النَّهضة في مؤتمرها العاشر

في بناء الحزب المدني الديمقراطي المعاصر

توطئة

ليس من السهل على حركة نشأت من رحم المعتقد المفضي إلى الإديولوجيا أن تنفض عنها إغواء النزعة

الاِعتقاديّة و أن تتخلّص من شراكها و أن تنحو بخطى ثابتة لتتعمّد بالسّياسيّ و لا شيء غير السّياسيّ .إنّ هذا المسار يقتضي من قادتها ثمّ من منخرطيها اِشتغالا على الذات و مجاهدة شبيهة بتلك المقامات و الأحوال التي يتدرّج فيها المتصوّف طلبا للحقيقة. وقد يكون المؤتمر العاشر لحركة النهضة ترجمانا

للمراحل التي قطعتها لتصل إلى ما وصلت إليه. ولعلّ ما عاشته الحركة بعد الثورة يكرّس أسبقيّة الممارسة على التنظير في سياق اِستكمال شروط الحزب المدني وستكون لوائح المؤتمر ومقرّراته صدى لذلك المخاض العسير.

ـ الفصل بين الدعوي و السّياسيّ أو التخصّص

إنّ في شبه الإجماع  الذي حظيت به لائحة الفصل بين الدعوي و السياسي أو التخصّص يشي بوعي لدى المؤتمرين  ومن تمثّلونهم بالتحديّات التي تواجهها الحركة في هذه الظّرفيّة التاريخيّة.إنّ حزبا يطمح  ليكون مدنيّا معاصرا لايمكنه الاِستمرار في الاِستحواذ على المشترك بين التونسيين و نعني به الدين الإسلامي و تجييره  لصالحه عبر عمليّة الخلط بين الدعوي والسياسي . إنّ التخصّص لم يكن متاحا قبل الثورة إلاّ أنّ ما وهبته من حريّة في التنظّم و بعث الجمعيات

أصبح بمقتضاها العمل الدعوي متاحا لتتخفّف الحركة من مجال يثقل كاهلها و يمنعها من التخصّص في العمل السّياسي وتوجيه جهودها و طاقاتها في خدمة الشّأن العام، فالدولة هي الراعية لمختلف الأديان وهي تديرالشّأن الديني ولا مجال للاِستفراد به و توظيفه خدمة لحسابات سياسيّة. بل إنّ الحزب ذهب إلى أبعد من ذلك حين ساند الدّعوة إلى تحييد المساجد عن العمل الحزبي وطالب بمنع الأئمّة من الاِنخراط في الأحزاب السياسيّة . إنّ التخصّص لا يُفهم منه التخلي عن المرجعيّة الإسلاميّة للحركة ، فهذه المرجعيّة تنبني على قراءة تجديديّة للإسلام تستلهم من مبادئه و قيمه رؤى للمجتمع و للسياسة و للثقافة وهي قراءة تقوم على مراكمة التجارب الاِجتهادية السّابقة و البناء عليها و لا سيّما إسهامات المدرسة الإصلاحيّة التونسيّة مع الانفتاح على المكتسبات الإنسانيّة .إنّ هذا المشترك الديني قابل للقراءة و التأويل و النقد و هي عمليات بشرية تحتمل الخطأ و الصواب و تظل متاحة لكل الأحزاب و المرجعيات الفكرية حتى تستلهم منه ما تراه ضروريا لصياغة رؤاها و برامجها شريطة أن يتم ذلك تحت سقف الدستور

ـ نهاية الصراع مع الدولة

إنّ القطع نهائيّا مع فكرة التنظيم يعدّ المدخل السّليم لبناء حزب سياسي مدني ديمقراطي ومعاصر .فالتنظيم وما أحاط بتشكّله من ممارسات و أفكار كانت محكومة بهاجس التخفّي و السريّة .فقد كان من أهدافه الحفاظ على كيان الحركة  وعلى وجودها بل في بعض الأحيان على نواتها الصلبة ،وقد كانت لهذا السلوك ممبرّراته زمن الدكتاتوريّة حيث الملاحقة البوليسيّة و المراقبة الأمنية تعملان على اِجتثاث الحركة وفي أدني الحالات كانتا تعملان على هرسلتها للحدّ من نفوذها و تمدّدها . في ظلّ هذه المناخات كانت تتّخذ مواقف و قرارات يغلب عليها الحذر و التحوّط  قد تكون تعبيرا عن علاقة غيرسليمة بالواقع فتكرّس التقوقع و الاِنزواء ،و الأخطر من ذلك أنّها كانت تغذّي العداء للدّولة ـ السلطة ـ

ففي تلك الأجواء المشحونة يصعب التفريق بين المفهومين بل إنّ الحاكمين المستبدّين أنفسهم كثيرا ما يتعمّّدون الخلط مثل خلطهم  بين الحزب و الدولة فيوّظف الأول الثّانية لضرب الخصوم وشراء الذّمم .إنّها عمليّة سطومفضوحة على العنف الشرعي  الذي تحتكره الدولة بفضل القانون وتحوّله إلى آلة للقمع

تنكّل بالمعارضين بمختلف مشاربهم السياسيّة ،لانعجب حينئذ حين يناصب الإسلاميون الدولةََ العداءَ. ويعتبرونها وسيلة لإلغائهم ،لقد عانوا كثيرا من تسخير الدولة جهاز القضاء لإصدار أحكام بالإعدام ضدّ زعمائهم .إنّ علاقة الإسلاميين المتشنّجة بالدولة تعود إلى بدايات العمل الإسلامي حين شعروا  أنّ هذه الدولة وهي في نظرهم منتوج غربي مستورد ،يستعدي هويّتهم العربيّة الإسلاميّة وقد قامت دعوتهمم

