قواعد التَّدين العاقل (7)

القاعدة السابعة: الحجاب عادة وليس عبادة..

التحليل: ثمة قاعدة فرعية تقول، كثرة الأدلة دليل على ضعف الأدلة. بل لا يعدو أن يكون تضخّم الأدلة أحياناً سوى شاهد نفي في الأخير. ولا يكون الإفراط في بيان الأدلة سوى دليل واضح على غياب الدليل القاطع. ومن ذلك مثلاً أو على سبيل الاستدلال، أنك لن تجد كتاباً أو مقالاً أو محاضرة في موضوع من قبيل “الأدلة الشرعية على تحريم لحم الخنزير”؛ ستبدو المسألة مثيرة للسخرية وباعثة على الملل؛ فالأمر محسوم منذ الوهلة الأولى بالدّلالة القطعية للنص الصريح، وسيظل الحال على هذا الوجه ما لم تظهر معطيات جذرية وجديدة، لكنك لو جرّبت البحث عن كتاب أو مقال أو محاضرة في موضوع متعلق بـ”الأدلة الشرعية على وجوب ارتداء الحجاب”، فعلى الأرجح ستجد نفسك أمام مئات الآلاف من الصفحات، وعشرات الأدلة ! ما يؤكد مرّة أخرى بأنّ الإكثار من سرد الحجج على وجود شيء من الأشياء أو صحة مسألة من المسائل، يعني بصريح العبارة أن حقيقة وجود ذلك الشيء أو صحة تلك المسألة، من الأمور التي يشوبها الشك دوما، وتغمرها الشبهة دائما.

بهذا الصدد فإنّ الردّ الذي يمكننا أن نواجه به الأدلة الفقهية المتضخمة في دعوى وجوب الحجاب، أن نطلب منها دليلا واحدا لا تزيد عنه ولا تنقص ( طيب، لا بأس أن نسمح باثنين أو ثلاثة ! )، المهم، أن يكون النقاش مركزا بلا تعويم ولا تعتيم.

محصلة النقاش في آخر النقاش ما يلي : في الخطاب القرآني، وفي الحديث النبوي أيضاً، لا يوجد أيّ دليل على أن الحجاب -بأي معنى من المعاني التي يقترحها “الإسلام السياسي” بمختلف أطيافه وألوانه- فريضة دينية، أو سنّة مؤكدة، أو حتى سنّة مستحبّة، أو ما شابه ذلك. وبالرّغم من أن القاعدة الفقهية تقول “البينة على من ادعى”، فإننا نحن من سيقدم البينة على بطلان الدعوى في نقطتين مقتضبتين بلا تمويه ولا تهويم :

-النقطة الأولى، مصطلح الحجاب لم يرد في الخطاب القرآني بمعنى لباس المرأة، وإنما ورد بمعان أخرى مغايرة، مثل الآية : (( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ )) الشورى 51، والآية : (( جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِيـنَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا )) الإسراء 45، وآيات أخرى كثيرات على نفس النمط والمنوال. ولقد ورد مصطلح الحجاب ذات مرّة في إطار آداب الدخول إلى بيت الرسول دون أن يحيل ذلك إلى لباس المرأة لا من قريب ولا من بعيد، والآية تقول : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا… وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ )) الأحزاب 53.

-النقطة الثانية، لم يستعمل الخطاب القرآني أيّ مرادف لغوي يقصد الدّلالة على لباس خاص بالمرأة المسلمة أكانت متدينة أم غير متدينة، ولذلك فإنّ الآيات القرآنية التي طُبق عليها مبدأ القياس الفقهي ( وهو قياس مع وجود الفارق هذه المرّة ) استعملت جملا فعلية من قبيل الآية التي تقول : (( يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ )) الأحزاب 59، والآية التي تقول : (( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَسَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ )) الأحزاب 53، وكذلك الآية الأخرى التي تقول (( ليضربن بخمرهن على جيوبهن )) النور 31، وهي آيات لا تتضمن أي اسم يدل باللفظ أو المعنى على غطاء الشعر، أو منديل الرّأس والأذنين، أو نقاب الوجه، أو برقع الوجه والعينين، أو قفازة اليدين، أو كل هذا، أو بعض هذا، بأي نحو من الأنحاء. والسؤال بصريح المعنى وفصيح المبنى هو كالتالي : هل يُعقل أن يدعو الكتاب والسنّة إلى استعمال شيء لا يوجد له اسم محدّد يدل عليه !؟ لكن، ثمة سؤال آخر في الأخير: هل يحق لنا أن نستعمل مصطلح الحجاب للدلالة على معنى غير الذي قصده الخطاب القرآني، وغير الذي قصده الخطاب السني؟

الاستنتاج: مصطلح الحجاب في الخطاب القرآني يدل على الستار المعنوي، وفي السنة النبوية يدل على الستار المنزلي، وفي كل الأحوال فإنه لا يدل على لباس المرأة. لذلك فإنّ الحجاب الذي يدلّ في طوائف “الإسلام السياسي” على لباس المرأة المسلمة، ليس مفهوما قرآنيا ولا هو بالمفهوم السني كذلك، إنه شريعة التابعين، وفقه جمهور التابعين، وعادة تابعي جمهور التابعين إلى يوم الدين، لغاية تكريس التديّن الطائفي، ودونية المرأة، والانغلاق اللاّهوتي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق