قواعد التَّدين العاقل (4)

القاعدة الرابعة: يرى الله الأعمال والمعاملات لا العقائد والعبادات..

التّحليل: يؤكد جان جاك روسو ضمن كتابه الأشهر “في العقد الاجتماعي” بأن السلام لا يكون بين شخصين يعتقد كل واحد منهما بأنّ الله غاضب على الآخر. هنا بالذات تكمن معضلة السلام بين الأديان، وبين الطوائف الدينية. الأدهى من ذلك والأمرّ هو حين يظنّ أحدهما بأنّ الله سيبقى غاضباً على الطرف الآخر الذي لا يشاركه نفس الدين والمعتقد حتى ولو تلقى منه معاملة حسنة، حتى ولو كان ذلك الآخر قد آواه وأكرمه، حتى ولو كان ذلك الآخر قد أنقذ حياته مرّة ومرّات، بل يبقى ذلك الآخر في كل أعماله وأحواله مستحقا لسخط الله وكراهيته فقط لأنه بمحض الصدفة لا يؤمن بالعقيدة “الصحيحة”. وإذا فهمنا بأنّ واجب المؤمن أن يمقت ما يمقته الله، ويغضب على ما يغضب الله عليه، ويسخط على ما يثير سخط الله، سنتوقع النتيجة. غير أن المسألة لا تحيل إلى أي خصوصية قومية أو عرقية ثابتة كما يزعم أنصار صدام الحضارات، وإنما تحيل إلى المفاهيم التي يحملها الخطاب الديني الموروث والمتوارث لأسباب ثقافية قد تتغير، بل يجب أن تتغيّر، أو هذا ما نناضل من أجله.

لقد ركز الموروث الفقهي على مجال العبادات، فجعلها أولى أولويات الدين، وجعل الصلاة أول ما يُسأل عنه العبد عند القبر، مع إضافة أسئلة تكميلية في العقيدة : من ربك؟ من رسولك؟ ما دينك؟ ونحو ذلك. بهذا النحو انتقل مركز الثقل من مجال الأعمال والمعاملات إلى مجال العقائد والعبادات. وقد تشدّد الخطاب الديني في هذا الأمر لدرجة صارت فيها مجالسة صديق لصديق لا يصلي، أو مصافحة زميل لزميل غير مؤمن،  أو معايدة جار لجار غير مسلم، تُعتبر مشكلة فقهية. أي أن التشدّد في العقائد والعبادات لا يعني أن الخطاب الديني ترك مجال الأعمال والمعاملات الاجتماعية والسياسية والإنسانية جانباً، بل ألحق بالعبادات كل الأعمال التسلطية التي تخدم إرادة الهيمنة والنزوع إلى التسلط -لا سيما بالنظر لحاجة عصر التوسعات الإمبراطورية إلى عسكرة المفاهيم  الدينية- جاعلاً الجهاد عبادة، والحجاب عبادة، والطاعة عبادة، ولزوم الجماعة عبادة، والبيعة في السرّاء والضرّاء والمنشط والمكره عبادة، إلخ. ولأن الأمر يتعلق بإرادة الهيمنة فلقد أخرج الموروث الديني من دائرة العبادة كل ما من شأنه أن يترك هامشاً للعقل والإرادة والحرية، فلم يجعل التفكير عبادة، ولا المعرفة عبادة، ولا الإبداع عبادة، ولا الحب عبادة، ولا احترام الحياة الخاصة للناس عبادة. هكذا انتهى الأمر إلى انغلاق لاهوتي بموجبه أصبحت السياسات مقدّسات، والعادات عبادات. ومن ثمة تغيّرت طبيعة الأسئلة الأخروية نفسها، فصارت المرأة تُسأل عن الحجاب، ويُسأل الرّجل عما إذا مات وفي عنقه بيعة، وبالنسبة للصلاة نفسها فقد صارت التفاصيل هي الأهم : عدد الخطوات المقطوعة نحو المسجد، طول مدة السجود، المرتبة ضمن صفوف الصلاة، إلخ، في المقابل، لا أحد يُسأل في قبره عن حياة أنقذها هنا، أو نفس أحياها هناك، أو معرفة أشاعها بين الناس، أو اختراع أسعد الآخرين، أو عمل صالح انتفع به المحتاجون، إلخ. اللهم إذا تعلق الأمر بأسئلة ثانوية أو على الهامش. وهذا خلل أخلاقي كبير.

المطلوب من الرؤية الإصلاحية اليوم، العمل على إعادة نقل مركز الثقل الديني من مجال “الإيمان الصحيح” إلى مجال “العمل الصالح”. وهنا لن نعدم وجود مستندات داخل الخطاب القرآني، وداخل التراث الديني، وداخل الفطرة الإنسانية أيضاً :

أوّلا، داخل الخطاب الديني: يؤكد الخطاب القرآني بنحو واضح وصريح بأنّ الجزاء الأخروي يتم على أساس العمل الصالح والمعاملة الحسنة، ولا يشترط في مستوى العقائد والعبادات سوى شيء واحد، الإيمان بالله والبعث : ( إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) البقرة 62، وهي الآية التي تكررت في موضع آخر بصيغة أخرى ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) المائدة 69. وثمة آيات بينات لا تشترط سوى الإيمان وحده مشفوعا بالعمل الصالح مثل الآية : ( إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ) الإسراء 9. وآيات أخرى لا تشترط أكثر من عدم الشرك مشفوعا بالعمل الصالح : ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) الكهف 110. هذا، وتؤكد الكثير من الآيات بأن الحساب الأخروي يقوم حصراً على أساس الأعمال والمعاملات، مثل الآية  ( فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره ) الزلزلة 7، وكذلك الآية  ( وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ) الزخرف 72. إلخ.

ثانياً، داخل التراث الديني: هنا أيضا فالأدلة كثيرة، من بينها أنّ حجّة الإسلام أبي حامد الغزالي على سبيل المثال، كان يرى المعصية نوعين : معصية لازمة ومعصية متعدية ( وقد ورد هذا التصنيف في الباب السادس من كتاب الحلال والحرام ضمن كتابه الأشهر “إحياء علوم الدين” ). أما المعصية اللاّزمة فإنها تخص علاقة الإنسان بالله، وفيها يملك الله حقّ الشفاعة، من باب ترك الصلاة مثلاً، أو حتى الكفر على سبيل المثال. غير أن المعصية المتعدية فإنها تخص علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، من باب الظلم في كل أحواله، وأكل مال اليتيم، وشهادة الزور، ونحو ذلك، وهي أعلى ضررا وأشدّ ضراوة؛ لأنّ الذي يملك حقّ الشفاعة فيها ليس الله بل هو ذلك الإنسان المظلوم نفسه، أي الضحية. وبلغة قريبة من القانون الوضعي الحديث : إذا أنا لم أقم بواجباتي في الصلاة والصوم، أو لم أؤمن أصلا بوجود الآخرة، فيما يندرج ضمن مجال العقائد والعبادات، فإن حق الثواب وحق العقاب موكول إلى الله وحده لا شريك له في هذا الحق. ففي مجال المعصية اللازمة وحده الله من يملك حق “المتابعة” أو “الشفاعة”، أما إذا أنا ظلمتُ إنساناً آخر، فيما يندرج ضمن مجال الأعمال والمعاملات، فسيكون قرار “المتابعة” أو “الشفاعة” من حقوق ذلك الإنسان المظلوم، سواء أكان فردا واحدا، أو كان جماعة تعدّ بالمئات أو الآلاف أو أكثر، وهنا يظهر حجم المسؤولية الإنسانية بمعناها الديني الأكثر عمقا وتعقلا.

ثالثاً، داخل الفطرة الإنسانية: لعل مرويات الإسلام الشّعبي زاخرة بالحكايات حول “الفاسق” الذي ثاب الله عليه جراء فعل إنساني جليل قام به في إحدى المرات. وهي مرويات بصرف النظر عن طابعها الأسطوري إلا أنها تعكس طيبوبة الفطرة الإنسانية. وطالما أن الإسلام دين الفطرة كما يقال، فإن الفطرة السليمة لا تسمح لنا بأن نتصور أن الله سيُعاقب مخترع لقاح الجذري الذي أنقذ ملايين البشر، فقط لأنه قد يكون سمع بالإسلام ولم يسلم !.. أو أن الله سيعذب امرأة جاهدت طوال حياتها في سبيل رعاية وتعليم صغارها في ظروف شاقة، فقط بسبب متعة مسروقة في بعض ليالي الشقاء !.. وأعلم بفعل العِشرة الطويلة والحس السليم بأن هذا القول يقنع الفلاحين الأميين لأن فطرتهم الطبيعية لم تفسد، يقنع المثقفين الإنسانيين لأنهم بلغوا العمق الذي يسمح لهم باسترداد فطرتهم الطبيعية، لكنه قد لا يقنع أنصاف المثقفين وأنصاف المتعلمين، وهم الفئة الأشد ضرراً على الحياة الطبيعية.

الاستنتاج: عندما يقول الخطاب القرآني ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم.. ) التوبة 105، فالعمل هنا هو العمل الصالح، بمعنى العمل الذي يجلب المصلحة العامة لكافة الناس، أي العمل الذي يساهم بهذا القدر أو ذاك في تحسين جودة الحياة بالنسبة للبشرية جمعاء. وهذا هو البُعد الإنساني الذي غيّبه الخطاب الديني السائد منذ قرون طويلة وإلى غاية اليوم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This