الإسلام السّياسي في الممارسة، نماذج من أقطار عربيَّة 3/2

3 ــ ليبيا

تعتبر ليبيا من أوائل البلدان العربية التي بدأ فيها نشر أفكار حركة الإخوان المسليمن. وكسائر المجتمعات العربية، تعددت التيارات الإسلامية في ليبيا، وظل أكثرها يعمل في السر بالنظر إلى موقف النظام الليبي الذي منعها من العمل ومارس القمع المادي ضدها. عشية الانتفاضة الليبية، كانت التيارات الإسلامية تضم : الجماعة الإسلامية المقاتلة التي اعتمدت خيار التغيير بقوة السلاح، حزب التحرير، جماعة التبليغ والدعوة، التيار السلفي، والإخوان المسلمون الذين أسسوا “حزب العدالة والبناء”، حيث شدد أحد قادة هذا الحزب محمد صالح الشلماني على أنه حزب مدني ذو مرجعية إسلامية يطمح أن يكون وسطياً منفتحاً على غيره، ويضيف قائلاً :”نحن نختلف عن حزب النهضة التونسي وحزب الحرية والعدالة في مصر. نحن في ليبيا قررنا أن نطلق مبادرة لحزب سياسي ديني لا علاقة له بالحركة الدينية الدعوية على غرار الكثير من الأحزاب الإسلامية العربية الأخرى”  .

يطرح سؤال حقيقي عن دور التيارات الإسلامية في الانتفاضة الليبية، ومدى تشابهه مع الدور الذي لعبته هذه التيارات في مصر وتونس مثلاً. انخرطت الأحزاب الإسلامية في الانتفاضة الليبية في مراحلها الأولى وحتى مقتل القذافي، وتفاوتت المشاركة وفقاً لقوة كل طرف ومدى اتصاله بالتجمعات القبلية والعشائرية السائدة في ليبيا. لا يمكن الحديث عن دور الجماعات الإسلامية في الانتفاضة من دون ربط هذا الدور بالموقف القطري، الذي شكل حاملة سياسية ومادية في التدخل بالانتفاضة وإزاحة قيادات أساسية قامت بالحراك، لصالح قيادات إسلامية اخرى، خصوصا تيار الإخوان المسلمين. وهو موقف ظل مستمرًا وشكل عنصرًا أساسياً في الصراع على السلطة الدائر حالياً في البلاد. في حديث لأحد قادة الانتفاضة محمود جبريل يقول :”أعتقد ان القطريين كانوا يثقون بمصطفى عبد الجليل أكثر من ثقتهم بي، أحسوا أنه متعاطف مع التيار الإسلامي، وهو كان أعلن أنه متعاطف مع الإخوان، وقال أنه لو قرر يوماً الانضمام إلى اي حزب، سينضم إلى حزب العدالة والبناء الذي يمثل الإخوان” (محمود جبريل : انحياز قطر للإسلام السياسي كان واضحاً منذ بداية الثورة الليبية، شبكة الأخبار الليبية، 10 – 2 – 2014 ).

من مفارقات الانتفاضة الليبية، وخلافاً لسائر الانتفاضات، كان التدخل العسكري الغربي بقيادة حلف الناتو حاسماً في نجاح الانتفاضة. وهو تدخل كمنت وراءه مصالح غربية في ثروات النفط الليبية القليلة الكلفة والعالية الجودة. صحيح أن الدول الغربية لم تقحم نفسها لاحقاً في الصراعات الداخلية على السلطة والنفوذ، إلا أنها حققت أهم أهدافها بالاستحواذ على حصتها من الثروات التبرولية، امتيازات لشركاتها  وانتاجا وتوزيعا.

المفارقة الليبية الاخرى تتمثل بمرحلة ما بعد نجاح الانتفاضة ودخول البلاد في فوضى الصراع على السلطة. في هذه المرحلة، سعى الإسلاميون المتعددو الأجنحة إلى فرض كل طرف لنفوذه لأخذ مواقع في السلطة. انحكم الصراع بالعنف الذي لجأت اليه التيارات الإسلامية والقبائل والعشائر التي تشكل قاعدة البنى المجتمعية في ليبيا. بدا أن الجماعات الإسلامية، التي تملك أكبر الكميات من السلاح، لا ترغب في قيام دولة ومؤسسات ولا بناء جيش وطني أو شرطة ليبية، على اعتبار أن هذه المؤسسات ستقلص من سلطتها ونفوذها. وعلى غرار ممارسات التيارات الإسلامية في مصر وتونس، سعت التيارات الاسلامية الليبية لوضع دستور يهدف إلى اقامة دولة دينية في ليبيا من خلال الإصرار على اعتبار الشريعة الإسلامية مرجع التشريعات والقوانين، والتراجع عن بعض المكتسبات المدنية التي كانت موجودة ، على محدوديتها، ومنها ما يتعلق بالمرأة، حيث كان من المثير للسخرية أن وزير العدل الذي بدا متحدثاً باسم الانتفاضة في أيامها الأولى، افتتح تصريحاته بأن الانتفاضة ستعيد تعدد الزوجات التي كان القذافي قد ألغاها.

4 ــ اليمن

ينتشر الإسلام السياسي في اليمن عبر تنظيمين رئيسيين هما التجمع اليمني للإصلاح وحركة الحوثيين، يضاف إليهم تنظيم القاعدة الذي يعمل بنشاط اليوم، ويدعو إلى تكريس الشريعة الإسلامية بالعنف المسلح. يعتبر التجمع اليمني للإصلاح الفرع المحلي لحركة الإخوان المسلمين، لكنه في الواقع أشبه بتنظيم يحوي داخله منوعات من الإخوان والوهابية والمصالح القبلية.. كان على علاقة وثيقة بالمملكة العربية السعودية. يدعو إلى التمسك بالإسلام عقيدة وشريعة، وبناء اقتصاد وطني نابع أيضاً من الشريعة الإسلامية. يلخص عمرو حمزاوي وناثان براون واقع وطبيعة التجمع اليمني بالقول :”يشترك التجمع اليمني للإصلاح مع الأحزاب والحركات الإسلامية الأخرى الناشطة في العالم العربي في بعض خصائصه الرئيسية، فهو على غرارهم، يمتلك أيديولوجية وبرنامجاً يستندان إلى المرجعية الديينة. كما أنه دأب على المشاركة في العمل الحزبي بهدف تحقيق إصلاحات دستورية وسياسية واقتصادية – اجتماعية. كذلك، بات التجمع تدريجياً ملتزماً بالإجراءات الديمقراطية سواء على المستوى الحزبي الداخلي أو أيضاً على نطاق السياسات اليمنية ككل. وبالتالي، هذه الخصائص المشتركة تبرر اعتبار التجمع حزباً إسلامياً. ومع ذلك يختلف التجمع عن معظم الإسلاميين العرب من جوانب عدة : فهو يجمع بين التأثيرات القبلية، وبين تأثيرات جماعة الإخوان المسلمين والمجموعات السلفية اليمنية. ومقارنة مع الإسلاميين في أماكن أخرى، أظهر التجمع درجة أعلى من الانقسامات الداخلية حول مسائل رئيسة، مثل علاقته بالنظام الحاكم، ومشاركة النساء في الحياة السياسية، وكيفية تفسير برنامج الحزب الإسلامي وترجمته إلى إجراءات سياسية” ( ناثان براون وعمرو حمزاوي، بين الدين والسياسة، الإسلاميون في البرلمانات العربية، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ومركز كارنيغي للشرق الاوسط، بيروت، 2011، ص 226 – 227 ).

يشكل الحوثيون طرفاً أساسياً في اليمن، تطور نفوذهم في الأعوام الأخيرة عبر التدخل الإيراني والدعم المالي والتسليحي المقدم لهم. اسمهم الأصلي “حركة أنصار الله”، وهي حركة سياسية دينية مسلحة تتخذ من مدينة صعدة مركزًا  لها، عرفت “بالحوثيين” نسبة إلى مؤسسها حسين الحوثي الذي كان الأب الروحي للجماعة، والذي قضى على يد السلطات اليمنية عام 2004.  تنتمي الحركة، قيادة وأعضاء إلى المذهب الزيدي في الإسلام. الحركة متهمة من قبل السلطة اليمنية والمملكة العربية السعودية بأنها تابعة لإيران التي تتدخل في الجزيرة العربية وتمد نفوذها وتنشر مذهبها الشيعي من خلال احتواء تنظيمات لا تقف على نفس الإتجاه العقائدي مع المذهب السني أو الوهابي. اعتقلت السلطات اليمنية عددًا من الشبكات التي اتهمتها بالتجسس لإيران، وهي مجموعات تنتمي إلى الحركة الحوثية.

يمارس تنظيم القاعدة نشاطاً مسلحاً واسعاً داخل اليمن، ويحتل مناطق فيها، وهو على تداخل مع القبائل. انحسر دور التنظيم عند اندلاع الانتفاضة ونزول الجماهير إلى الشارع، لكنه عاد ليزدهر مع الأزمة السياسية التي تعيشها اليمن والصراع على السلطة فيها. وفرت الاضطرابات السياسية في اليمن فرصة ذهبية لتنظيم القاعدة لتوسيع أنشطته وتقوية شوكته.

تدرس الدكتور باسمة رو هذه الظاهرة وتأثير انشغال الحكومة المركزية بمواجهة التظاهرات وقمعها وكيف “سهّل لأفراد التنظيم السيطرة على المنشآت الحكومية، واستغلال معاناة السكان، وتصعيد الهجمات، لاسيما في جنوب اليمن وشرقه، خاصة محافظات أبين وشبوة ومأرب والجوف وحضرموت. وأصبحت اليمن واجهة جديدة وملاذاَ استراتيجياً آمناً للقاعدة بعد تراجع أنشطتها في العراق والمملكة العربية السعودية”. وجدير بالذكر أن نشاطات التنظيم تصاعدت بشكل ملحوظ عقب دمج الفرعين اليمني والسعودي من القاعدة في فرع واحد يدعى ” تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب” في يناير/ كانون الثاني عام 2009.

وتضيف الكاتبة :”فبنية التنظيم وأيديولوجيته ساعدته على تخطي الأزمات التي أعقبت وفاة قادته البارزين. كما عزز عدم الاستقرار السياسي حضور التنظيم وتغلغله بين صفوف الساخطين على نظام الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح. وشهدت فترة الربيع اليمني حرص التنظيم على كسب تعاطف الجمهور الثائر، حين أعلن المسؤل الشرعي لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، عادل بن عبد الله بن ثابت العباب في الثاني والعشرين من أبريل/ نيسان عام 2011 عن تأسيس “أنصار الشريعة” ( باسمة رو: القاعدة في اليمن.. حافة الخطر الدائمة، معهد العربية للدراسات والتدريب، 18 – 7- 2012 )

باستثناء تنظيم القاعدة، لعب الإسلاميون، على مختلف مشاربهم، دورًا مهماً في الانتفاضة اليمنية، وفي إسقاط علي عبد الله صالح. شاركوا في الحشود الجماهيرية وتصدوا لأجهزة السلطة، على رغم اتهامات توجه إلى التجمع اليمني بأنه كان يريد الحفاظ على النظام وإسقاط الرئيس فقط، وذلك نظرًا لتورط التجمع بفضائح فساد. لكن دور التجمع بدا واضحاً في المرحلة التي أعقبت إسقاط الرئيس، والعودة إلى المؤسسات الدستورية، حيث بدا التجمع ومعه الإخوان المسلمين عملياً أصحاب شهوة سلطة وإقصاء لسائر التيارات السياسية على غرار إخوانهم في مصر وتونس وليبيا. وبالنظر إلى اختلاط الصراع السياسي بالصراع القبلي، لم يكن للإخوان أن يحققوا ما سبق لغيرهم. أما الحوثيون، فاندفعوا إلى صراع مسلح مع التجمع ومع السلطة الجديدة، وأكسبوا صراعهم بعدًا طائفياً ومذهبياً بشكل صريح. يشير الكاتب اليمني عبد الوهاب قطران إلى طبيعة الصراع المندلع بالقول :”فالإخوان المسلمون وحزب الإصلاح، يمارسون سياسة الاقصاء والتفرد في الوزارات التي سيطروا عليها، وهي العدل والداخلية والتربية والتعليم والمالية والتخطيط والتعاون الدولي. وهم لديهم نهم وتعطش للسلطة والاستيلاء عليها، وقد وظفوا في تلك الوزارات الآلاف خارج معايير القانون. يمارسون الفساد المالي بشكل واضح ومكشوف” ( عبد الوهاب قطران : أسباب التفجر الوطني، من كتاب : غياب الرؤية الحضارية في الحراك الثوري العربي، تحرير وفاء صندي، منتدى المعارف، بيروت، 2014، ص 253- 252 ) ويضيف كاتب يمني آخر :”مشكلتنا مع “الإخوان” سواء في اليمن أو في مصر أو تونس وغيرها من بلدان الربيع العربي، أن الجماعة لا تقبل ولا تثق بمؤسسات الدولة القائمة، ولذلك تعمل على استبدالها بمؤسسات “الجماعة”وبكادر الجماعة، وبما يحول الدولة الى أداة من أدوات الجماعة” ( محمد المقالح : الاستحواذ على ثمار السلطة، غياب الرؤية الحضارية، المصدر نفسه، ص 264 )

 

5 ــ سوريا

يمثل الإخوان المسلمون التنظيم الأبرز داخل الإسلام السياسي في سوريا، حيث يعود بجذوره إلى الأربعينات من القرن الماضي. مارس عمله في مراحل متعددة بشكل علني، ثم عاد إلى العمل السري خصوصاً منذ الثمانينات بعد أن دخل في مواجهة مسلحة مع النظام البعثي، الذي استشرس في قتاله معهم، ولم يتورع عن تنفيذ مجازر جماعية وتدمير أحياء سكنية بكاملها على رؤوس ساكنيها، كان أبرزها مجازر حماة التي وصل تقدير قتلاها إلى حوالي خمسين ألف نسمة. ووضعت قوانين صارمة ضدهم وصلت إلى الحكم بالإعدام على من ينتسب إلى هذا التنظيم.

عشية الانتفاضة السورية في آذار/ مارس 2011، أعلن الإخوان المسلمون أنهم شريك أساسي في الحراك المدني الذي انطلق في شوارع المدن والبلدات السورية. وقد كان لهم دور فاعل في هذا الحراك، بحيث بدا أن الانتفاضة السورية قد أعادت لهم الروح، وأدخلتهم في الحياة السياسية مجددًا. وصدرت مواقف سياسية تتصل بمستقبل سوريا بعد إسقاط نظام البعث، كان من بينها مواقف للإخوان المسلمين تقول صراحة بضرروة إقامة دولة مدنية في سوريا، والاعتراف بالتعددية السياسية وبمصالح المجموعات التي يتكون منها المجتمع السوري. نظر كثيرون إلى هذه التصريحات بعين الريبة، ورأوا فيها نوعاً من الاطمئنان الشكلي المطلوب قبل وصولهم إلى السلطة. خلال مسار الانتفاضة وما تبعها من قيام تنظيمات لتوحيدها وتأطيرها، لم يوفر الإخوان أي سعي للهيمنة على “المجلس الوطني” ولاحقاً على “الائتلاف الوطني”، وبدا النفس الإقصائي خصوصاً للمجموعات العلمانية واضحاً، مما أوجد نزاعاً داخل مجموعات المعارضة لم يتوقف حتى الآن. زاد من تصلب الإخوان اعتمادهم على الموقف القطري الداعم بشكل مطلق لهم، والمؤثر من خلال الدعم المالي والعسكري الذي تقدمه قطر للانتفاضة السورية، وكذلك على الدعم التركي المحتضن لهم بحكم انتساب الحزب الحاكم إلى هذا الإسلام السياسي.

مع دخول الانتفاضة في مرحلتها المسلحة، تغير المشهد السوري بشكل كبير لجهة طبيعة الصراع والقوى المنخرطة فيه. تقاطعت مصالح سورية داخلية يمثلها النظام مع توجهات ومصالح غربية أميركية لتحويل سوريا ساحة إرهاب باسم الإسلام السياسي. خلافا للسياسة الأميركية في مصر، والتي كان الرهان فيها على حصان الإخوان المسلمين واستلامهم السلطة، بعد مفاوضات طويلة جرت بين “الإخوان” والإدارة الاميركية وحصل  فيها تفاهمات حول مجمل القضايا خصوصاً المتعلقة منها بالاتفاقات مع اسرائيل، فإن الإدارة الأميركية كان حصانها الأول والوحيد في سوريا رئيسها بشار الأسد ونظامه. فهذا النظام، مع الأب والإبن، أتى برعاية اميركية عام 1970، وكان أحد أعمدة الخطة الأميركية في المنطقة، مدافعاً عن مصالحها وعن مصالح حلفائها، تولى خلال حكمه ضرب المقاومة الفلسطينية وسائر حركات المعارضة الوطنية في المشرق، وأرسل جيشه تحت العلم الأميركي لمحاربة العراق في التسعينات، والأهم من كل ذلك أن الجيش السوري شكل حرس حدود لإسرائيل ومنع أي عمليات ضدها منذ العام1973، واستخدم الأراضي اللبنانية وحركة المقاومة لإدارة حروب بديلة… وعندما اندلعت الانتفاضة السورية، أدركت الإدارة الأميركية أن الإطاحة بالأسد ستؤدي إلى قيام سوريا جديدة،  ليس مضموناً أن تسلك السياسة إياها التي سلكها الأسد، خصوصاً في العلاقة مع اسرائيل. بل قد يكون النظام الجديد داعماً لقوى وطنية معادية لأميركا واسرائيل، لذلك كان القرار الأميركي تدمير سوريا، جيشاً وشعباً ومجتمعاً، وجعلها أشلاء بما يمنع قيام دولة سورية قوية تشكل تهديداً لأميركا ومصالحها. وكان المدخل إلى ذلك إدخالها في حرب أهلية واستحضار قوى الإرهاب لتتقاتل على أرضها.

تقاطع مشروع تحويل الانتفاضة السورية إلى حرب أهلية بين النظام السوري والقرار الأميركي. أفرج النظام عن مجموعات تنتمي إلى القاعدة كانت تقبع في سجونه، وأرسل العراق مجموعات أخرى، ورفدت إيران هذه القوى بمجموعات من عندها، وأدخلت حزب الله اللبناني إلى الأراضي السورية للمحاربة إلى جانب النظام، تحت حجة حماية الأماكن المقدسة الشيعية في البداية، ثم توسع الانتشار إلى سائر المناطق السورية دفاعا عن النظام البعثي. هكذا تحول تنظيم القاعدة إلى فسيفساء من قوى محلية وعناصر من المخابرات السورية والعراقية والإيرانية، أضيف اليها مقاتلون من دول عربية أخرى  ومن أفغانستان وباكستان والشيشان وبعض الدول الأوروبية، بما جعل سوريا ملجأً ومقرًا لكل من يبغي جهادًا في سبيل الله ويقيم دولة الخلافة وفرض حكم الشرع فيها.

كان تحويل سوريا إلى مجمّع للمقاتلين من شتى أنحاء العالم مصلحة صافية للنظام السوري. قدم بشار الأسد نفسه محارباً الإرهاب العالمي تطبيقاً لنظريته أن سوريا تتعرض لمؤامرة عالمية بقيادة الارهاب بسبب دورها الممانع. كما كان للولايات المتحدة الأميركية ومعها الغرب مصلحة في تجميع عناصر الإرهاب وحشرها في سوريا وجعلها تتقاتل وتفني بعضها بعضاً. هنا يكمن بعض سر عدم استعداد الغرب لتسليح المعارضة بحيث تتمكن من قلب النظام، بل الإبقاء على حدود من التسليح تسمح لها بالقتال من دون الحسم. كما تبرز السياسة الغربية في تأييد بقاء الأسد، خلافاً للديماغوجيا الكلامية عن انتهاء دوره، فبقاء الأسد هو ضمانتها في بقاء الحرب الأهلية مشتعلة إلى أمد غير منظور.

لم يخطيء الغرب ولا النظام السوري في استخدام تنظيمات الإسلام السياسي في الحرب الدائرة في سوريا. انقسمت هذه التنظيمات عل نفسها، وكان الانقسام الأكبر بين “القاعدة” وجبهة النصرة التي كانت جزءًا من “القاعدة”، حيث تحولت “القاعدة” إلى “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، وحددت معاركها مع جبهة النصرة و”الجيش الحر”، فبدت من أفضل الأسلحة في يد النظام ضد المعارضة السورية المدنية والعسكرية. واندلع القتال بين المجموعات الدينية المسلحة التي تذررت بشكل غير مسبوق، بحيث وصل عددها إلى حوالي المئة تنظيم، كل واحد منها يحتكر السماء ويرى أنه يمثل الإسلام الحق، ويكفر سائر المجموعات، ويهدر دمها. سقط الآلاف من القتلى بين المجموعات الإسلامية المتحاربة بين بعضها البعض، كما سقط الآلاف في القتال مع قوى المعارضة، وفي كلتي الحالتين، كان النظام السوري ومعه الغرب الأميركي والأوربي يعيش ابتهاجا بالذي يجري، فهذه التنظيمات المتحاربة باسم الدين توفر على المعسكرين السوري والغربي عبء المواجهة والتصدي لهذا الإرهاب.

أما العجائب والغرائب فهي التي أبدعت التنظيمات الإسلامية في إظهارها عندما توفر لها السيطرة على مناطق جغرافية، ثم فرض نظامها وقوانينها في تلك المناطق. بدت المناطق السورية الخاضعة لتنظيم “داعش” وكأنها عادت إلى عصور ما قبل التاريخ، لجهة نوع التشريعات التي فرضت على الناس في وصفها عودة إلى السلف الصالح ونشر الدين الإسلامي كما جاء في أيامه الأولى، وكما جرى تطبيقه زمن دولة الخلافة. ظهر هذا الإسلام مصدر قتل وسحل ورجم لمن يخالف تعليمات “داعش”، يتم ذبح البشر لأبسط الأمور ويقرن هذا الذبح بتكبير الله الكبر، لحاجة القتلة الى مباركة إلهية. وفرضت القوانين الصارمة على النساء، ختاناً وتحجيباً ومنعاً من الخروج أو الذهاب إلى المدارس، ووصل الأمر إلى دعوة لتحجيب أثداء البقر، لكونها تثير الغرائز الجنسية. يضاف الى ذلك الموقف من الأقليات المسيحية والعودة بها إلى اشتراط اعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو المغادرة. باختصار، كل ما له بالعصر وبالتقدم والحضارة ممنوع منعاً باتاً تحت طائل الإعدام للمخالف،  وكل ذلك يتم باسم الإسلام. لا تحمل سائر التنظيمات الإسلامية، المنتشرة كالفطر، أفكارًا أرقى مما تحمله “داعش”، فالكل في هذا المجال، يندرج في خانة واحدة، سواء أكان هذا التنظيم من مدعي مقاتلة النظام السوري، أو من تلك التي تصنف نفسها داعمة له. لا شك أن واقع الإسلام السياسي كما رست عليه الحال في سوريا يشكل مناسبة مهمة جدًا للنقاش في الإسلام نفسه، أي ما يتصل حقاً بالإسلام وجوهره، وما لا علاقة له بالإسلام بل ينتسب إلى تقاليد بالية رماها التاريخ في مزابله.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق