في معنى كلمة ” الصّمد ” الواردة في سورة الإخلاص

هل نستطيع أنْ نقف على معنى كلمة ” الصّمَد” التي وردتْ في القرآن من خلال علم الأيتمولوجيا – الاشتقاق اللغوي – أو التأثيل بحيث نقارب المعنى المقصود منها مادامتِ التفاسير لسورة الإخلاص التي تضمّنت الكلمة، ذهبت باتجاهات عدّة لمعنى الكلمة ولن نغفل المقارنة بين ما يُسمى “اللغات السّامية” في المنطقة بحيث نقدّم مروحة معانٍ تطمح إلى الإحاطة بمعنى كلمة ” الصّمد” مع الانتباه إلى السّياق الذي وردت به.

بداية نضع سورة الإخلاص بين أيدينا :” قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ” وسنقدم لمعنى كلمة ” الصّمد” من خلال ما تضمّنته اللغة العربية سواء في القواميس وما اجتهد المفسرون بقوله، فنجد أن كلمة ” الصمد: ” الصّمْد بفتح فسكون: القَصْدُ و وفي حديث مُعاذٍ بنِ عمرِو بن الجَمُوحِ في قَتْلِ أَبي جهل : فَصَمَدْتُ له حتى أَمْكَنَتْنِي منه غِرَّةُ أَي وَثبْتُ له وقَصَدْته وانتظرْت غَفْلَتُه . والصَّمْد الضَّرْبُ يقال : صَمَدَه بالعَصا صَمْداً وَصَمَلَه إذا ضَرَبه بها عن أَبي زَيْدٍ- وقال أَبو خَيْرة : الصَّمْدُ والصِّمادُ : ما دَقَّ من غِلَظِ الجَبَلِ وتَواضَعَ واطْمَأَنَّ ونَبَتَ فيه الشَّجَرُ-والصَّمْدُ : تَأْثِير لَفْح الشَّمْسِ في الوَجْهِ -والصَّمَد بالتحريك : السٍّيِّد المُطَاع الذي لا يُقْضَى دُونَه أَمْرٌ . وهو من صِفاتِهِ تعالى وتَقَدَّس لأَنَّه أُصْمِدَتْ إِليه الأُمورُ فلم يَقْضِ فيها غَيْرُه . وقيل : الذي يُصْمَد إليه في الحَوائجِ أَي يُقْصَدُ-والصِّمَادُ بالكسر : رَوْضَاتُ بَنِي عُقَيْلٍ والرَّبابُ – والمُصْمَدُ: لغة في المُصْمَتِ، وهو الذي لا جَوْفَ له. والصِمادُ: عِفاصُ القارورة. وصَمَدَهُ يَصْمُدُه صَمْداً، أي قَصَدَهُ. والصَمَدُ: السيِّدُ، لأنّه يُصْمَدُ إليه في الحوائجِ. قال: عَلَوْتُهُ بحُسام ثُـمَّ قـلـت لـه خُذْها حُذَيْفُ فَأَنْتَ السَيِّدُ الصَمَدُ وبيتٌ مُصَمَّدٌ بالتشديد، أي مقصود-  الصمد : ما يلفُّه الرجُل على رأسه مما هو دونَ العمامة، كالخِرقةِ والمندي”.

بعد تقديم هذه المعاني لكلمة” الصّمد” لا بدّ من إيراد قول الطبري باختلاف المفسرين في معنى الكلمة: “واخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الصَّمَد، قَالَ بَعْضهمْ: هُوَ الَّذِي لَيْسَ بِأَجْوَف، وَلَا يَأْكُل وَلَا يَشْرَب، أو الَّذِي لَا حَشْوَة لَهُ، وقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الّذي لَا يَخْرُج مِنْهُ شَيْء ونضيف من التفاسير الأخرى؛ أن الصّمد هو الدائم بلْ هُوَ الْبَاقِي الَّذِي لَا يَفْنَى وعن الطبري أيضًا قَالَ أَبُو جَعْفَر: “الصَّمَد عِنْد الْعَرَب: هُوَ السَّيّد الذي يُصمَد إليهِ، الذِي لا أَحد فوقه، وكذلكَ تُسَمي أشرافهَا”.

وفي سبب نزول الآية ؛ نجد في التهذيب للأزهري أنّ المشركين سألوا الرسول أن ينسُب لهم الله ، فنزلت الآية :” قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ” والمعنى يكون، نفي النّسِب، فالنسب للمخلوقين وليس للخالق . وسورة الإخلاص  لها مكانة عليا في القرآن إذ تعادل ثلث القرآن ورغم ذلك ظلّت كلمة الصّمد كلمة مبهمة رغم أهميتها ورغم تعدّد المعاني التي تشير في النهاية  إلى صفة وقدرة الله.

فيما سبق نكون قد قدمّنا الأهم بين معاني كلمة ” الصّمد ” في اللغة العربية والذي يتبع هو محاولة لتتبع وجود الكلمة في لغات المنطقة، فنجد أنّها وردت في الأوغارتية ” smd il” وهنا تعني العصا بالاستناد لقول دكتور اللغويات محمد بهجت قبيسي في كتابه ” ملامح في فقه اللهجات العربيات من الأكادية والكنعانية وحتى السبئية والعدنانية ” اعتماداً على “GORDON” عالم اللغة الأوغارتية – الصفحة – 656 – من كتاب د. محمد بهجت قبيسي وفي الصفحة 485  من ذات الكتاب، نجد أن معنى كلمة ” صمد ” كمدلول تعني ” فخذ” وهذه مأخوذة من كتاب د.أحمد حامدة – المدخل إلى اللغة العربية الكنعانية والفينيقية – صدر عن جامعة دمشق عام 1994 ونضيف أن اللغة العامية في الساحل السوري تعطي معنى لكلمة “الصّمد” يفيد ” المحراث القديم – المصنوع من خشبة يابسة تُشق فيها الأرض لكي تعدّ للزراعة والمحراث يجرّه ثوران أو بغل أو ما شابه ذلك من حيوانات الحمل والجرّ.

المعاني السابقة هي حصيلة البحث النسبي الذي قمتُ به وهذا يقود إلى أن هناك العديد من المعاني الأخرى قد تُنقص أو تدعم الاستنتاج الذي سيتحصّل من دراسة الكلمات السّابقة ومعانيها، بناء على علم الاشتقاقات الدلالية للغة وتقارب المآرب والسبب والنتيجة؛ لكن قبلاً لا بدّ من وضع مجموعة من أسهم التوجيه من خلال محايثة تصورات أهل هذه المنطقة عن الخالق وآلية الخلق.

تقدّم لنا أساطير بلاد ما بين النهرين أنّ الإله “إنكي” خلق البشر عبر حفر ثلم بظفره في الأرض وبذره، فبدأ الناس يخرجون منه كالعشب وفي النص القرآني نجد الآية التالية التي تتقاطع مع الأسطورة “وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ” ويفيد الإنبات الفعل القائم على الحراثة ومن ثم الزراعة وبعدها الإنبات، فالإنبات لكي يحصل لابدّ أن تكون هناك حراثة ونضيف ضمن مروحة الدلالات أن ” إنانا ” الأم – الأرض تطلب من الإله إنليل – دموذي أن يحرث لها فرجها لتكون المخلوقات من نبات وحيوان والحرث في القرآن يعطينا نفس المعنى للفعل الجنسي ، سورة البقرة – الآية 223 :” نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ “.

مما سبق نجد أنّ الحراثة أو معادلها الجنسي كفعل خلْق موجودة في لبّ وجوهر عقائد الخصب التي تشمل كلّ المنطقة وتؤكدها بعدّة أساطير هي أشهر من ذكرها هنا وعليه بعد هذه العجالة؛ سنبدأ بتجميع المعاني المنثورة في كلمة ” صَمَدَ ” والتي بذاتها تفيد معنى” الجمع” ولكي نأخذ الأمور بشكل تسلسلي لابدّ أن نضع في المقدمة دلالات كلمة “الصّمد” في اللغات السابقة على اللغة العربية والتي ترتبط معها اللغة العربية برابطة الرحم والدم.

في الأوغارتية : صمد = عصا وقد تعني عصا السلطة للإله إيل لكن من معاني العصا نلحظ الأفعى كما عصا موسى والأفعى تربطنا بفعل الخطيئة الأساسية الجنسية وعلاقتها بآدم وحواء والأفعى ذاتها عندما تدبّ على الأرض تترك أثراَ يشبه أثر المحراث في الأرض والأفعى رمز عشتار الأم الأولى وخلقها الكون عبر الفعل الجنسي الذي يتكرر مع كل أشكالها من ليليت إلى الإناث في العقائد السماوية من حواء إلى مريم أم المسيح.

في اللغة الفينيقية تعني الكلمة ” صمد = فَخَذَ ” كدلالة ومن دلالات ” فخذ ” في اللغة العربية ” المفاخذة ” أي ممارسة الفعل الجنسي، حيث يفاخذ الذكر الأنثى والمراقب لعملية الحراثة يلحظ أنّ الفلاح يضع قدمه على ” سكة- القطعة الخشبية التي تشبه السكين وقد استبدلت فيما بعد بالمعدن/ الحديد ” المحراث عبر الضغط بفخذه لكي تلج ” السّكّةُ ” أكثر في الأرض ويصبح الثلم أعمق وأخصب.

وبالانتقال إلى قواميس اللغة العربية، فنثبت أن من المعاني لكلمة ” الصّمد ” أي الضرب بالعصا؛ أَوَ ليستِ الحراثة تعني نفس الفعل!؟ وأيضا ” الصّمد ” الأرض التي ينبت فيها الشّجر والنبات ولا بدّ من ذكر أنّ ” الصّمد ” هو أنْ تلوّح الشمس وجه الشخص بعد تعرضه لإشعتها، والفلاح إذ يحرث الأرض يتركها عرضة للشمس؛ لتصبح جاهزة للزراعة أمّا بقية المعانى، فنستطيع أنْ نلمح ما يخدم توجهنا بقليل من التأمل.

بعد ما تقدّم نعود إلى سورة الإخلاص وسبب نزولها حيث كان جواب النبي محمد يصبُّ في منهجه التوحيدي بمنطقة مليئة بالآلهة – إنْ صح التعبير – متأثرة بغيرها من العقائد في المنطقة مروراً بالديانتين اليهودية والمسيحية مع التأثير الحنفي وبشكل أو بآخر، تدلّ بقسم منها على أنّ الخالق قد صنعَ الكون عبر الفعل الجنسي وخاصة العقائد غير السماوية – كما اُصطلح على تسميتها – سواء في بلاد ما بين النهرين أو سوريا وحتى شبه الجزيرة العربية أمّا منهج العقائد السّماوية، فتلصق عملية الخلق بالإله / الله، بعيداً عن معاني الفعل الجنسي كما كان سائداً في عقائد المنطقة  لحظة نزول القرآن، وبين الاعتقادين نستطيع أن نفهم سورة الإخلاص، فالآية تنصّ على أحدية الخالق، لكن هو خالق الخلْق/ الكثرة، دون العملية الجنسية والدليل ” لم يلد ولم يولد ” التي أتت تفسيراً لآية ” الله الصمد ” ثم تأتي الخاتمة” وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ” أي أن فعله لا يشبه أي من أفعال الخلق لدى المخلوقين وهذا ما تقولة الآية 54 من سورة الأعراف :” تبارك الله أحسن الخالقين”، فسورة الإخلاص تدعم آياتها بعضها البعض وتفسر نفسها بنفسها وكلّ آية منها دليل وإثبات على الآية التي قبلها.

الآية تهدف إلى إنهاء الجدل عن أحدية الله وأنّه الخالق الأوحد المفصول عن كثرة الخلق، وهو، لم يلد ولم يولد أي البعيد كلّ البعد عن العملية الجنسية، فهو الحارث/ المحراث / الباذِر / المُنْبِت، دون أيّ دلالة على الفعل الجنسي.

وعليه تعني الصّمد ؛ المحراث/ الخالق / الباذِر والعصا اليابسة المصمتة التي لن تخرج منها فروعٌ/ أغصان، أبداً؛ لكنّها تحرث الأرض وناتج الحراثة أي الخلق، لا علاقة له بها بالنسب أو بالرحم أو الدّم ؛ إنْ كان فرعاً يقوم على الأصل أو بذاراً ينثر في الأرض، فينبت؛ وبذلك لايوجد نسبة ما أو صلة ما، ففعل الخلق الإلهي يأتي من مختلفٍ بالمطلق عن المخلوق، فلا يمكن أنْ يقاس المخلوق إلى الخالق ومن هنا نفهم معنى كلمة ” المصمت ” الذي ليس بأجوف ولا يخرج منه شيء وكل النفي الذي يقع على الله كي لا يتشابه مع المخلوق وأفعاله.

بريبةٍ إيجابية نستطيع القول: إنّ معنى كلمة ” الصّمد” قد أتضح قليلاً مع الأخذ بالاعتبار أنّ معنى الكلمة يجب أن يظلّ مفتوحاً للبحث حيث أن الاكتشافات الأركيولوجية والإناسية واللغوية تقدم لنا دوماً الجديد الذي يجعلنا نقف مطولاً مع النتائج التي توصلنا إليها وإعادة السؤال من جديد وبشكل أبدي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. فيربال

    كيف يمكن تفسير وجود كلمة صمد (باللفظ صمادي) في الهندية؟ وتأتي بالبوذية بمعنى السكون، والاحتمال الاكبر انها من اصل سنسكريتي. فهل ممكن ان تكون الكلمة سنسكريتية اصلا؟

  2. أحمد بغدادي

    جزيل الشكر للكاتب على جهده والذي هو مبارك ومحمود بلا شك…كلمة الصمد كلمة عربية بلا شك…الصمد مشتقة من جذر ثنائي..أرجوا من الكاتب الإطلاع على الرابط التالي وله جزيل الشكر :https://quraanism.blogspot.com/2018/05/ALSAMAD.html
    تحياتي وخالص امنياتي…

أضف تعليق