أولاد أحمد بين جنّة المعرّي وجحيم دانتي

كانت أول مرة أستمع فيها مباشرة إلى شعر أولاد أحمد  بدار سيباستيان،  بالحمامات، في بداية التسعينات. لقد استمعت إلى قصيدة، لا أذكر عنوانها، تتحدث عن الموت، عن موته وما بعد موته. وفي نهاية هذا العرض الشيق، اعتبرنا، أنا وبعض الأصدقاء، أن أولاد أحمد، وهو في أواسط الثلاثينات من عمره، كان قد دخل عالم الشعراء الفحول موتى وأحياء وأصبح ينتمي إلي فيلق أبي العلاء، روحا وفلسفة. ولكننا وجدنا، أيضا، في عرضه إيقاعا وموسيقى لا علاقة لهما بالماضي. فالشاعر، مثل صديقه محمود درويش، دخل طور إعادة بناء القصيدة على نحو حداثي جريء.

ولما رجعت إلى فرنسا كنت متأكدا أن وعدا كبيرا جاء من الثمانينات قد تحقق. فبدأت أقرأ بعض قصائد الشاعرين على الطلبة والتلاميذ، ثم تراكيبهما الدقيقة أثناء تدريس نحو الجمل وخاصة الشرطية منها. فكأنني تنبّأت بأن أولاد أحمد سيؤلّف مجموعة تحمل عنوان قصيدة بنيت على الاحتمال وعلى الحداثة إلى ابعد الحدود.

ومرّ حوالي عقدين والتقيت أولاد أحمد حاملا ترجمة بالفرنسية لمجموعة “حالات الطريق”التي” تنبّأتها”. كان ذلك في الخامس عشر من شهر أكتوبر 2014 وكان اللقاء، الذي مكّنني منه مثقّف اسمه نبيل، شيّقا ومفعما بالإعجاب والسعادة والرغبة في الحديث مع الشاعر. اقترحت عليه ترجمة “الريح آتية” فقبل شرط أن يقرأ هو ما أنتج بيتا، بيتا وأن أترجم أنا ذلك بيتا بيتا. ثم تحدّثنا عن الشكل في هذه القصيدة القصيرة ،الساطعة. وقلت له كم أنا معجب بعروضها وبإعادة بناء هذه العروض والإيقاع الذي تحدثه.  فمن رجز إلى بسيط إلى كامل تجد نفسك وكأنك تستمع إلى مقطع من موسيقى بولاز أو تتفرّج عن تركيب لمشهد من أفلام قودار ! أو تستمع إلى صلاة أبي سفيان أمام الإله هبل! وهذا هو معنى الحداثة حيث معرفة الماضي و”اقتباسه”.

التقطت له يومها. صورة واحدة. صورة لم أستخدم فيها شيئا من “أكسسوارات” التصوير ولكن النتيجة هي أن نرى فيها أولاد في غلاف أحمر عوّدنا عليه سينمائي أمريكي شهير يستخدمه قصد الحميميّة. غلاف ما بين بين: بين جنة أبي العلاء ونار دانتي.

لقد صوّرته في جوّ خاصّ مفعم بالحميميّة دفعني أن أقول له : “إن الكحول تصبّر الغلال والدخان اللحم !” فضحك وقال : ” إنّه إرنست هيمنقواي صاحب هذه المقولة!” وبما أنّه ، على ما بدا، توّاق إلى الجدل، فإنّه  انتبه إلى الحذف، حذف الفعل في الجملة الثانية ولاحظ بأنّ ذلك “زوقما” الإغريق ومن فعل اللغة العربيّة التي تحب الحذف أيضا. هذا ما كان الشاعر يفسّر في  الصورة. أمّا أنا فقد تهت وتذكّرت   جملة  ترجمتها  له حيث يستخدم الحذف. فهو يقول : “لا تدوم الحياة، كمّيا، أكثر من مرّة. أما كيفيا فالمرجّح أنها لا تعيش أكثر من ثلث المرّة. وبالنسبة إلي فإنها لم تطل أكثر من زمن الكتابة ومطاردة المعاني والأساليب والصور.” ولم يتوان الشاعر في ذكر هيمنقواي فقال : “إنني شاعر، إنني لست عديّا بن أرطأة، أنا أكتب وأقول الشعر لأنني أشرب (وأدخن) وأطرب وأغضب…”

وافترقنا يومها على أن نلتقي مرة أخرى ونتحدّث في موضوع الترجمة. ومرّت شهور والتقيته وكان اللقاء  افتراضيا، عبر الفايسبوك. ولست من رواد الفايسبوك إلا عندما أزور حساب أولاد أحمد. فمن خلاله أتابع أخبار البلد. أخبارا مكتوبة بطريقة أنيقة ومقتضبة، ويحدث أن أقرأ بعض المدوّنات وخاصة منها مدونات تنتقد وأحيانا تهاجم الشاعر. يومها قرأت “ناقدا” فظّاّ تتأجج نيران الغيرة فيه و”الغيرة تذهب الشيرة”  كما يقول المثل الشعبي. فأخذتني الحمية فنشرت المقدمة التي خصّصتها “لحالات الطريق” كاملة، ليقرأها كل من أراد أن يقرأها ويتعرف عن الحداثة التي يتميز بها أولاد احمد، بدون منازع. فقرأها حتى أولاد أحمد! واتصل بي، وكنت أعلم أنه مريض، فأرسلت إليه الترجمة كاملة ، واتفقنا على أن نلتقي في باريس. وجاء أولاد أحمد إلى باريس  وتعذر علي الذهاب إلى باريس بسبب مغادرة  صديقي رشيد  باريس المفاجئة إلى مدينة فاس المغربية بسبب وفاة أمه، ثم أنني لم أجد غرفة بأحد النزل في المقاطعة الباريسية التي قدم فيها الشاعر عرضه. و”حسنا” كان غيابي، لأن تلك الليلة كانت ليلاء لما حدث بباريس. حيث قتلت الأرواح بالعشرات على أيدي الإرهابيين . كان ذلك مساء يوم الجمعة 13 نوفمبر2015…بعدما ذُبح بأبشع الطرق، في نفس اليوم، ولد، راع، في إحدى جبال تونس.

تابعت رحلة الشاعر عبر الفايسبوك  وتمنيت له الشفاء، إلى أن جاء ربيع 2016 ورجعت إلى تونس. وهناك التقيت نبيلا ثانيا، غير الأول الذي مكنني من مقابلة أولاد أحمد في خريف 2014. فهذا النبيل “الجديد”! هو ناشر أردت اللقاء به ليمكنني من عرض روايتي بالمعرض الدولي للكتاب بتونس. ثم التحق بنا مثقّف آخر من طراز يحبّه الشاعر. إنّه عادل حاج سالم وهو الذي أعلمنا بأنّه ذاهب إلى المستشفى. وبعد الظهر وجدتني في المستشفى العسكري، في الطابق التاسع، في قسم الأمراض الصدرية. كانت قاعة الاستقبال فسيحة وكان الشاعر جالسا في أقصاها. تقدّمت حتى اقتربت منه. نزعت طاقيتي وانحنيت إجلالا له وتذكّرت ما ترجمت له عندما ذكر المتنبي: “كفى بجسمي نحولا أنني رجل…لولا مخاطبتي إياك…لم ترني.”

كان أولاد أحمد، مثلما رأيته خريف 2014، نشطا، يتكلم في شتى المواضيع بصوته الشاعري الذي فيه شيء من البحة، تقريبا بلا كلل. عندما رآني، عرفني وقال لي بأن ترجمتي أعجبته ثم أوصى أصدقاء ه الذين اجتمعوا ليضعوا معه آخر اللمسات على ملف الجمعية الجديدة والتي تحمل اسم “تونس الشاعرة”. أوصاهم بأن يساعدوني على نشرها. لقد  سعدت وامتننت لما سمعته من رجل رضي عن دخولي في ميدانه الفسيح، الجميل، الضخم. وكنت أريد فقط أن أقول للشاعر بأنّني احترت بعض الشيء في ترجمة قصيدته التي تحمل عنوان “كلمات” وبالتحديد العنوان. هل كان عليّ أن أفسّر بأنّ  kalimat هي ابنة الشاعر أو هي بنيّة ذات عيون حزينة؟ أم أنّ ، عند الشاعر، المولود شعر والشعر مولود؟ أو أنّه ناظم الكلمات؟

سألني متى سأرجع إلى فرنسا لأنه ينوي السفر إليها بعد خروجه من المستشفى. فقلت له بأنني سأعود بعدما أقطر ماء الزهر والعطرشية ثم سألته إن كان يريد أن آتيه بشيء من ماء الزهر والعطرشية…ولكن الزهر كل الزهر أن أجد نفسي قبالة شاعرنا وأراه وأرى أعجب ما رأيت. رأيت من جملة الزوار امرأة قالت إنها مديرة قسم الطابق الثامن بالمستشفى. لقد جاءت صحبة ابنتها لزيارة أولاد أحمد. تقدّمت المرأة، حيّت الشاعر وقالت له باللهجة التونسية:”اسم الله عليك ! اللطف عليك ! إنت يا ولاد أحمد، إنت شاعرنا، إنت شاعر نسا تونس ! ” ثم استدارت تاركة المجال لابنتها. استدارت وتقدّمت وجلست وبكت. هي المرأة التي تدير قسم المرضى بالطابق الثامن، هي التي ترى الموت يمر كل يوم ، أرادت اليوم أن تستجديه أن يمرّ بعيدا عن هذا المكان…

تقدّمت ابنتها السمراء الجميلة. هي لا تحمل شيئا على رأسها سوى شعرها  الحريري، الكثيف ، الجميل كالأشعار. قالت مبتسمة : نحن ننتظر مجيئك للمعرض الدولي للكتاب. لقد ذهلت واكتشفت أن التي أراها هي تجسيم   لتونس الشاعرة التي يريدها أولاد أحمد.  حضرت ساعة قبل الموعد بمعرض الكرم، فرأيت الفتاة جالسة تنتظر. لكن الشاعر لم يكن في الموعد…لكن ما لاحظته، كالعادة، هو كثافة محبي الشاعر والشعر. وفي هذا الصدد فإن تونس من أغنى بلاد العالم. أغنى حتى من فرنسا التي لا تحب الشعر!

لقد اختلفت مع صديقة فرنسية ، غضبت لأنني لم أحضر حفل زواجها. أعلمتها بأنني لا أحب لا الأفراح ولا الأتراح. وعندما جاء خبر وفاة أولاد أحمد، كنت بالقصرين، قرابة سيدي بوزيد. مدينتان جعلتا للنواح. فبكيت الشاعر بكاء اليتامى. بكيته مثلما بكيت صديقا كان بمثابة المونتور. لقد دلّني عن وجهة الثقافة. كنّا نحبّ هذا الصديق ونكنيه بأبي العلاء من فرط زهده وذكائه. هذا الصديق كان موجودا أثناء هذه السهرة الشيقة بدار سيباستيان بالحمامات. كان معجبا أشدّ الإعجاب بما سمعه من شاعر يرى ما وراء القبور.  فقال متعجّبا :”إن هذا الذي أسّس بيتا للشعر وتخلّى عنه، أدرك أنّ لا بيت أحسن من بيت الشعر نفسه، رغم التطابق الجميل بين الكلمتين !” وأردف : “تونس الحديثة تهبنا شاعرا فحلا كل ستين سنة، فمن أبي القاسم الشابي، ها نحن بحضرة أولاد أحمد ! اسم “مفرد بصيغة الجمع”… كما يقول  أدونيس. إنّ أولاد أحمد شاعر مناضل سخي يحبّ شعبه.” وكان ما سوف يكون .جاءت الثورة ومعها “القيادة الشعرية”  وقال الشاعر في “توقعات”ه :

كنت مشغولا بكم في ساحة أخرى

ومشغولا بديقاج العظيمة

وسئلت عمّا تبوح به النجوم لطالعي

فأجبت دون تردّد:  ستكون لي بنت يتيمة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق