في استحالة الحقّ في الكذب عند كانط

“لا ينتقد نتشه الطموحات الكاذبة إلى الحقيقة،أكثر ما ينتقد الحقيقة بالذات باعتبارها مثلا أعلى” جيل دولوز

في بحثه المعروف حول الكذب،و الذي نعتمده أرضية للنقاش في هذا المقال ،يمضي كانط حدّ الرفض المطلق للكذب كيفما كانت التبريرات و المُسوِّغات و كيفما جاءت الدواعي و الأسباب.ذلك أن  المرء بحسبه من الواجب عليه  أن يقول الحقيقة بغض النظر عن المُحاوِر و أيّا كان المَعْنِي.و سعيا منه إلى الرد على “بنجمان كونستون”، يصرح كانط  بأن أول خطإ ههنا إنما هوّ هذا الذي نَعثُر عليه في العبارة التالية:”إن قول الحقيقة ليس واجبا إلا تُجاه أولئك الذين لهم الحق في الحقيقة”[1]. ومما لاشك فيه أن كانط والحالة هاته، هو من يسرع إلى استصدار حكم قيمة دونما سند واقعي،و ذلك لا لشيء إلا لأنه ، يعتبر قول الحقيقة أمرا مطلقا وغير مشروط .و دحضا منه لأي استثناء يُدلي به خصمُه ،يمضي حدّ التوكيد على أن عبارة “أن للبعض الحق في الحقيقة” عبارةٌ تخلو من كل معنى، مادام ” أن الحقيقة من ناحية أولى ليست مِلْكِية يُمْكن للواحد أن يطالب بِحقِّه فيها في ذات الوقت الذي يُحْرِم منها الآخر ومادام من ناحية ثانية أن واجب قول الحقيقة (وهو الواجب الوحيد المقصود هنا) لا يقوم على أي تمييز مابين الأشخاص الذين قد نكون مَدِينين لهم بهذا الواجب و غيرهم الذين قد نقصيهم منه؛إنه واجبٌ غير مشروط ،ومُلْزِمٌ لنا كيفما كانت الظروف”[1].الواضح إذن أن كانط طيلة هذه المقالة،هو من يسعى بكل ما أوتي من جهد إلى تحريف مقاصد “بنجمان” النبيلة أخلاقيا،بحيث أنه بدل أن يناقش الحالة الخاصة التي يستدعيها هذا الأخير(أن تكذب على القتلة عندما يسألونك عن وجود أحد المقاومين في بيتك،إنقاذا لحياته)،يمضي كعادته خاضعا للعموميات،مهووسا بعدم الإطاحة بعرش الأمر الأخلاقي المطلق،حد القول بأن الفيلسوف الفرنسي “لا يميز بين الفعل الذي  بواسطته يُلْحِق شخصٌ ما الضررَ بغيره عندما يقول الحقيقة  التي هُوّ مُجْبَرٌ على التصريح بها،و الفعل الذي بواسطته يُؤْذِيه .ذلك أن قول الحقيقة لم يَضُر المُلتجئ إلى البيت إلا بالصدفة؛إنه (أي قول  الحقيقة) ليس بفعل حر(بالمعنى القانوني)؛لأنه سَيَنْجُمُ عن الحق الذي بموجبه نُرْغِم الغير على الكذب لفائدتنا،قصدٌ مخالفٌ لكل شرع”[1] .على هذا الأساس فالكذب بالنسبة لـ”كانط” لا يُقَوِّض مصدر الحق،متى سُمِحَ به بداعي الحالات الاستثنائية  فحسب ،بل هو ما يَحُول أيضا دون أن ترتفع مُسَلَّمة فِعْلِنا عن طريق إرادتنا إلى قانون عام.و أبعد من ذلك  يُلِحّ كانط على أن ” الشخص الذي يَقْبَلُ بأن يسأله غيره لمعرفة ما إذا كانت نِيَّتُه فيما يأتيه من أقوال،هي التصريح بالحقيقة أو الكذب،ولا يخشى في شيء أن يوصَف بالكذّاب،مُطالِبا بالسماح له بالتفكير في الاستثناءات الممكنة،شخصٌ كذاب (بالقوة):إنه بذلك إنما يؤكد على أنه لا يَعْتَرِف بالحقيقة من حيث هي واجبٌ في ذاته،و يُبْقِي لنفسه على إمكانية الاستثناء من القاعدة،التي  لا تقبل في جوهرها أي استثناء،لأن كل استثناء من القاعدة هو تناقض في حد ذاته.”[1] و بينما يصر “كونستون” على الربط بين واجب قول الحقيقة و العواقب الناتجة عن هذا القول مؤكدا على “أن لا أحد له الحق في قول الحقيقة التي تضر بغيره “[1] يسترسل كانط في تعزيز موقفه النابذ  كُلِّيا للكذب، راميا إلى البرهنة على استحالة قبول الاستثناء بالنسبة لمبدإ الصدق ،أوّلا لأن القاعدة من حيث هي قاعدة لا تكون كذلك إلا عندما لا تقبل أي استثناء و إلا غدت مناقضة لذاتها كما أسلفنا ،و ثانيا لأن القبول بالاستثناء يُفْسِدُ مبدأ الشمولية الذي به تضحى المبادئ مبادئا ،و ثالثا لأن الكذب هو تدمير للكرامة الإنسانية التي هي قيمة باطنية ،لا تُقَدَّرُ بثمن .بديهي إذن أنْ يتعارض منظورا بنجمان و كانط،تعارضا صارخا.على اعتبار أنَّ الأول تَحْكُمُه نزعة نفعية تروم صيانة حياة الأشخاص،مهما كَلَّفَنا ذلك من ثمن بينما الثاني مشدود إلى أرضيةِ أخلاقيةِ الحقيقةِ المطلقة التي ترنو إلى تصوير قَبْلِي لِمَا ينبغي أن يَحْدُثَ غير مُكترِثة بما يَحدُث(هدر دم إنسان).ولعل هذا الذي ينبغي أن يحدث ،هو ما ينتمي بحسب كانط إلى مملكة الغايات ،حيث تكون الأخلاق خالية من كل عنصر حسي و تتخلص الإرادة المُشرِّعة من كل منفعة؛و هذا ما يوضحه قائلا :”إني أفهم من كلمة مملكة  ذلك الترابط المُنَظَّم الذي يجمع بين كائنات عاقلة متعددة عن طريق قوانين مشتركة.ولما كانت القوانين تحدد الغايات من جهة صلاحيتها لأنْ تَكُون غايات كُلِّية عامة فإنه مِن المستطاع ،إذا جرَّدنا الفروق الشخصية بين الكائنات العاقلة و كذلك كل محتوى غاياتهم الجزئية ،أنْ نتصوَّر كلاٌ عاما يشمل جميع الغايات (سواء في ذلك غايات جميع الكائنات العاقلة بوصفها غايات في ذاتها و الغايات الشخصية التي يمكن أن يضعها كل لنفسه ) في وحدة مُنتظِمة مترابطة ،أي مملكة للغايات ممكنة الوجود بحسب المبادئ السابق ذكرها.”[1] و هي مبادئ كما رأينا لا تسمح بالكذب،أبدا،بل تعتبره إذلالا و تدميرا للكرامة الإنسانية  مادام أن الكذب بحسب صاحب “تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق” هو “الفضاء الحقيقي لفساد الطبيعة البشرية”[1] .إلى هذا الحد يتبدى جليا كيف تتعارض النزعة الصورية الكانطية مع الميل النفعي التجريبي الخاص بـ”بنجمان”،تعارض النار مع الماء.ذلك أن الاثنين  يُجسِّدان  معا ،منظورين فلسفيين للعالم ،أي للكون و المستقبل و الحياة ، أشدّ تنافرا.و إذا صح القول بأن الأول مثالي،عقلاني محض،مشدود كليا للميتافيزيقا و التيولوجيا أي أنه مُترع بروح الدين المسيحي؛ فالثاني  براغماتي،نفعي ،واقعي،مهووس بالضمير الأخلاقي.و بقدر ما يستدعي هذا الأخير،الفكر من أجل حياة أفضل ،حياة أكثر ثراء و تنوعا واختلافا و يطرح للنقاش قيمة الحقيقة مُنَقِّبا عن أسباب خضوعنا لها،بقدرما يستدعي الأول  الفكر من أجل الفكر لا غير على منوال مَنْ يمارِس الفن من أجل الفن،متمثلا الحقيقة كإله أو مثل أعلى.و على كل حال فإن المشروع النقدي الكانطي المحكوم بالنسقية، إنْ لم يسمح لصاحبه بالانفلات إلى الخارج اختبارا لمدى نجاعة تصوراته و مسلماته،فقد جعله أكثر من ذلك ، أسير مُهِمَّته الكبرى التي ظل عمره بأكمله يُشيِّد صرحها ،راميا إلى تبيان سمو  العقل المحض عن كل مقاربة حسية،أو شهوانية للواقع.فرق شاسع إذن بين مَنْ يقترح منظورا فلسفيا  تراجيديا ،و مَنْ يَنْشُد بعكس ذلك، منطقا لاهوتيا مسيحيا.الأول وهو الشأن بالنسبة لـ”بنجمان”،يرى الإنسان كما هو ،أي باعتباره كائنا شهوانيا تحكمه الرغبة و تستهويه  المنفعة و اللذة بينما الثاني،فهوّ  مِنْ فرط انشداده إلى فكرة الخطيئة الأصلية،لا يملك إلا أن يدعو إلى الخلاص عن طريق التشبث بالفضائل الأخلاقية المسيحية[1]،المصاغة في قالب الفلسفة المثالية الألمانية.على هذا النحو من البديهي بمكان أن تكون الأخلاق بالنسبة لـ”بنجمان” رهينة النتائج الناجمة عن كل فِعْلٍ فِعْل،لأنَّ  فلسفته النفعية لا تُقِرُّ بأيّ وجود للخير المطلق  بل فقط بالضار و النافع ،خلافا لـ”كانط” الذي يعتبر الكذب شرا مطلقا،مهما كانت النوايا الطيبة التي تقف وراءه و أيا كان نفعه للذات أو للغير.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This