نهاية الستّينات وبداية السبعينات على الدفاع عن الهويّة ومقاومة مظاهر التفسّخ الحضاري. إنّ هذا العداء للدولة تمّ اِستبطانه من قبل حركات إسلاميّة عديدة ولم يزده  اِستبداد الأنظمة السياسيّة إلاّ رسوخا فأصبحت الدعوة إلى محاربة الدولة وتغيير النمط الاجتماعي ديدن تلك الحركات .الآن أصبح أمام حركة النهضة الإسراع بالتخلّص من هذا الإرث السّلبي الثّقيل لتصحيح العلاقة مع الدولة .ومن مظاهر ذلك مضامين لوائح المؤتمر العاشرو التي نشعر أنّها صيغت في مناخ قد تخلّص نهائيّا من كابوس الدولة بل إنّ الحركة تضع برامجها و رؤاها لخدمة الدولة والحفاظ على هيبتها والعمل على تقويتها إزاء مظاهر ما تزال تعمل على إضعافها والنّيل منها. وقد عملت الدولة من خلال أعلى هرم في السلطة على طمأنة جمهورحركة النهضة ببعث رسائل إيجابيّة في خطابه في اِفتتاح أشغال المؤتمر إنّ الدولة حاضنة للجميع  وأنّ التوجّس منها لم يعد له ما يبرّره لاسيّما  وأنّ مختلف الحساسيات قد اِتفقت على دستور الجمهوريّة الثّانية وما اِنبثق عنه من مؤسّسات كفيلة بإرساء الدولة العادلة والقويّة مع وجود مؤسّسات  رقابيّة  قادرة على رصد التجاوزات و ردّ المظالم

إنّ مصطلح الإسلام السّياسي منتوج غربيّ فرض نفسه في السنوات الأخيرة و بدايته تعود إلى بُعيد اِندلاع الثورة الإيرانيّة سنة 1979 ثمّ أصبح ،بفضل قوّة الإعلام الغربي يطلق على الحركات الإسلاميّة التي تتوسّل بالإسلام للوصول إلى الحكم سواء كان ذلك باُعتماد العنف المقدّس أو الطرق السّلميّة .هو مفهوم ينطبق على لفيف من الحركات و الأحزاب و الجماعات المختلفة في رؤاها ومناهجها و وسائلها و قد عمل الغرب و كذلك الأنظمة الاِستبداديّة و بعض النخب التي تلقّفت المصطلح ،على خلط الأمور بغرض التشويه والإقصاء  واِستهداف بعض التجارب الناجحة نسبيّا. وذلك لتحميل وزر الحركات التكفيريّة المتطرّفة و التي لا تؤمن بالاِختلاف و الحوار حركات أخرى سلميّة في توجّهاتها لا ناقة لها و لا جمل في ما آلت إليه الأوضاع في بعض الدول العربيّة من فوضى و اِحتراب داخلي .إنّ الخلط قائم على جعل الجميع في سلّة واحدة .فالكلّ متّهم حتّى تثبت براءته . أمّا   في الغرب فقد تحوّل المفهوم في السنوات الأخيرة بفعل ما شُحن به من معان سلبيّة إلى إسلاموفوبيا أي إلى سياسة يتمّ من خلالها التخويف من الإسلام و المسلمين و أصبح هذا السلوك اِستراتيجيا تنتهجها الأحزاب اليمينيّة المتطرّفة المعادية للجاليات العربيّة والمسلمة في الغرب  في   حملاتهإ الانتخابيّة  و  صراعاتها السياسية إضافة إلى جمعيات حاقدة   تعمل على طرد اللاجئين و التخويف منهم و ملاحقتهم

لقد أدركت حركة النهضة خطورة مصطلح الإسلام السياسي وحجم ما أصبح يصيبها منه من ضرر يمسّ أطروحاتها ورموزها و رصيدها النضالي فعملت على أن تحصّن نفسها من لوثته الملطّخة بأدران المؤامرة و التلبيس و التعمية.

فلا بد من معيار مجمع عليه يكون حاسما في الفرز و توضيح الصورة، إنها الديمقراطية بما تعنيه من الإعتراف بالآخر و القبول بالاختلاف و التي تقوم على الفصل بين السلط و على التداول السلمي على السلطة. هذه السلطة تكون إفرازا لانتخابات حرة و نزيهة و شفافة تتوفر فيها شروط المنافسة للجميع و على قدم المساواة و تكون نتائجها مقبولة من الجميع، كما ان الديمقراطية تكون ايضا حرية التنظم و حرية التعبير و التفكير و حرية الضمير مع احترام حقوق الانسان و أن تكون الكلمة العليا فيها للقانون مع وجود مجتمع وطني قوي و أجهزة رقابية دستورية تمثل سلطة مضادة و تكون ضمانة للمجتمع إزاء ما قد يصيب الدولة من نزعة للتغول.

هذه المناخات التي تتيحها الديمقراطية هي التي دفعت بحركة النهضة أن تطرح عنها الإسلام السياسي طرح الحية جلدها و أن تطلقه بالثلاث، فما تتيحه الديمقراطية هو ما كانت تبحث عنه الحركة منذ سنة 1981 حين قدمت نفسها على أنها حزب سياسي يريد أن يعمل في العلن و أن تساهم مع بقية شركائها في الوطن على إرساء دعائم الديمقراطية. إنها الآن و بحكم ما بلغته من نضج سياسي لا نعجب أن تتبنى الحركة الإسلام الديمقراطي، إسلام متصالح مع عصره قادر على المساهمة في إغناء القيم الإنسانية بفضل مخزونه التاريخي الثري، إنه إسلام يعلي من قيمة الحرية و يعدها أُسًّا لكل نهضة و تطور.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق