سوريا، الكتابة من الدَّاخل..

رغم أنف كل الحكايات الرومانسية على صفحات الفيسبوك وصفحات الجرائد الإلكترونية التي تتوقع سقوطه في كل لحظة: النظام السوري لا يزال قائما، طليقاً، ويتحرك عضويا باتجاه مصلحة بقاءه كأنه كائن حي مستقل بأجهزة حيوية تدعم توجهه نحو الضوء والغذاء والحماية التي بها سيستمر. وفي الداخل كان النظام أقدر من الأفراد على التأقلم، وبالتحديد  من الأفراد المعارضين له. والأنكى أنهم أصبحوا معارضين بعيدين عنه،. الأرض موزعة بين النظام وكل الآخرون،  والداخل التابع للنظام عاد منطويا تحت عباءة مصطلحاته السابقة  وأمنه الزائف، فعادت أماكن السهر والحياة الهيبية  وبارات المدينة، موسم المسابح ومواسم السيران العائلي في الحدائق العامة المحمية جيداً، جموع المهرولين الرياضيين حول الحدائق الصغيرة تتوسط الشوارع الفرعية للمدينة، والماركات وتنزيلاتها والمطاعم التي كانت مغلقة جددت أسماءها وعادت بموسيقى حية كل إثنين وخميس..  لم يتغير شيئاً في المعركة بالنسبة للتابعين لتياره: هم يمثلون الحق، والآخرون هم أدوات المؤامرة  الشيطانية الكونية. الأماكن التي استمرت بثورتها تتحول –بمباركة دولية- لأنقاض فوق رؤوس ساكنيها، الدم والموت العلني في وقت الهدنة هو الوجه الحقيقي للنظام، وصورة مصدقة لعقود يبرمها النظام العالمي موقع بالدم السوري، والجوع السوري.

لكننا تعرف الحقيقة ونعرف الزيف المجاور لها، نعلم تماما أن الأمان مسرحية خبيثة وأن الجياع الحقيقيين سيتم التخلص منهم وواجهات المدينة تخفي مذابح لأرواح البشر خلفها، بل سيتم تأكيد الشعارات الوهمية التي يختص النظام الأمني السوري بإنتاجها: فالداخلون تحت عباءته هم الأخيار والخارجون هم الإسلاميين المتشددين والكارهين، الأنكى أن تصدق فلول الخارج هذا الكلام فيصبح الداخل موضع شك، والمتشدد موقع احترام بسبب وقوفه في وجه نظام، والطائفة مقياس –كما خطط لها النظام طويلا- والعمالة للخارج مبررة للحصول على الداخل

والمصطلحات التي ارتبكت عند المعارضة ووقعت تحت سحر مصطلحات النظام وغسيل دماغه تحتاج لمقالة أخرى لاحقة. فلنعد لما كنا نقوله: عن الكتابة، من الداخل، من تحت ظل النظام.

أن تكتب من الداخل السوري بموقف معارض  كأنك تتسلل من أمام مخالب أسد غلبه خدر النعاس، بعض الوسن، لتصل حتى الباب الموصود جيداً، وتعود. وحشك المخيف لا يراك أو ربما لا يهتم بك الآن فيكتفي بمراقبتك كقط ملّ ألعابه وفي أية لحظة من الممكن أني ستشعر خطرا تجاهك، أي نوع من الخطر،  فتنتهي حياتك كما تعرفها حتى الآن. لكنا نكتب  نحاول أن نقوم بحراك ما، لنا، لم هذا الفعل الذي يبدو دونكيشوتياً جداً؟؟

توثيق لوجودك الآن وهنا: يمكن للخارج أن ينساك هنا. فتكتب توثيقا لإهانتك وصمتك، والموت اليومي المكرر الذي –على المدى القريب- لن يرمي بك إلى القبر، وإن كنت حريصاً لن يودي بك إلى السجن، بل لانهيارات تبدأ  طفيفة كحالة توتر وقلق، أو نوبات ذعر وذهان، وتتعاظم لتصبح طبعا كالإنفصال عن الواقع والنزق.

صور الموت والجوع ولوحة تمثل قبضان السجن مهم للقضية، ولتحريك الرأي العام ليخجل ويتحرك باتجاه الإنسان.  لكن في القسم الذي يسيطر عليه النظام من الوطن هنا العزلة لا صوت لها، و الخوف لا صورة تمثله تصلح للفيسبوك، أو للشاشات الكبيرة في قاعات وأروقة منظمات العالم المتحد، لا صور للخوف والعزلة والإندياح عن نفسك يمكن أن تصلح كخلفية لصورة أنجلينا جولي. لا ملاجئ للمجانين الذي يحاول الخذلان الإنساني أن يأكل أرواحهم في كل لحظة من الصباح حتى المساء.

لا محاكم تقام لزارعي الخوف  في المحاكم الدولية، كما لزارعي الموت، وكلاهما وجه واحد لعدو واحد.

بتوثيق خوفك وعزلتك تحارب خذلانك الشخصي من نفسك وعجزك وعجز الآخرين واندياحهم عن عالمك. أن تراقب بعيون مفتوحة وفكر حاد عوارض الجنون حولك عسى أن تبطئ من إصابتك به. وشهادة عندما تنهار ويحتلّك الجنون ويتغلب عليك، أنك حاربته بجدية وبكل أسلحتك، وخسرت بشرف.

الساحة الوحيدة لاعتصامك: الأوراق التي نشرتها مراكز البحوث السياسية وتقارير مراكز الدراسات وخرائط مكاتب التحليل الجيوسياسية تحدثت كلها أن لا وجود حقيقي على الأرض لمناطق حراك مدني أو تواجد مدني إنساني غير طارئ ( أي تابع لأرض المعركة كفرق المساعدات والإنقاذ والإعلام.) خريطة سوريا الآن ملونة تحدد مناطق داعش، والنصرة، والمسلحين من الإسلاميين المتشددين ومسلحي الإسلام المعتدل، مناطق سيطرة النظام، ونقاط متنازع عليها، جبهات مسلحة تتناطح ومدنيون مرسومون وملونون بالغبار والركام مناسبون لصور ستعرضها شاشات أخبار العالم وتكتب قبلها: إنتباه، صور غير ملائمة لذوي المشاعر الحساسة!

حقيقة سنتفق عليها: النساء والحالمون والمجانين البكاؤون ضد السلاح، المبشرون بالإنسانية القادمة واللامنتمون لثوابت الحرب لن تقبل بهم أي أرض معركة، لا مكان لهم على الأرض ، ولا تمثيل سياسي… لم يجتمع المدنيون حتى اليوم لنكون تعريفا خاصاً بنا، حركةً، صوتاً، لا يتبع لـ(ضد)  النظام، أو لـ(مع) ما تقوله الأمم المتحدة وجمعيات حقوق الإنسان عنك.

أن تكتب هو صوتك الفردي، حكايتك الفردية التي تشبه الكثير من حكايا الفرديين حولك من المعارضين: وحيدين ومعزولين وإن تكلمنا مع بعضنا نهارا (همسا وبقلق) تجتاحنا كوابيس ليلاً. نعلم أننا لو في حراكنا الثوري استطعنا الوصول لأي ساحة لتمكنا من صنع حركة إعلامية أكبر، ونذكر أن النظام علم بهذا أيضا، خصوصا في دمشق، فاستمات واستقتل ان لا نصل لساحة، ولا نجتمع بشكل دائرة على أية زاوية واسعة بين شارعين رئيسيين.

فكتابتك هي صوتك، ساحتك الوحيدة، واعتصامك.

لكن كما تلح عليك الحدوتة أن تروى أو الفكرة أن تقال قبل أن تفسد وتتحول سامة، تلح عليك ضرورة الاسم المستعار المناسب لهوسك بالخوف الكافكاوي. الكتابة من الأرض، ضد ما تراه لا إنسانيا، باسم مستعار ، على الأغلب لن يؤثر ما تقوله بمقولات الخارج الذي لا تحركه سوى صور الدم المسفوح.

بالمختصر:  هذه الساحة البيضاء المبجلة للورقة: كمن يعتصم داخل حمام منزله!

حافظ على توازنك: حافظ على الأقل على إثنين من ثلاثة يشكلونك: أنا الذي يعيش اليومي، والكاتب في الأثير فوق رأسك يوثق ما تعيشه الأنا اليومية ( بل ويدفعك أحيانا للعيش في أماكن غريبة ولا منطقية ليستطيع هو أن يكتب ويوثق ما يرتد منك وعليك) والآخر في الخارج الذي سيقرؤك، يراك ويسمعك؛ الجمهور الذي يرى ألمك على الخشبة، ويتفاعل مع ذهانك في اللوحة، ويشاركك بالنزق والسخرية بنصك المغلق. وكله للوصول لحالة واحدة هي التعاطف والتوحد. عكسها حالة العزلة.

العزلة والإحباط التي بات يملكها الـ(أنا) تشكل ملامح لا بطولية، بل مخجلة ومتهتكة. الكاتب البطل يعبر بنا إلى المكان البعيد عن تهتكنا وملامح خذلاننا ويكسر العزلة المحيطة بنا ليصلنا بالآخر، نقدم له عرضاً لـ( الأنا) الرمادي المهزوم.

حلقة مغلقة: تكتب عنك ليمنحك المتفرج على انكسارك الأمل، الأمل الذي سيجعلك تستمر بالكتابة فتعيد الأمل لحياتك .. وهكذا.

… استمر: بين الصور المخزية لدمك ووجوه تحمل كلها ملامحك، والمؤتمرات التي تعقد باسمك ولأجلك، الأوراق التي تتحدث عنك: ضحية محتملة في أية لحظة، رقم إنساني في وثيقة ما تتحدث عن فاجعة، والخوف الذي يهددك به الداخل والنسيان الذي يهددك به الخارج، تحاول أن تكون، أن تعود اسماً: أنا الذي سأكتب عني.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This