جمالية معالجة الجميل عند كانط

في سياق نقد كانط للعقل، وفي ثنايا نقد العقل المحض تحديدا كانط تطفو بين الحين و الآخر مشكلات الحساسية و الذوق والتأمل والأحكام المتعلقة بها، إلا انه لم يتوقف طويلا عندها الامر الذي كرس له في ما بعد كتابه الموسوم بنقد الحاكمة الصادر سنة 1790 وهو مؤلفه الرئيس في الجماليات.

يقوم نقد ملكة الحكم تأريخيا بعد نقد العقل الخالص و نقد العقل العملي كما انه يمثل في المضمون الضلع الثالث الذي يستكمل مثلث المذهب الكانطي في المعرفة و الأخلاق و الوجدان أو هي كما يقول كانط في مقدمة نقد ملكة الحكم محاولة للتركيب بين العقل و الفهم وبمعنى أدق هو تركيب بين الميدان الحسي لمفهوم الطبيعة وميدان مفهوم الحرية أي ما فوق الحس وإذا كان ذلك هو الموقع الداخلي لنقد ملكة الحكم يغدو من الصعوبة بمكان قبول فرضية بعض من يعتقد أن صدور نقد ملكة الحكم لكانط كان مفاجأة غير متوقعة لقراء نقد العقل الخالص و نقد العقل العملي

فما هو دور نقد الحكم الجمالي بين النقدين الأول و الثاني؟

شكل الأول أول أعمال كانط وهو في جوهره محاولة جذرية للدفاع عن العقل و المعرفة بالاستناد إلى ميتافزيقا أفلاطونية كما شكل أيضا ردا على الشكوك العميقة التي أثارها التجريبيون الانجليز و الفرنسيون منذ اوسط القرن 17 و لتصل ذروتها مع ديفيد هيوم و الذي إن قبلنا نتائجه يقول كانط لكان علينا اعتبار كل ما ندعوه ميتافيزيقا وهما . وهكذا كان الهدف الحقيقي من النقد الأول هو البحث عن إطار يتجاوز حدود التجربة .

أما النقد الثاني (العملي ) فكانت غايته ميتافزيقا الأخلاق حيث يحاول كانط بيان كيف يكون في الإمكان قيام أخلاق أي نظام من القوانين الحرة و المتمايزة عن القوانين الطبيعية. وهكذا إذا كانت الميتافزيقا النظرية تعبر عما هو كائن فإن الميتافزيقا العملية تعبر عما يجب أن يكون أي الأخلاق.

وبين ميدان الحرية و الأخلاق وميدان العلم والطبيعة يقع نقد كانط الثالث “نقد ملكة الحكم” الذي سيشكل الخاتمة الزمانية والمنطقية للنقدين الأولين بردمه الهوة القائمة بين حال الطبيعة وحال الأخلاق يقول كانط:” ان تلقائية اللعب في الملكات الفكرية،ذلك الانسجام الذي هو اساس المتعة يجعل من غائية الطبيعة بمثابة الخيط الموصل بين ميدان الطبيعة وميدان الحرية.” وهكذا فالحكم الكلي والضروري كما سنرى لاحقا هو الذي يصل بين الطبيعة و الحرية وبين الفزيقا و المتافزيقا ، او بمعنى اخر إن النظام الكانطي- على الاقل النقدي – لا يستكمل الا بهذه الصلة الذوقية .

يشتمل نقد ملكة الحكم على مبحثين (نقد الحكم الجمالي) و( نقد الحكم الغائي)، كما ينطلق من أن لا علم للجميل بل هناك نقد له كما يقول كانط. ومادام انه لا علم للجميل بل أكثر من ذلك يرى كانط إمكانية قيام علم جمال حقيقي أمر مستحيل، فإن ملكة الحكم ستظل “مبدأ موجها” أو هي بمفاهيم كانطية ” ملكة تفكير” . ومنه يصبح الحكم الجمالي هو: ما نطلقه على ذلك الانسجام الذي نجده بين المخيلة و الفهم entendement  في التقاط صورة الموضوع، أي في الانسجام الذي يحدث بين الجزئيات وملكات الذهن وهو ما نسميه بالمتعة و الرضي. أما تجاوز هذا الضرب من الانسجام الذاتي إلى نسق آخر من الانسجام الموضوعي بين أجزاء الموضوع، كالحكم على أجزاء زهرة وظائفها، فإن حكمنا سيكون إذ ذاك حكما غائيا. هذه هي الخطوة الأولى التي تمهد لقيام تحديد صحيح لمفهوم الجميل. فما هو هذا الأخير إذن؟

لقد اهتم كانط في مسألة ماهية الجميل بصياغة مفهوم خاص له يسمح بتمييزه على نحو واضح من المفاهيم الأخرى الأخلاقية والعقلية ، ولكي يكون ذلك ممكنا فقد فرض على حكم الذوق في ادراك الجميل أربعة شروط تشكل صلب نظريته :

على مستوى الكيف: يبدو الحكم الجمالي حكما حياديا منزها تماما عن كل غرض او منفعة او خير ، مما يجعله ضدا على الحسيين التجريبين (الألم واللذة) والنفعيين (النافع) وكذلك ضد ربط الجمال بمفهوم الخير، والمنفعة الأخلاقية .إن الحكم على الأشياء بالجمال لا يقتضي مفهوما محددا ، فالأزهار وتشابك الأغصان مثلا أمر ممتع وجميل رغم انه لا ينطوي على أي تصميم أو معنى و لا يستند على مفهوم محدد.

إن الحكم الجمالي إذن هو ملكة الحكم بالارتياح أو الرضا ، بل أكثر من ذلك فان الذوق عند كانط هو ملكة تقييم الموضوع بمعزل عن كل غرض أو غاية. إن حيادية الحكم الجمالي هو في حجر الزاوية في نظرية كانط الجمالية.

على مستوى الكم: حسب تحديد كانط هو أن يكون الجميل موضوع رضى كلي وبمعزل عن المفاهيم ، فالجميل هو ما يرضي الجميع، وهو ليس جميلا لأنه ممتع ، بل ممتع لأنه جميل، أي الحكم الجمالي يسبق المتعة ومادام كذلك فإنه بالضرورة كلي ومعزول عن المفاهيم.

على مستوى الإضافة: حاول كانط تمييز الحكم الجمالي أو حكم الذوق عن الأحكام المنطقية العلمية. فإذا كانت من هذا النوع تتبع الموضوع مباشرة أو بالتوسط فان  الأحكام الجمالية نتاج انسجام أو توحد بين المخيلة و الفهم دون تدخل المفهوم.

على مستوى الجهة : يشكل هذا الشرط في الحكم الجمالي ذلك الذي يجري التقاطه موضوعيا للسرور و الارتياح على نحو ضروري، هذه السمة في الحكم الجمالي هي التي تجعل الإنسان يحكم على أمر بالجمال مفترضا أن الكل يشترك معه في هذا التقييم وهنا نلاحظ نوع من التشابه بين الحكم الأخلاقي و الحكم الجمالي غير أن كلية القانون الأخلاقي مطلقة و لا حدود لها بينما كلية الحكم الجمالي ذاتية ومشروطة، ومشروطة هنا لها معنى خاص حسب كانط ، حتمية ليست موضوعية نظرية – كالقول انه مدرك سلفا- أو حتمية علمية بل هي حتمية تحتفظ بالطابع الفردي الذاتي للحكم الجمالي، بمعنى حتمية نموذجية أي كنموذج يحتذى به.

إذا كانت هذه هي الشروط التي اعتمدها كانط في تحديده للجميل فانه يواجه مشكل إدخال الحكم الجمالي ضمن نظرية المعرفة . فهل حينما نحكم على موضوع ما من الناحية الجمالية فهل هناك حضور للمعرفة؟ و إن لم يكن هناك حضور للمعرفة في مسألة الذوق لديه فما هو مبرره في وضع نظرية الحكم الجمالي ضمن نظرية المعرفة؟

إن نظرية المعرفة هي نظرية الشروط العامة و الكونية للمعرفة ، لكن مسألة الذوق هي مسألة سكولوجية لانها ليست مسألة متفق حولها بشكل عام، بل هي مشكلة فرد الشيء الذي جعل كانط يقوم بتحويل هذه المفاهيم المرتبطة بالفرد(ذوق – إحساس) لأنها مختلفة من شخص إلى آخر، وردها إلى مجال انتروبولوجي-كوني ،فكانط يحاول تحرير التجربة الجمالية من الفردية وادخالها عالم الكونية، ولكن هذا يشكل في نفس الوقت افراغ التجربة من محتواها الفردي بنوع من التعسف الذي نجد كانط يبرره بمسألة الكونية والاجابة على سؤال ما الاإنسان؟

لا يوجد الفرد في فلسفة كانط لانها فلسفة ترنسندنتالية تهتم بالمحتوى الصوري المنطقي، إذن كانط غامر بإدخال الحكم الجمالي ضمن نظرية المعرفة . فما الذي يميز الحكم الجمالي عن الأحكام الأخرى؟

إن أي حكم حكم  يستوجب وجود ذات وموضوع لكن حينما يأتي الحكم الجمالي لا توجد ذات من جهة و موضوع من جهة أخرى حيت إن الموضوع الجمالي نجد جماليته مرتبطة بالذات التي تصدر صفة الجميل عليه، ومنه فمغالاة كانط في ذاتية جعلت من الحكم الجمالي حكما غير موضوعيا، بل ذاتيا صرفا. وبما ان الحكم صادر عن الذات وإلى الذات انهارت كلمة حكم.

إن الجمال لا يمكن ان يدخل فيه العقل وحده لان كانط يرى أن الحكم الجمالي ناتج عن “لعب حر ” بين المخيلة و الذهن فكيف يمكن فهم هذا اللعب عند فيلسوف العقل؟

انه تحدث عن اللعب ليس بين ملكات العقل (مفاهيم عقلية – مقولات…) ولكنه تحدث عن اللعب الحر بين الخيال و الفهم . فما هو الخيال؟

لقد استعمل كانط مفهوم الخيال بمعنى متعالي لا تجريبي، فلكي ينتقل من الحساسية إلى الفهم ادخل الخيال الذي يشكل الصورة في حد ذاتها التي لا يمكن ان نحكم عليها بل ما يمكن الحكم عليه هو مضمون الصورة.

إن كانط وظف لفظ “اللعب” للتخفيف من وطأة عودته للمتافزيقا ، فالحكم الجمالي مبني على اللعب الحر المحمول في الذات الإنسانية، وكما هو معروف فالذات فاعلة في الفلسفة الكانطية وحينما يكون الحكم الجمالي مؤسس على اللعب الحر بين المخيلة و الفهم فإن هذا لا يعني أن العقل يلاعب الخيال أوان الذات الإنسانية تقوم بتركيب بين العقل و الخيال بل يعني أن اللعب الحر المحمول في الذات كما أشرنا و التي ليست فاعلة إلا في فلسفة كانط و تحديدا في المعرفة والاخلاق حيت تصدر الحكم ، اما في مجال الجماليات يمكننا القول أن الذات في مسألة الجميل لا تملك ناصية القول. وعليه فعملية تحليل الجميل أصبحت صعبة إن لم نقل مستحيلة.

جعل كانط ملكة الحكم الجمالي ضمن نظرية المعرفة لكي يقوم بتحليل الجميل علما أن هذا الأخير يدخل ضمن تحليلات الذوق و الشعور ، يقول كانط: ” تحليلات الجمال لا يقصد بها تحليلات الشعور الجمالي بل انها تحليلات الحكم الجمالي.” وهذا يعني أن كانط لا يتطرق إلى تحليلات الجميل من مستوى الشعور الذاتي بل من مفاهيم عقلية، أي تحول الشعور الجمالي إلى أن أصبح حكما . فالنقد حسب كانط لا يتم إلا على مستوى العقل أي حين تكتمل التجربة الفنية أنذاك يمكن أن نتحدث عنها. لكن السؤال الذي واجهه كانط هو الآتي: هل التجربة الفنية تكتمل؟

بالنسبة له فقد جعلها تكتمل لكي تصبح موضوع تحليل عقلاني ، في حين انه انتقد الموضوعات الميتافزيقية لأنها لا تنتهي (نفس – الله ..) ومن هنا نستشف أن كانط أجرى تعديلات جوهرية على مفاهيم الشعور الجمالي والتجربة الجمالية والجميل من أجل إدخالهم إلى نسق العقل ليصبح هذا الأخير قادرا على إصدار الأحكام على الموضوعات الجمالية. إن هذا التعديل كان ضروريا لكي تصبح تحليلات كانط ترنسندنتالية (متعالية ) تمارس من موقع لا تجريبي الحكم على الاشياء.لكن هل الحكم على الأشياء من خارجها أمر مشروع؟ أو بصيغة أدق ما مشروعية الحكم الجمالي بعد التعديلات التي أجراها كانط؟

إن الموضوع الجمالي ينتمي إلى باقي الموضوعات داخل العالم لكن الحكم الجمالي بلباسه الكانطي لا ينتمي إليها (الموضوعات) لأنه لا يوجد في الشيء الجميل فلا يكفي وجود الشيء لتكون هناك تجربة جمالية فهذه الأخيرة ليس منطلقها الموضوع الجمالي بل الذات إزاء موضوع الجمال. والذات هنا تتخذ عدة أشكال، ذات منغمسة في الأشياء (امبريقية = تجريبية) وذات خارجة عن الأشياء (ترسندنتالية = كونية ) فالأولى غير صالحة لتأسيس الحكم الجمالي، أما الثانية فهي كونية تصلح لتأسيسه حسب كانط . ان هذا التجزيء للذات يجعل وحدة الانسان مهددة لان فلسفة كانط تنشد الكونية.

لقد حاول كانط في تحليله للجميل تخليص دلالة الجميل من كل ما هو جسدي حسي، لأنه كان يعلم أن مسألة الذوق غير مرتبطة بالذات، بل هي مشكلة فرد، وهذا الأخير لا يوجد في فلسفة كانط. لذلك عمل على تحويل المفاهيم السيكولوجية الفردية وإعطائها دلالة كونية معممة ينتقل من خلالها الحكم الجمالي من الشعور الفردي إلى مستوى الحكم. أي إدراج مسألة الجميل ضمن نظرية المعرفة بالقوة لان الذات لا تملك ناصية القول في مسألة الذوق أو الجميل الذي يختلف من إنسان إلى آخر حسب المعطيات النفسية و الاجتماعية ، لذلك تبقى التوافقية على مستوى الذوق الجمالي أفقا للتفكير الفلسفي من خلال إنقاذ كانط من التذبذبات التي عرفتها فلسفته عندما تعلق الأمر بمسألة الجميل.وربما هذا ما حاول هبرماس التفكير فيه عندما اعتبر الاختلاف الحاصل حول الذوق اتفاقا مغلقا رهين بتواصل ممكن.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق