قواعد التديّن العاقل (6)

القاعدة السادسة: مباشرة بعد فتح مكة انتهت مشروعية الفتوحات والغزوات والقتال الديني..

التحليل: كثيراً ما نجد أنفسنا في مواجهة أسئلة متعلقة بالموقف ممَّا يُسمى في التاريخ العربي الإسلامي بالفتوحات الإسلامية، هل كانت تلك الفتوحات واجباً دينياً، أم محض اجتهاد دنيوي، أم مجرّد جموح إمبراطوري تبنّاه سادة قريش وتزعّمه قادة بني أمية بادئ الأمر؟ فرضيتنا في الموضوع -ولعلها فرضية آخرين غيرنا لكننا نعرضها بشيء من الجدّة في الاستدلال كما نظن- هي كالتالي : الأفق الأخير للفتوحات والغزوات بمعناها القرآني هو حسم موضوع السيطرة على مكة حصراً وتحديداً. لذلك، مباشرة بعد فتح مكة، نزلت الآية الكريمة ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) المائدة 3. ورغم استمرار بعض المناوشات في حدود منطقة مكة وما حولها، لم تنزل أي آية تحرض المؤمنين على القتال أو الجهاد. وهذا معطى بالغ الأهمية. فقد تحقق القصد واكتمل المراد. وما المراد؟ المراد هو الغاية المذكورة في الخطاب القرآني والتي حددت مرامي الدعوة المحمدية في عبارة ( لتنذر أم القرى ومن حولها ) الأنعام 92، والشورى 7. لهذا السبب، كانت إستراتيجية الخطاب القرآني متجانسة حين نسخت كل الوظائف القتالية والجهادية بسورة النصر : ( إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا ). هذه السورة القصيرة التي نزلت بعد فتح مكة تؤكد ثلاثة أمور أساسية : أولا، لقد تحقّق نصر الله تحققًا كاملاً بعد سيطرة الإسلام على البيت العتيق، ولم يعد هناك من هدف قتالي آخر يُرجى؛ ثانيا، إن المهام الجهادية والقتالية للرسول قد انتهت، ولم يبق أمام محمد (ص) سوى أن يسبح لله ويستغفره، بمعنى أن يطلب الثواب والمغفرة عن الأخطاء المرتبطة بظروف الصراع للسيطرة على الكعبة؛ ثالثا، وردت كلمة الفتح بألف ولام التعريف، من دون ربطها بظرف المكان، ما يعني أن الأمر يتعلق بالحدث الأكبر والأكمل والأشمل في تاريخ الإسلام. وهذا ما يتناغم أيضًا مع مضامين خطبة الوداع من أولها إلى آخرها. لذلك لن نتردد في تأكيد ما يلي : انسجاما مع إستراتيجية الخطاب القرآني كان المرجح ألا يبدأ المسلمون تأريخهم بالهجرة كما فعلوا، وإنما بالفتح، فتح مكة، وكان المرجح أيضا أن يتم تقسيم النص القرآني –إن كان لا بد من التقسيم- ليس إلى قرآن مكي ( ما قبل الهجرة ) وقرآن مدني ( ما بعد الهجرة )، وهو التقسيم الذي لا يستقيم مع الحقائق الأكثر بداهة كما سنرى، وإنما إلى قرآن ما قبل الفتح، وقرآن ما بعد الفتح. وقبل أن نبين بأن هذا التقسيم هو الأنسب، دعنا نبسط فرضية إضافية : لقد قصد قادة بني أمية إزاحة واقعة فتح مكة عن محوريتها في ترتيب النص القرآني وفي التأريخ الإسلامي وذلك لسببين إثنين : أولهما أن فتح مكة كان هزيمة لهم بالأساس –مع أن الرسول حفظ لهم كبرياءهم- وثانيهما أنهم قصدوا كذلك تحويل الأنظار من فتح مكة إلى الفتوحات التي سيعتبرونها الأهم والتي قادت إلى بناء الإمبراطورية الإسلامية.

إن تقسيم القرآن بنحو جزافي إلى قرآن مكي وقرآن مدني، لا يستقيم في حده الأدنى مع بداهة الواقع القرآني عينه. ذلك أن معظم السور نزلت بنحو متفرق، أجزاء في مكة، وأجزاء في المدينة، وأجزاء في المرحلة المكية الثانية، وأجزاء في الطريق بين مكة والمدينة، وأجزاء في مكان آخر، إلخ، بحيث ليس واضحا كيف تم حشر كل سور سورة في إحدى الخانتين مكي/ مدني !؟ فضلاً عن ذلك فإن تقسيم القرآن إلى مكي ومدني قد حول مركز الثقل إلى آيات الهجرة، والتي جاءت موسومة بأجواء التجييش القتالي لغاية حسم موضوع السيطرة على مكة. لقد كانت المرحلة القتالية ( المرحلة الممتدة بين الهجرة والفتح ) مرحلة انتقالية في حياة الرسول وتاريخ الدعوة، استغرقت حوالي ثماني سنوات، إلا أن انتقال مركز الثقل القرآني إليها قد حولها من مرحلة انتقالية إلى إستراتيجية دائمة في الفكر الديني الإسلامي. ومن ثمة ستبدو أحكام مرحلة الهجرة هي الأحكام النهائية الناسخة لأحكام ما قبل الهجرة. إن استعادة محورية مرحلة الفتح ( المرحلة المكية الثانية )، وهي المرحلة التي لم تنزل فيها أي آية من آيات السيف والقتال كما قلنا، ستضعنا أمام فرضية أكثر انسجاما مع إستراتيجية الخطاب القرآني : أحكام قرآن الفتح ناسخة لأحكام قرآن الهجرة، تماما مثلما نفهم بالبداهة بأن أحكام الآيات التي تحرض المسلمين على الهجرة إلى المدينة قد نُسخت وأُلغيت مباشرة بعد أن تحقق للمسلمين حلم العودة الميمونة إلى أم القرى. إنها البداهة التي يجب استرجاعها لغاية فهم الكثير من التفاصيل.

الاستنتاج: إن كان الإسلام قد انتشر في بعض الدول بفعل العنف، كما حدث في المغرب وإيران وأفغانستان مثلا، وربما انتشر بنحو سلمي في دول أخرى مثل السنغال وأندونيسيا -لا ننكر هذا- إلاّ أن منح الغطاء الديني للفتوحات كان خطيئة دينية أخرجت ديننا الحنيف من دائرة الرّحمة وأدخلته دائرة العنف الأممي المستشري اليوم في سياق ما يُصطلح عليه بالإرهاب المعولم. وهذا -كل هذا- في تناقض صارخ مع الإستراتيجية الأصلية للخطاب القرآني : إن الأفق الوحيد للقتال الديني بمختلف أشكاله ( الفتوحات، الغزوات، الجهاد، الأسر، السبي، القتل، الغنيمة، الجزية، إلخ ) هو السيطرة على منطقة مكة المكرمة، إنه الأفق الأخير، ولا أفق آخر بعده.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق