من هي الفرقة النَّاجية في الإسلام؟

يمكن القول بأنها الفرقة التي لا تعتقد اطلاقا انها تشكل فرقة أو طائفة، أو شيئا من هذا القبيل، لها ما يميزها بنوع من المعيار التفاضلي: لغويا، عرقيا، دينيا، مذهبيا…

ولا تحتكم او تسلم بأية معرفة متكونة جاهزة معطاة ولو كانت نصوصا مقدسة، او علمية، بل لها الجرأة في محاورة ومساءلة كل شيء، بالشك والنقد والرفض والتأسيس للتجاوز، مع اعتبار ان كل ما يمكن ان يقف في وجه الشك والتحليل والنقد، وايضا في وجه العقل والخيال والاحتمال والجدل هو بشري قهري قمعي يستند الى قوة السلطة او سلطة القوة او هما معا. كما انها لا تقبل اطلاقا بأن تكون اداة للعنف الرمزي او العسكري ولو كان ذلك من طرف نصوص قيل انها من عند الله. فهي تجعل من أولوية وجودها، الانساني والمعرفي، الاجتماعي الثقافي، ضرورة حسم العلاقة مع إله سيج فعلا بشريا يدعو الى قتل الناس باسم الدين او باسم نشر كلمته بالترغيب صلحا وهو المضمر للدونية والاحتقار او بالعنف عنوة. بمعنى ان الدين الذي يسعى الى نشر نفسه بالقتل والاستعمار، أوبالتمايز والعنصرية والطائفية والاستئثار بالصواب والحق المطلق، هو دين مرتبط، في مصدروجوده نصوصا، وممارسات بحكم سنة العادة الأقدس من المقدس، كل الارتباط بما هو بشري، أي بكلمة واحدة لا علاقة له بقوة مفارقة لعالم الانسان.

وهي التي تعتقد انها جزء متكامل ومتفاعل مع البشرية وتتقاسم معها الصفة الانسانية في عيش الحرية مع الحلم بسيرورة الاكتمال التي لا تعرف حدا ولا نهاية و تجعلها دائما محكومة بتكذيب نفسها باستمرار، وهي تنظربلا تقديس ولا استثناء الى كل ما تحقق وقيل في النصوص الدينية، في التشريع والتنظيم والمسؤوليات والعلاقات والادوار، على انه مجرد محاولات وورشات مفتوحة النهاية وغير صالحة لكل زمان ومكان، خاصة إن ظلت ثابتة مستقرة بحكم الجهل او سبات العقل وعدائه، بما في ذلك القصور والنقص المعرفي والاجتماعي الانساني الذي يمكن ان تتضمنه تلك النصوص الدينية المقدسة بما يمس قيمة وحرية الانسان، أي انسانيته. وان الدين المقدس حقيقة هو الذي يعلي من قدسية التحويل والتعديل والتغيير في نوع من النسخ الذي يجعل الاصل في الواقع الحي، أي في اسباب النزول التي تستلزم تجدد النزول بما يؤكد حقا ان كل ما في الكون في تغير وصنع وخلق جديد. وبما يكذب ايضا الاعتقاد الخاطئ في عبادة الماضي المحدود بظروفه وشروطه التاريخية والاجتماعية والثقافية والدينية.

وهي التي تنتصر لكل القيم الانسانية في الحرية والكرامة والعدالة والمحبة والتسامح والاخوة والرحمة من منطلق المساواة بين الجميع، حيث لا وجودلإنسان كامل وآخر نصف انسان، كما هو الشأن في شهادة المرأة وميراثها، مهما كانت اشكال الاختلاف العرقي واللغوي والقومي والديني والنوعي الاجتماعي، وبكلمة واضحة لاتؤمن اطلاقا بسمو وتعالي  الذكورة وأن هذه الاخيرة ليست الأصل في الانسان، الى جانب انها ترفض بشكل قاطع أبوية المجتمعات في استعباد و قهر النساء، او المس بكرامتهن، واننا جميعا سواسية في الحقوق والواجبات. وأن أي دين يرفض التكيف مع صيرورة اسباب النزول الانساني هو فعل بشري مهما حصن او سيج نفسه بالمقدس الإلهي، فلا شيء يبرر في صيرورة وسيرورة الحياة عبادته للظلم والحيف واللامساواة والعنصرية والطائفية والقتل في حق الانسان.

انها التي تتقبل بصدر رحب وبرغبة جامحة في عيش حرية القيمة الانسانية، في رفض حالات النقص والقصور، إن لم نقل المساوئ التي تتضمنها االاديان والدساتير الوضعية، واضعة نصب عينيها التجدد والتحول والتغير الدائم، مع الجرأة على دفن بآلية النسخ الكثير من الاقوال والافكار والنصوص والنظريات، والاتيان بما هو أحسن منها في كل ما يتعلق بحياة الانسان في علاقته مع نفسه والاخرين والطبيعة…

هي التي تستمد قوتها من ذاتها كمنطق داخلي برهاني في التأسيس للحوار وتفاعل الحجة باعتماد اخلاق التواصل في السعي الى بناء الحقائق المرحلية. تأخذ بمنهجيات التنوع والتعدد والاختلاف وهي تقترب من الاقناع وتبتعد عن الاخضاع الذي يدل على هشاشة المعتقد والاعتقاد وضعف الفكر الذي يبحث عن سنده ودعاماته خارجه باستعمال كل انواع العنف والارهاب في قهر الناس والتسلط عليهم. انها لاتبحث عن أتباع في صورة جماعية عصبية مصابة بهلوسة أنها وحدها تمتلك الحقيقة المطلقة، كما هو الشأن اليوم بين السنة والشيعة، و أنها على صراط مستقيم، وهي تحتكر الايمان وتكفر الناس كما لو كانت تبيع صكوك الغفران.

هي التي ترى ان الايمان الديني الذي ينتصر للانسان اين ما كان هو شأن فردي يتقوى بالاستقلال مهما كانت طبيعة المعتقد واختلفت الشعائر والطقوس. وانه كلما صار الايمان جماعيا تحول الى عصبيات وقطيع متماثل في المظاهر الى حد التنميط، وامتنع عن قبول اعادة النظر وتغيير المنظور والأخذ بالمراجعة والنقد بما يفيد استرداد انسانيته في حريته المفقودة او المغتصبة، أي أن يعيش الردة دون قدح اخلاقي يمس حرية تغيير المعتقد الذي قد يعود بالاضافة والغنى على الجميع على مستوى تعميق الرؤية واتساع الافاق للاستثمار في المجهول بما يفيد الاستشراف المستقبلي كآلية لتشجيع البحث العلمي حتى في ما يسمى مقدس.

هي التي لا تنظر الى الانسان انطلاقا من انتمائه الديني او اللغوي او العرقي… بل تأخذ بمبدأ المواطنة الذي يشمل الجميع، دون القبول بأية استثناءات مهما كانت المبررات، حتى لو كانوا من اللاجئين بشكل اختياري أو من المهجرين ظلما وعدوانا من طرف متسلط داخلي أو محتل أجنبي.

كما أنها لا تخاف من الاصوات الجريئة التي تعلي من شأن الحياة ولا تكترث بما سيقوله الموتى، لان الحاضر لا يخصهم، لهذا لا داعي لتحنيطهم في أعماقنا، بل من الرحمة عليهم أن نقوى على اعلان الحداد ونستعد لدفنهم فمكانهم المقبرة. كما فعلت الكثير من شعوب الارض دون ان ينقص ذلك من قيمة الاشياء الجميلة التي قام بها الاجداد. هذه سنة الحياة لا حقيقة نهائية مطلقة، ولا شيء ثابت او ناجز بصورة لا تقبل الاصلاح أو القطع الجذري، كل شيء في تغير مستمر، وفي سيرورة لا تنتهي…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق