوات أكثر إمتاعاً”، أو ” الرجال يفضلون الشقراوات”، أو حتى الأسطورة التي تقول إن “الشقراوات محدودات الذكاء”؟ وهل يمكننا اعتبار الشقرة فعل تدمير ذاتي تقوم به المرأة على نحو لا واع؟ أم هي انخراط يثير الشفقة والسخرية في آن بمنظومات القيم التي تشي لنا بدالاّت الشقرة؟

إن حاولنا أن نجيب عن بعض هذه الأسئلة ولا ندعي ذلك، فلزام علينا أن نحيل القراء إلى مفهوم القناع الأنثوي الذي نحتتته جون ريفير في مقالتها “الأنوثة كقناع”  والتي شُكل فيها هذا القناع كاستراتيجية انتشرت بين النساء لإزالة مخاطر دخولهن مواقع السلطة والحظوة البطريركية، بغية الحصول على موقع يجعل منهن ذواتاً، وليس موضوعات. لكن ماهو هام هو أن تلك النساء أنجزن ذلك عبر عملية تأنيث مهولة. تقول ريفير:

” الأنوثة يمكن أن تنتحل كقناع لإخفاء امتلاك الذكورة، و بالتالي تجنب الانتقام الذي يمكن أن يقوم به الذكور إن اكتشفوا بأنها تمتلك شيئا من ذكورتهم. وهنا يمكنني القول، بأن لا فرق جذرياً أو شكلانياً بين الأنوثة الحقيقية والتقنع”.

إن سلمنا بما تقول به ريفير بأن الأنوثة والقناع أمر واحد، فسينكشف لنا أن تلك الدّالات في الثقافة البصرية التي تأسست على أنها “إناث”، محض “تخييل”. كما أن الذكورة تكمن في السلطة أكثر مما تقيم في الشكل. هنا تتمكن الشقراء من انتهاك الحدود البطريركية عبر موضعة نفسها كنموذج بدئي للأنثى. وبغية صرف الانتباه عن طموحها لاحتلال مواقع السلطة، تنفي الشقراء نفسها من خلال عملية تأنيث مبالغ بها لدال الشقرة، مستنفذة كل مضامينه، وهنا تتمكن من استجرار إيحاءات عن الشقرة عُوِّقت طويلا، تقرنها بحساسية وبراءة وقلة حيلة لتصل إلى مواقع السلطة البطريركية والحظوة من دون خشية أو انتقام من الذكر.

تستفيد هذه النظرية من كتابات باختين عن الكرنفال التي أسست لجدالات أكاديمية، وهيئت لنموذج يمكنّنا من فهم الدور الذي لعبته النساء في الثقافة المعاصرة عبر نشر دالّة الشُقرة. فالنساء قادرات على الانخراط في روح الكرنفال العابثة لتحدي التمظهرات النمطية للشعر الأشقر. ومن خلال طرْحي ريفير وباختين يستطيع المرء أن يقارب المفارقات الكاامنة في الشقرة في أيامنا هذه.

إذا، الانجذاب نحو الشقرة هو رغبة واعية ولا واعية في الحصول على موقع مركزي في المجتمع يشكل للمرأة “بروزا” في ثقافة تتميز باعتمادها على الإبصار. (Berger, Dyer, Jay). ويمكن لغير الشقراء أن تستثمر صفة الشُقرة هذه بارتدائها قناع الشقرة من خلال صبغ شعرها لتصبح كائنا أكثر حضوراً على المستوى البصري. ومن جديد يحيلنا هذا إلى كتاب باختين “كرنفال” الذي يقرّ بالفرص التي يقدمها الكرنفال لأولئك القابعين على هامش المجتمعات، فقط ليحصلوا على موقع مركزي (Bakhtin, 1968 Eco& Ivanov 1984, Orloff 1981; Tseelon )

تتحول الرغبة في أن يصبح المرء مبصوراً (مرئياً) بهذا الأسلوب، إلى تناقض. وإذا نظرنا إلى السطوع بحسب جيل بيريGill Perry على أنه صفة “تقبع دائماً إلى جانب الذكر”، فإن الاختفاء يكون في جانب الأنثى”). لقد كانت طقوس الكرنفال تاريخياً شاهداً على المعاملة السيئة التي كانت النساء ومهرج الكرنفال وأقليات إثنية ودينية أخرى يتلقونها. في أيامنا هذه يلفت الشعر الأشقر المصبوغ الأنظار لكنه يبقى مجرد حيلة لتقويض البنى التي تقصي النساء عن مواقع السلطة والامتياز عبر استثمار نقاط ضعفهن التي تأسست على قراءات نمطية للشُقرة.

[i] Lasch، C ( 1979) The culture of Narcissism. London: Abacus

[ii] fetishism

[iii] Edwards، T. ( 1997) Men in the Mirror: Men’s Fashion and  Society، London: Cassell

[iv]    Gender النوع أو الجنس ويعبر عن الخصائص ذات الأصول الاجتماعية والثقافية المشتركة التي تنسب إلى كلا الجنسين البيولوجيين المختلفين

[v]  Aykut 1999، Day، Pointon 1993، Warner 1994

[vi]  Sign وهي المصطلح الذي يعتمد على العرف convention ويدل على الكيان الكلي والاستعاضة عن المفهومconcept

: on fairy tales and their tellesrs. 1994[vii]  From the Beast to the Blonde

[viii]   Mark

[ix] Dumb blonde

[x]  Blonde moment

[xi]  Ferris 1993 p17

[xii] http://en.wikipedia.org/wiki/Aryan_race

[xiii] يعتقد بأن كلمة Blonde  اشتقت من blondusأو blundus اللاتينيتين القروسطيتين وتعنيان اللون الأصفر.. أما المقطع الصوتي e في نهاية كلمة blonde كصفة،  فهو أثر باق من المؤنث في قواعد اللغة الفرنسية، وجيء به منذ القرن السابع عشر إلى الإنغليزية حيث تشير كلمة blonde إلى النساء وكلمة blond إلى الرجال. أما بوصفها اسماً فإن كلمة blonde المؤنثة فتستخدم للنساء ، رغم اختلاط استخدام الكلمتين، وباتت كلتاهما تستخدمان لكلا الجنسين.بعض البلدان تستخدم blond و تشير إلى المذكر، لكلا الجنسين سيما في شمال الولايات المتحدة. Pitman 2003; Warner 1994

[xiv]  Bell 1999 p 5

[xv][xv] The Beauty Myth 2002

[xvi] Warner 1994

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق