بيت الوجود الضَّيق وأفقه المسدود

تغيرت صور الجنس وطقوسه كثيراً على مر التاريخ؛ ولكن في كل فعل جنسي حدث أو يحدث تستعاد التصورات الجنسية ذاتها، التي أنتجها التاريخ، في هذه الجماعة أو تلك، في هذا المجتمع أو ذاك. من يحدّق في هذه التصورات سيرى الفجوة الهائلة في المنتصف، فجوة ستنتهي بأن تبتلع الإنسان ما لم يكفَّ عن النظر إليها. إن جميع أزماته تسكن تلك الهوّة. وعلى الرغم من التباينات العميقة في المجتمعات الإنسانية فإن الجنس لم يرافقه حتى الآن وعي يكفي ليخرجه من بئره. وعلى الرغم من أشكاله المتباينة ظاهرياً مازالت تترسب في قعره الثيمات الكبرى لسقوط الكائن ونهوضه. وهذا ما يتبدى في أهم حواضن الجنس (العلاقة الزوجية).

قال كوستي بندلي في كتابه الجنس ومعناه الإنساني، “الزواج هو مكان نمو الحب وتعميقه”. لكن هناك ما يهدد هذا المكان ليجعله عقيماً. إذا نظرنا جيداً سنرى أن السبب الرئيس لتفشي هذا العقم هو اعتبار الزوجين أن الزواج يعطي كلاً منهما حق امتلاك الآخر. هذا الامتلاك المتبادل تضييع متبادل أو نسيان متبادل للجسد وهدر متبادل للذات. لأن الامتلاك سيودي إلى إلغاء كل منهما للأخر ما دام سيملي تنازلاً عن الذات التي هي بيت الوجود. إن مكان نمو الحب وتحقيقه، حسب فهمنا لكوستي بندلي، هو اعتراف الذكورة بالأنوثة التي استلبتها تاريخياً واعتبرتها ملكية خاصة في فضاء تملّكها، ومن دون هذا الاعتراف سيؤسس الزواج على الثيمة العريقة للوجود التاريخي(النزاع)، وسينجم عنها ما هو أشد خطورة: القيد على تفتح الحياة داخل كل منهما.

ما الذي يجعل أيّ زوجين يعتبران أن الزواج يمنحهما حق الامتلاك المتبادل؟ ولماذا تُكرّس الأنفاس الرعوية لنشيد الإنشاد: ” أنا لحبيبي وحبيبي لي”، إذا لم يكن تأكيداً بأن مشكلة الحب الأصلية هي الملكية؟ لماذا يبدأ الزواج بقسم أبدي يجعله قفصاً منذ البداية، وإن كان ذهبياً؟ وفي مجتمعات كمجتمعاتنا محاصرة بتأخرها لماذا ينظر إلى الزواج على أنه شرّ لا بدَّ منه إذا كان لا يحمل ضمناً شعوراً عميقاً بالمصادرة على الحرية؟ ولماذا هو نهاية الرحلة الملكية إليها؟ ثم ألا نلاحظ أن ممكنات الزواج المنفتحة على الحياة  تنعدم في فضاء هذا التصور, خاصةً أن الزواج هو الفضاء الوحيد المعترف به لممارسة الجنس؟ ألا تجعل هذه الصورة من الزواج  غطاءً شرعياً للممارسة الجنس؟ ألن يجعل هذا من الحب الخاسر الوحيد؟ إن أوهام الجنس لدى العزب ستصبح حقائق المتزوج. والحب الذي كان يعاش على أنه حقيقة سيكتشف بعد الزواج على أنه وهم.

إحدى الصور التي تشير إلى التملك في الزواج هي اعتبار أحد الطرفين أو كليهما (الزوج أو الزوجة): أن الشريك هو كل حياته، وليس لحياته أي معنى من دونه، فيكون أي تصور لفقد الآخر أو تهديد بفقده، (أي أن يصبح آخر(ي) مُمتلكاً من الغير)، يصبح التصور أو التهديد تصوراً أو تهديداً بفقدان وجوده نفسه. فيسعى الطرف المُهدَّد إلى تملك هذا الآخر تملكاً لا واعياً يتجلّى في أقصى درجاته في الغيرة. التي هي عدم القدرة على الاعتراف باختلاف الآخر. وهنا نريد أن نقول: ليس هناك غيرة مرضية وأخرى غير مرضية.هذه الثانية تشجع عليها المجتمعات على الأخص المحافظة وتدعمها. فهي واحدة من لبنات تماسك تأخرها وتخلفها، التي تنتج فقدان الثقة، والتي هي رحم الغيرة الذي يغذيه ويزيده نمواً. فإذا كان فقدان الثقة هو العامل التواصلي الأهم فإن الزواج هو نقطة تفاصل الذات والأخر وتفاصل الذات والذات،وبالتالي عدم القدرة على قبول الآخر مختلفاً، أي عدم القدرة على قبوله حراً ومستقلاً أو قبولها حرة ومستقلة. هنا يسقط عنصر مهم في الزواج، هو الاحترام، كما عبر عنه أريك فروم في كتابه “فن الحب”.

الاحترام لا وجود له إذا ما لم يتم الاعتراف باستقلال الآخر، والاستقلال لن يوجد من دون حرية (الحرية وجه الحب الآخر). غُيبت أسطورة ليليت تاريخياً حين شكلت تهديداً لوعي الذكورة بذاتها. مما جعل هذا الوعي، الذي تشكل في فضاء الإقصاء والهيمنة، يدفن وجه ليليت خلف صور الخوف المرعبة. فمن ليليت سيدة المهد، ليليت الكف والعين الحاميتين، إلى الغول والغرغونة، ثم مع استلاب الأنوثة سُجنت المرأة داخل التصورات الذكورية، لا بل أصبحت المرأة تهديداً للمرأة “حواء” نفسها. ليليت قالت للملاك الذي بعثه آدم ليعيدها إلى الجنّة بعد أن هجرتها رافضة الخضوع: قل لآدم لن أعود إليه لأني لا أعترف بحب من دون حرية.  في هذه الإجابة أماطت ليليت اللثام كاملاً عن وجه الجنة الحقيقي (الحب والحرية).

يُنظر إلى الكراهية  على أنها نقيض للحب، وفي هذه النظرة العامة، التي تشكل عيون الجميع، نرى النتائج دون النظر إلى أسبابها، الخوف هو سبب الكراهية، وبالتالي فهو نقيض الحب. نستطيع أن نقبل هذه النتيجة لأننا بصورةٍ أو بأخرى لمسنا جميع أشكالها، لا يمكن لنا أن نحب ما نخشاه، فما نخشاه هو تهديد مباشر لوجودنا، فإذا كانت علاقة الرجل والمرأة قائمة على الخوف، فمن البديهي أن ينغلق كل واحد على توجساته، محروماً من نعمة الاكتشاف، فالمعرفة حب وإذا فقدت هذه الأخرى الحب ستكف عن كونها معرفة، فالخوف هو الوجود وقد انحسر عن معناه، والقاع الذي يتشكل فيه نقص الحياة، وتطفو الثيمات التي تعزز الحاجة وتجعلها تلتبس بالرغبة. وفي معرض تلبية الحاجات ستخوض الإنسانية حروباً طويلة وفارغة من الإخضاع والإذلال، وهذان الأخيران نتيجتان تضافان إلى التملك الذي هو نتيجة مباشرة للشعور بالخوف وصورة مقلوبة للفقد والتهديد، فالتملك الذي أدى إلى الغيرة التي يدعمها مجتمع متأخر كمجتمعنا ستودي في أحد تجلياتها إلى المحاولة المستمرة في الاستحواذ على الآخر و إخضاعه. الإخضاع الإذلال ما إن يمس أحدُهما الحب حتى يستحيل الحب كراهيةً، الكراهية: نفي يضاعف الحضور، ولكنه حضور ضيق يرتكز على تعميم لا تستطيع الذات تخطيه فيصبح الآخر سجناً لن تنعتق منه. العالم داخل جدران الكراهية ضيقٌ والآخر تهديدٌ.

الحب أرض خصبة للتفتح؛ والصداقة التي هي اعتراف وانكشاف على الآخر هي أرض القبول التي تتسع الجميع، من دون الوقوع في فخ الغيرة التي تنتقص الذات وتقفل العلاقة. ترى ما الذي سينتظره الزوجان إذا نظر كل منهما إلى الآخر على أنه وصي لا يعترف بأهليته؟ حتماً سيفرغ الحب من معناه. يشير جاد الكريم الجباعي في كتابه “فخ المساواة” إلى”أن ما من امرأة إلا وتتشكل ذاتها وتبني شخصيتها من شبكة علاقاتها بنساء أخريات ورجال آخرين وكذلك الرجل، وهي شبكة مفتوحة ومرنة قابلة للنمو والتوسع باطراد، ما ينفي وجود ذاتية بلا آخرية. فالذات الفردية أو الجماعية المكتفية بذاتها مجرد وهم أو عناد إن لم تكن مرضاً. وهْمُ الكفاية أو الاكتفاء هو نفسه ما يؤسس التنكر للأخرى أو الآخر وإنكار جدارتهما واستحقاقهما جميع الحقوق التي تتمتع بها الذات أو ترغب في أو تريد أن تتمتع بها”.

أليس الرضا طموح وجودٍ لن يرضى عن نفسه؟ وجود يعيش انقساماً تتجلّى تمظهراته في اغترابه عن المعنى العميق للمتعة،التي يُنظر إليها بعكس ما ينظر إلى الجنس ــــ هي ليست نتيجة له وهو ليس مقدمة لها ــــــ  التصورات الخاطئة تنتج مراراً وتكراراً  شكلاً عاماً مبنياً على تصورات قبلية تختزل الجميع في نموذج نهائي يماثل الجميع. وحين يستنفد الزواج الجنس ستطفو على السطح بقعة الزيت من جديد، فالجنس يتم استغلاله في كل الاتجاهات، هو الاستثمار الناجح، ولا يمكن أن يتعرض للكساد، هو مطلوب دائماً سواء توفر أو لم يتوفر، وما كان لهذا الاستغلال أن ينجح لو لم يعمم نموذج جنسي تلقيني يكرّس ذوقاً محدداً. هذا الذوق سيجعل للجنس صورة يتهافت الجميع على اقتنائها. ثم لن نعثر عليه في منازل الزوجية، الصورة ستفرغ الجنس من معناه وتزيف المتعة.الجنس الذي بحث عن الرضا طويلاً، لم يعثر عليها عبر تاريخه إلّا في لحظات قصيرة، لحظاتٍ خدعتنا لنسلك طريقاً خاطئاً في العثور على أنفسنا. من البداية أخذنا نبحث عن الوجود في الجنس بدل أن نبحث عن الجنس في الوجود، بالتالي أصبح الجنس مقدمة، لا نتيجة، لقد أقصى الوجود الذي يفترض أن يبنيه عندما لم يعد له معنى، بل عندما أصبح اللامعنى معناه الوحيد. كيف فقد الجنس معناه؟ عندما فقد الحب. كيف فقد الحب؟ عندما أصبح تصوراً وتخيلاً. المنازل التي بناها ضيقة وقلّما تتسع.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق