التَّسويق من خلال مجزرة: حلب تحترق!!

أمضى الحلبيون آخر أسبوعين من الشهر الرابع 2016 كتلةً بشرية واحدة هائلة تنظر إلى السماء، وتترقب البراميل والقذائف في ذهول وشرود، بعد أن طاح منها كل معنى، وضلت عندها كل غاية، بدءاً من غاية الحياة، وانتهاءً بمعنى الموت.

أما من كان خارج حلب ممن هم على معرفة بها، وتفاعل معها فقد عاشوا أسبوعين من الترقب والانتظار للأخبار الأكثر ألماً وفجيعة، ومن الأرق الممزوج بالكوابيس، وصاحب ذلك مناشدات للتبرع لإيصال المساعدات للمنكوبين، ودعوات إطلاق حملات لتنبيه الرأي العام العالمي لما يحدث، علّه يكبح جماح النظام وحلفائه الكيماويين الفوسفوريين، من قبيل حملات هاشتاغ (حلب تحترق)، و(الأسد يحرق حلب)، وحملات لصق الملصقات التي تشير إلى هذه المحرقة المهولة التي فاقت كل تصوّر وتصوير، وحملات الدعوة للوقوف أمام السفارات السورية والروسية والإيرانية والأمريكية، باعتبارهم شركاء في سفح الدم السوري، كقصاب يمارس عمله اليومي الاعتيادي في المسلخ بلا مؤاخذة ولا تأنيب ضمير!

ورغم كل ذلك رأينا فئة من البشر يدّعون محبّة حلب، والحرقة عليها، ولكنهم يصرّون على تشتيت النظر عن حلب، وصرفه عنها، وعن مرتكبي المجزرة فيها بحجة تأييدها ونصرتها!!  من خلال دسِّ رسائل معيّنة وتسويقها في معمعان ذكر حلب، مع العلم أنها لا تمتّ بصلة للمجزرة لا من قريب ولا من بعيد، وكأنهم في مهمة منوطة بهم تدفعهم لإلهاء المتلقي، وجعله (يغمس خارج الصحن) بحسب التعبير الشكسبيري.

ففي أحد منشورات الفيس بوك نجد صورة بيت مهدّم للتوِّ في مدينة حلب، ومسعفين يتحدَّون الأهوال لإخراج سيدة من تحت الأنقاض، ودخان قصف ودماراً ورماداً، ونقرأ التعليق التالي: (انظر يا أخي!! تحافظ على الحجاب وقت القصف، وبنات المسلمين كاسيات عاريات)!!

يحصل هذا المنشور على أكثر من 500 إعجاب، مما يشير إلى أنه حقق غايته على خير ما يرام، فمن خلال المجزرة المستفظعة يتم تسويق (الحجاب) من جهة، واتهام السافرات من جهة أخرى، وحرف المتلقي عن الموضوع الأساسي الذي يفترض في المنشور أنه سيق إليه أصالةً: (حلب تحترق) من جهة ثالثة! وفي هذا المنشور لا نجد أمامنا سوى شخص ساخر مستهزئ، ظاهره مسوِّق للحجاب، وباطنه مستهزء به، وبحلب وبضحاياها وبذويهم، يكتب ما يكتب، ثم يجلس في ركنه يتسهسك على المتلقين الذين يتم توجيههم وحرفهم والميل بهم ذات اليمين وذات الشمال، وتنطيطهم كأنهم كرات في يد البهلوان!

أو شخص لا يتوفر على أدنى شفافة من الفطنة والدراية حتى يختار أتعس مكان وألزَّ بقعة! بقعة تضج بالغبار اللزج بالدماء، وتزدحم فيها الأرواح الصاعدة إلى السماء، ليسوِّق من خلالها فكرته ودعوته، في خرق أحمق لسلم أولويات الدين، ولدرجات مقاصده!

أو شخص خبيث المأخذ، سيء الطوية، وما يبدو للقارئ والمتلقي من كلامه عادياً وبرئياً هو خلاف ذلك، لأنه يشتِّت المشهد، ويزيغ نظرَ المشاهد عن البؤرة الحقيقية، لصالح المجرم المعتدي، من خلال هندسة الإضاءة، فيسلط الضوء على فكرة جانبية لا علاقة لها بالموضوع من قريب أو من بعيد، ويسرق الأنظار إليها، فإذا هذه الفكرة هي الموضوع كله! وهذا ما يذكرنا بكتاب مالك بن نبي (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة) حيث أسهب في شرح كيف أن صورة الشيء تتغير حسب الأضواء التي تسلط عليه، فيختلف المشهد كله، ويتغيّر معناه بمجمله.

وعلى هذه الوتيرة تداول كثير من الناس، في نفس هذه الفترة، رسالة على الواتس من السعودية، ثم عُمِّمت في الفيس، وهذا نصها:

(لما عظُم أمرُ المأمون واشتد إيذاؤه للإمام أحمد بن حنبل بطول الحبس وشدة القيد جثى الإمام أحمد على ركبتيه، ورمق بطرفه إلى السماء وقال: “سيدي غرَّ حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن كان القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤونته”، فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل!!!

فـهل من جاثٍ على ركبتيه،حلالٌ لقمتُه، هاطلةٌ دمعتُه، يرمقُ السماء ببصره، ويقول مقولة الإمام أحمد: “سيدي غر حلمك هذا الكافر الفاجر بشار الأسد وزبانيته حتى تجرَّأوا على المسلمين بالظلم والقتل”؟! فإن حاجتنا والله للركب الجاثية والأعين الباكية لا تقل عن حاجتنا للخطط المُحكمة والأسلحة والجموع المجاهدة!!

اللهم دعوة مستجابة كدعوة الإمام، تُريحُ بها البلاد والعباد، من بشار وشبيحته وأنصاره الرافضة الكفرة القتلة، وأذنابهم في كل مكان).

فبينما كنّا نسمع النُّذر من كل جهة تصرخ وتعوي، ونرى الشظايا من البشر والحجر قد ملأت الأرجاء والأجواء كان أخونا الشيخ السعودي الحزين على حلب وعلى أهل حلب في الوقت نفسه واعياً ليسوِّق الإمام أحمد بن حنبل بكامل التلطف، ويقظاً ليصفّي حساباً تاريخياً مذهبياً مع المعتزلة والشيعة بكامل الاحتيال!

ولكن كم في هذا التسويق من استخفاف بالدماء والأرواح! وكم في هذه المقارنات من عيث وعبث! فأين وجه المعادلة ما بين الإمام أحمد بن حنبل وبين حلب! وما بين المأمون وبين بشار الأسد؟ ما وجه المقاربة بين محنة فرد تجلت في حبسه وضربه بالسياط وبين محنة شعب قوامه مئات الآلاف يتعرض لجريمة محق ومحو وإبادة؟ وهل يجوز وضع المأمون في سياق واحد مع بشار الأسد؟ هل نحن في حاجة لتبيان هذا التهتك الذي يشتت المشهد أيضاً، ويبعثره بطريقة مثيرة للشجن والاستغراب!

على أن الطامة الكبرى هي ما يبثه هذا النص من تسويق خفي لما هو أشنع وأفظع من كل ما سبق, إذ يسوّغ الاعتداء على الناس، ويسكت عن تحطيم حريتهم وكرامتهم الإنسانية إذا خالفوا الاعتقاد الصحيح الصائب، وهو يقدّم ذلك بطريقة على غاية من المخاتلة. فهو لم يتوجّه بالدعاء إلى الله كيما يخلّصه من عسف الحاكم الذي يعتدي على حرية الإنسان وحياته من دون قيد أو شرط، فهذا بحدِّ ذاته لا يكفي مسوِّغاً لطلب الخلاص، بل لا بدَّ من ضميمة أخرى هي الأصل، وعليها المعول، ألا وهي صحة الاعتقاد، فالكرامة الإنسانية تبع لها، ومترتبة عليها، ولذلك جاء النص بالصياغة التالية: (فهذا الفاجر تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، فإن كان القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته)! فشرط الانعتاق من ظلم هذا الظالم، وترتيب الخلاص منه هو صحة الاعتقاد (القرآن كلام الله غير مخلوق). أما لو كان هذا الاعتقاد غير صحيح فمفهوم المخالفة في النص يقتضي أن هذا الضرب والقتل مسوّغان ومشروعان، ولن يكون لدينا الحق في المطالبة بوقفهما.

وعلى هذه الجديلة نقف في المحطة الأخيرة من محطات التسويق على حساب المجزرة والمحرقة مع شخصية ومؤسسة. أما الشخصية فشيخ سوري من أشهر مشايخها، وهو يوجّه رسالة مصورة لأهالي حلب المنكوبين، وأما المؤسسة فـ (الأزهر الشريف)، الذي يصدر بياناً يستنكر فيه استهداف المستشفيات والمنازل والأسواق والمدارس والمساجد في حلب.

والناظر لهذه الرسالة ولذلك البيان يرى بكل يسر أنهما معجونان من طينة واحدة، وصادران عن روح واحدة. روح متعبة منهوكة، خائرة حائرة، ولكنها في الوقت نفسه روح متشوِّفة طامعة طامحة لاستخدام المجزرة ترويجاً للنفس وتسويقاً لها. أما فضيلة الشيخ فلم يملك مدةً لرسالته سوى 55 ثانية ليتوجّه فيها لأهالي حلب!! رسالة عَرف فيها القتيل, ولم يَعرف القاتل، وأشار فيها للضحية، ولم ينبس ببنت شفة في الإشارة إلى المجرم، وكأن القذائف التي تمطر حلب هي محض شهب ترسلها السماء!!! وواضح من مدة الرسالة وقلة كلماتها أنها لا يهمها حلب ولا أهل حلب، بل لا تبتغي سوى القول: “إنني ما زلت ههنا”، لكي تُذكِّر المستهلك بوجود صاحبها، باعتباره ماركة تجارية، ولتحافظ على ولاء الجمهور له، فيما يُعرف في مصطلحات علم التسويق بـ Brand Loyalty… ياللبؤس وقلة الحيلة!!

وما ينطبق على هذه الرسالة ينطبق تماماً على بيان الأزهر ذي الأسطر الخمسة التي يستغرق إلقاؤها ربما 52 أو 53 ثانية أيضاً, وسيدشن هذا البيان المرحلة الأخيرة من علم الكلام الإسلامي برؤية ميتافيزيقية جديدة، حيث لن تدل البعرة على البعير، ولن يشير أثر الخطى إلى المسير، وسنرى وسنلمس لأول مرة صنعةً بلا صانع، وجريمة بلا مجرم. مرحى!! مرحى!!

أيتها المجزرة! أيتها المحرقة!

لا تسامحينا، لأننا ما برحنا نقدّم غذاءً تضوى به العقول والأجسام, ونفترش ألسنتنا، فنغرف ونهرف كما نشاء، بهموم خرقاء ورهاء.

إكسترتال ــ ألمانيا

2016/5/11

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق