سيمون دي بوفوار وسياسات الغموض أولريكا بيورك

الكتاب: سيمون دي بوفوار وسياسات الغموض

      تأليف سونيا كروكس، منشورات جامعة أكسفورد 2012

 

 

تلفت المفكرة البريطانية سونيا كروكس، من خلال عنوان الكتاب، الاهتمام الى مفهوم الغموض، وتبين كيف أن مسألة تقرير الطريقة الانسانية للوجود في هذا العالم ليست فقط نقطة الانطلاق لأخلاقيات الفلسفة الوجودية، وإنما يمكن تمييزها كنغمة متكررة في دراسات بوفوار عن الحياة السياسية أيضاً. والهدف الرئيسي لكتابها هو إبراز أهمية أفكار بوفوار للفكر والنشاط السياسيين في عالم اليوم، لا سيما ما يتعلق بالانتهاكات الفادحة لحقوق الانسان. الى جانب ذلك، ترى الكاتبة إن رؤية بوفوار للفلسفة الوجودية تقدم طريقاً للخروج من حالة الجمود التي سادت – ولعدة عقود – بين المنطقيين الليبراليين والمابعدَ بنيويين، في الحقل السياسي.

تذهب سيمون دي بوفوار الى إننا لو لم نكن – حسب وصف سارتر – حالات وعي شفافة لها أجساد، وإنما – حسب وصف هوسلر – حالات وعي متجسدة “تسكن العالم” (وهو ما كانت بوفوار تصر عليه)، فاذن نحن أحرار ومقيدون بأوضاع تاريخية محددة – في آن معاً.

يجري وصف التمظهرات السياسية العملية للغموض في كل فصل من فصول الكتاب الخمسة. فتناقش كروكس كيف أن فلسفة الغموض تقدم إضافة في النقاش الدائر بين الانسانويين والمابعد إنسانويين، حيث كانت الانسانوية (بائتلافها مع العقلانية والليبرالية) تمثل “إنسان العقل” وخطاباً عن الحقوق الفردية. هذه الانسانوية، وما فيها من مفهوم ضيق للفرد، تم نقدها على يد المابعد إنسانويين بسبب مركزيتها الأوروبية، ونخبويتها، ولكونها كانت تعبيراً عن أيديولوجيا تسوغ الاستغلال والعنف والظلم. في مقابل الانسانوية، تؤسس كروكس حججها لصياغة مفهوم “الانسانية”، الذي يحتوي على التضادات القائمة في الجسد وفي الأفعال وفي التواصل الذاتوي Intersubjectivity: تضاد الحرية والاعتماد على الآخر؛ تضاد التضامن والصراع؛ تضاد التصالح والعنف. فحين يجري رفض هذه التضادات، سواء نظرياً أو عملياً، ندخل في لاأنسنة العالم. وهنا تقول كروكس أن سيمون دي بوفوار تستبق – من بين من تستبق – إدوارد سعيد في دراسته حول “نقد الانسانوية باسم الانسانوية”.

ومسألة الموقف الانسانوي هذه ستقود الى مناقشة قضية الظلم. ولا تقتصر الكاتبة على الاعتماد على كتاب بوفوار “الجنس الآخر” وحده (كما فعل باحثون آخرون) وعلى المفهوم الهيغلي عن “الصراع بين الوعي بالذات وبين الآخر” الذي يؤطر التفسير المعروف للظلم الذكوري للنساء، وإنما تلفت النظر الى مناقشات دي بوفوار عن آليات الظلم العنصري وذلك في كتاب رحلاتها “الصحيفة الأمريكية” (1948)، والى تأملاتها حول الظلم الواقع على كبار السن وذلك في كتابها “الشيخوخة” (1970). إن هذه الدراسات الثلاث تعطي صورة معقدة لكيفية عمل الظلم، وتظهر كذلك كيف إن الموافقة، والاعتماد على الآخر، والمكانة الدنيا، وعدم الاكتراث، هي جميعاً تكون – غالباً – متضمنة في هذه الآلية. فمن أكثر نقاشات الكتاب النقدية إثارة للاهتمام هو ذلك الذي يتناول جانب المحظوظين في معادلة الظلم هذه و – على الأخص – كيف شغلت هذه المسألة أعداء العنصرية من البيض. وتقول كروكس أن نوعاً من “سياسة التحول الذاتي” كانت سائدة بين الأفراد الين يسعون الى أن يصيروا واعين بعنصريتهم.

ينتمي هذا الكتاب الى ما يمكن أن ندعوه بالتحول السياسي في الدراسات المتعلقة بسيمون دي بوفوار. هذا التحول لا يتميز فقط باهتمامه بالقضايا السياسية التي أحياناً تجد نفسها في صراع مع آراء نسوية  معينة (وأحياناً أخرى تكون أبعد من هذا الصراع)؛ وإنما يتوجه أيضاً الى قطاع من القراء أوسع من دائرة الباحثين في الدراسات المتخصصة ببوفوار. وهنا تكمن قوة هذا الكتاب. حيث تعرض سونيا كروكس كيف إن أفكار سيمون دي بوفوار السياسية ما تزال مناسبة لعديد من النقاشات النظرية في وقتنا الراهن و”للغموض الوجودي” في الأحاديث السياسية الجارية حالياً. وعلى غرار حنا أرندت، لا تقدم كروكس في المقام الأول حلولاً سياسية عملية وإنما تشدد النظر الى القعر الفلسفي للحياة السياسية.

في عالم يمتلك فيه جميع الناس – تقريباً – وجوداً سياسياً فان المشاكل المتعلقة بأفعالنا “لم تكن من قبل أبداً بهذا التعقيد” كما تكتب بوفوار، وتشير الى صعوبة النظر الى عواقب اختياراتنا في عالم يصبح مُعَولماً أكثر فأكثر. فكأعضاء في بلدان أو في طبقات أو في “حضارة تتدفق عبر الحدود الوطنية، في كل العالم الذي ترتبط أجزاؤه ببعضها بإحكام”، فان أفعالنا ليست فقط أكثر شمولاً من ذي قبل، وإنما متنوعة ومليئة بالتناقضات أيضاً. “هل سنضحي بالطبقة من أجل الأمة؟ بتقاليد النهار من أجل تقاليد الصباح؟ أم بالمستقبل من أجل سلام وقتي؟ ماذا على المرء أن يفعل؟ ولكي يحقق المرء ما يريد، ماذا عليه أن يفعل؟” – تتساءل سيمون دي بوفوار، وتقول إننا بودنا أن نهرب من الوضع السياسي المعقد، وأن نغلق على أنفسنا إما في “ذاتية” الأخلاق التقليدية، المثالية، وإما في “موضوعية” السياسة الواقعية. واستنتاجها، الذي يلقى صداه لدى سيمون كروكس أيضاً، هو إنه “ليس ثمة واقع خارج نفسي يمكنه أن يرشدني الى ما علي أن أختار”. هذا يعني، في الوقت نفسه، أن الأخلاق تتصالح مع السياسة.

 

____________________

أولريكا بيورك: أستاذة في المعهد العالي في سودرتورن بالسويد. أصدرت عدة مؤلفات فلسفية من بينها كتب عن سيمون دي بوفوار التي كانت – كذلك – موضوع أطروحتها للدكتوراه.

رابط النّص الاصلي

http://www.politiskfilosofi.se/fulltext/2013-2/TPF_2013-2_041-050_bjork.html

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This