الثَّقافة وتغطية الإرهاب في زمن الإنترنت

«الزنجي ضعيف العقل مقارنة بسيده بالسلالة، الإنسان الأبيض، وليس له الحق في المشيئة، دع المشيئة للإنسان الأبيض، وإن عصى فعليك بالسوط، فإن له حسنات.» توماس كارلايل. مقال حول مسألة الزنجي، 1849.

يصعب على متابع بعيد عن الثقافة الأمريكية أن يضع تنميطا للإنتاج الثقافي بالولايات المتحدة. فالفوارق في اتّساع مطّرد بين جهاز الهيمنة الثقافية والسياسية والعسكرية الأول عالميا وبين متابع من زاوية نائية في العالم. لكن لا أريد لتعبيري هذا أن يفهم على أن هذا الجهاز الثقافي والفني الهائل كامل غير منقوص، بل لا أبالغ حين أقول بأنه مع اتساع هيمنته تكثر هفواته العنصرية والجنسانية والطبقية تجاه ما يحب أن يتمثّله على أنه الغير البعيد الغريب ذو الشر الجوهري المشكِّل لغيريته والمحدد لجوهر خيّر معاكس هو ال «نحن». فنجد مثلا في هوليوود المتأخرة ميلا إلى تأبيد صورة الروسي الفظ، و الشرير الذي يغمغم، بفحولة مغشوشة، لغة غير مفهومة (الروسية)، ومن سماته الجبن والاحتماء بجماعته (المافيا الروسية أساسا)، والتي لا يستطيع إلا الأمريكي، محِقّ الحق وقاهر الشر، الإجهاز على شرها في أفلام من قبيل جاك ريتشرJack Reacher  (2012) للمخرج كريستوفر مكواري، وذي إيكوالايزر the Equalizer (مُحق العدل) (2014) لأنتوان فوكوا، و جون ويك John Wick(2014) لتشاد ستاهلسكي، وتتغافل عن سعة الصدر وطول النفس كسِمتين مميزتين للأدب (والثقافة عموما) الروسي، بل تجنح إلى شيطنة الرموز الروسية: فرئيس المافيا، الذي سيجهز عليه عميل الاستخبارات السابق روبرت ماكّول (دينزيل واشنطن) في فيلم ذي إيكوالايزر، اختار له المخرج فوكوا من الأسماء ‘بّوشكين’، وألكسندر بوشكين (1799- 1837) رمز ثقافي روسي عتيد.

إلى عهد قريب كان زخم هوليوود الإنتاجي يعجّ بصورة الشرقي الشهواني، المغفّل، و الذي يعدم العقل، إذ مثلا يواجه المسدّس في يد دكتور الأنثروبولوجيا، الذكر الغربي المغامر (على غرار سبق الرواية في هذا المضمار: روبنسون كروسّو بطل رواية دانيال ديفّو بنفس العنوان مثلا) «هنري إنديانا جونز» (هاريسون فورد) بالسيف ويخسر النزال برصاصة في الرأس بطريقة لا تخلو من الكوميديا الداكنة[i] في الفيلم بنفس العنوان إنديانا جونز: كوميديا داكنة لأنها تجعل من صورة الشرقي في الإرث الاستشراقي – الذي ورثته السينما الأمريكية عن مكتبة هائلة الرفوف للإمبريالية البريطانية والفرنسية من التنميط والتصوير التحقيري لكل شيء يمثله المشرق والمشرقيين- مشهدا سينمائيا «ترفيهيا» عابرا. ملحمة إنديانا جونز التي ابتدأ العمل على إخراجها و إنتاجها في بداية الثمانينات من القرن الماضي وشهدت إضافة أجزاء أخرى في التسعينات وانتهى العمل على جزئها الأخير سنة 2008 تشهد للإبداع الأمريكي الأخاذ، ولا تني تكشف عن عمى هذا الإبداع في الوقت عينه، إذ يتوسّم فيه كل خبير عجزه عن التخلي عن عرقية مقيتة أخذ الإسراف في تناولها منها بعض بريقها ، لكن لا زال لكل عاقل ناطق بالحق قول فيها.

أؤكد في البدء على نمط مُستجد، سأفصل فيه فيما يلي، تهتدي به الثقافة الأمريكية المُتأخرة في تمثلاتها عن الآخر: ويرتكز هذا النمط، باقتضاب، على استراتيجية إلهاء المتلقي عن التاريخ الفعلي للشعوب، التي تشكل هدفا لغُشم الخارجية الأمريكية، وتوجيه اهتمامه إلى توافه سيرد ذكر أمثال عليها فيما تبقى من المقال.

على غرار تناولها للمشرقي المجحفة، خصوصا منذ اكتشاف النفط في الشرق الأوسط في عقود ما بعد منتصف القرن الماضي إلى الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003، أخذ اهتمام هوليوود بهذه المنطقة يتراجع وبدأ يطفو على السطح عوض ذلك شعور خجول بالذنب في السينما من مروق الدولة الأمريكية. فقد شهدت الساحة السينمائية الأمريكية سنة 2010 إنتاج فيلم فرنسي بريطاني أمريكي لبّول غرينغراس بعنوان المنطقة الخضراء (2010) Green Zone مأخوذ عن كتاب الحياة الإمبراطورية في مدينة الزّمرّد للصحفي راجيف شاندراسيكاران. حبكة الفيلم تدور حول مجهودات جندي أمريكي يدرك باكرا أن المعلومات الاستخباراتية حول أسلحة الدمار الشامل العراقية ملفقة من قبل البنتاغون، ويحاول جاهدا تدارك الخطأ عن طريق منع تفكك الجيش العراقي المتمثل في رمز الجنرال محمد الراوي، وينتهي الفيلم بموت الجنرال على يد عراقي ناقم على نظام صدام حسين، وفشل الجندي في مهمته[ii]. على غرار عروض السحر التي تعمد إلى إحباط أفق توقع المشاهد أولا وتوجيه نفس الاهتمام المحبط إلى ما لا يقع حقا ثانيا، ولأن آخر ما يُعرض هو حقا ما يعلق بالذاكرة، نجح الفيلم في التغطية على خطأي الأمريكيين – خطأين اثنين فقط لأن ذلك هو ما سمحت به حبكة الفيلم- المتمثلين في (1) فبركة المعلومات الاستخباراتية حول أسلحة الدمار الشامل العراقية من قبل مسؤول البنتاغون كلارك بوندستون (غريغ كينيار) وفي (2) تفكيك الجيش العراقي بمقتل الجنرال العراقي محمد الراوي (ييغال ناعور)  الذي أتى على يد فريدي (خالد عبد الله)، العراقي البسيط الحاقد على رموز الجيش البعثي العراقي كمشهد ختامي، ليخرج مُشاهد الفيلم بخلاصة مفادها أن الجندي الأمريكي روي ميللر (مات دايمون)، الذي ثابر منذ بداية الفيلم إلى نهايته لإنقاد الجنرال الراوي حتى يحفظ اللحمة العراقية، شخصية شبه هزلية تحاول إحلال العقل والسلم محل الجنون والعنف المتغلغل في الشخصية العراقية فْرِيدِي.

سبق للتاريخ أن سجل أحد أهم نجاحٍ للشعور بالذنب في حق من كانوا ضحايا للتمييز العنصري، وكان ذلك حال يهود أوروبا الذين عانوا من الشعور العام بين الأوروبيين بمعاداة السامية لقرون والذي تُوج بمحرقة الهولوكوست، لكن الثمن لم يُدفع من قبل من اقترفوا الجرم بل أجبر الفلسطينيون ولا زالوا على دفعه. لكن مروق الولايات المتحدة لا زال حديث العهد، ولا يلوح في الأفق أمل في تخطيها لخبث سياساتها في الشرق الأوسط.

على الضد من مروق ممارساتها «السياسية» التاريخية تنسج الثقافة الأمريكية جماليات «الأمريكي النزيه» للاستهلاك العالمي على منوال مزدوج يتغيى تغطية مروقها، وإبراز الشر كصناعة محلية عالمثانية وعالمثالثية. تلك «النزاهة» التي تجسدها عن حق أدوار دينزيل واشنطون، الأسود المستقيم والمؤمن بالعدالة الجازمة للسياسة الأمريكية، لكن في الوقت عينه الذي يمتلك القدرة على شر يتجاوز الوصف لإحقاق «حق» على المنوال الأمريكي. لعلى لا أحيد كثيرا عن الصواب إذ أقول بأن شاغل البيت الأبيض الحالي باراك أوباما نجح، في قدر مهم من ولايتيه، في تسويق شخصية سفير السلام الحازم والغير مسبوق الشبيهة بشخصيات أدوار دينزيل واشنطون، كما أنه في ذات الوقت الرجل الذي قال في خطاب تسلمه لجائزة نوبل للسلام سنة 2009، بغير خجل: «لا تخطئوا الظن، فالشر موجود في العالم»، لكن ليس في عالم أوباما يقع الشر.

لا أريد لما قلته آنفا أن يفهم على أن توقعاتنا لعراق ما بعد صدام، الذي جاء بتدخل أمريكي، أُحبطت، وليس من حقنا أن نأمل أكثر مما حدث. التراجيديا التاريخية هنا كاملة الأوصاف، لكن أرى أنه من السخف أن نسقط في تفاؤل الضحية المغشوش، وإلا سقطنا في فخ مشروع الخلاص الرومنسي الذي أثرى خيال ماركس، وجعله يعتقد بأن خلاص الهندي لا بد وأن يمر به عبر الترحيب بتوسع بريطانيا الإمبريالي.

هذا التفاؤل المغشوش، أو ما أسميه «جماليات الهزيمة» أبّده عبد الرحمان منيف في عمل سمّاه حين تركنا الجسر (1976). عمل يترك في النفس أثرا تراجيديا يمجّد السقوط والبله والعجز، ويرفعهم إلى مصاف القيم التي اقترحها منيف هناك هوية للعربي، وهي هوية لما أسميه «هوية الخيال الارتكاسي الجمعي المذعور من صدمات الحاضر، والولوع بالذاكرة»، وقصدي منه أن الشعوب التي تتخذ من الغفلة كمالا للحياة، وتفاجأ ببأس خارجي قاهر (أو أزمة ما) لا قبل لها به بين ظهرانيها، كالاستعمار الغاشم، تنزع، غالبا، إلى التخبط على غير هدى في متاهات الذاكرة نُشداناً لماض مجيد، وعندما يتمادى هذا الشعور دون حل آني عاقل يتطور إلى محاولة التأسّي الحرفي به، وهو ما ينتهي إليه ‘زكي نداوي’ في آخر العمل: كونية الحزن على الجسر. يُفسر هذا إلى حد بعيد، حسب اعتقادي، حال العرب بعد هزيمة 1967، وحال العراق اليوم، والشعبين اليوم إلى حد ما في وضع مماثل لبطل عمل منيف ‘زكي نداوي’، لكن منيف تفرّد في هذا الصدد بإصراره على سمة التمادي، وما ما يُدعى «الدولة الإسلامية» اليوم إلا تمظهر لتمادي واضح لِهذا «الخيالِ الارتكاسي أو المتقهقر» المُلتاع. ويتّسم الخيال الارتكاسي المُلتاع هذا في الفرد برفض التعايش المطلق مع الوضع المستجد، في ظل تعطّل العقل، و انتفاءٍ تام لقدرته على التفسير، أي أن العقل ليس صاحيا، فيكون بذلك الضحية أمام خيار استثمار الذاكرة المحدودة الخيارات. حتى لا أتيه في تجريد عقيم، أضع بين يدي القارئ أمثلة تاريخية على ما أقول: ليتفقد أحدنا هنا وجود «الدولة الإسلامية» والميول التعبيرية عند أتباعها، فنشيدها الشقي، يزخر بمعجم الغزو القبلي الجاهلي القديم: «صليل: صوت استلال السيف أو التحام الحديد»، «الصوارم: السيوف الحادة»، «والعز» و «الذل»، و «الإباء». أتّخذ هذا المعجم القديم دليل على ارتكاس وتقهقر الخيال إلى بدائل ذاكراتية جاهزة مشوهة، والنتيجة كِيخُوتية (من دون كيخوت) جمعية تحاول إحلال النص محل الواقع. فغالبا ما ظهر مُجندو الدولة الإسلامية بالسيوف وذبحوا مغانمهم البشرية بها عوض الرمي بالرصاص. أسجل هنا أيضا تعبيرات تجربة الهزيمة الفلسطينية العربية الثقافية ما بعد 1967، إذ طفت وتطفوا على السطح أناشيد وأغان تستغيث بالمحرر العراقي العتيد صلاح الدين الأيوبي، أحدها حسبما أذكر يقول: صلاح الدين يا جدي، أنا في الأسر والقيد…، ومع تزايد القهر الإسرائيلي من التشريد، والسلب، والتقتيل والاعتقال التعسفي، وجرائم الإبادة الجماعية (على غرار مذبحة الحرم الإبراهيمي على يد السفاح باروخ غولدشتاين)، ظهرت الجماعات الإسلامية على شكل استنجادٍ بالذاكرة (التي شكلت هدفا لسلطة ياسر عرفات العليلة خصوصا في أواسط التسعينات، عوض خيار الحوار السياسي المتاح). كذلك تنتشر «الحمْدلة» وشكر الله، والحديث عن نكوص قيم الإسلام(العري، والاغتياب، وشرب الخمر، والمنكرات…) بين الفلاحين في شمال المغرب (حيث أقيم) في سنوات الجفاف والقحط.

أتت حين تركنا الجسر تعبيرا وافيا عن تردي وعطالة العقل العربي في زمن الأزمة، وارتكاس ملكة الخيال السياسي والاجتماعي، وخلّد منيف هذه الأزمة باختياره لتجربة جندي سابق ليعرفنا على هذا الوضع الإنساني البائس، رغم أن البدائل متاحة دائما. فالاستبداد، كامتياز تسلّطي عربي مؤسف، يتمثل في الرواية في أوامر القادة لزكي نداوي وزملائه بمغادرة الجسر، وأجده من المنصف أن أقول أنه، أي الاستبداد، لا يستطيع استنزاف بدائل التجربة الاجتماعية، لكن أنِ اختار منيف البله والتيه، كقيمتي الرواية الإبداعيين والاستشرافيين، ينم عن فقر، أراه تشاؤما غير خلاق، ويبقى ذلك مأخذي على الرواية.

اقترح قراء قبلي قراءة للرواية المذكورة شبهوا فيها عمل منيف بعمل إرنست همنجواي الشيخ والبحر[iii] (1952)، الذي أتى مأثرة لأناة وجَلَد السنّ الإنساني المتقدم، لكني أميل إلى اعتبارها نبوغا مُنيفيّا (نسبة إلى مؤلفها منيف) أصيلا مؤسفا، وسأوضح سبب اعتقادي ذاك.

يأبى عقل كل قارئ دنيوي إلا أن يرى في الجسر في عمل منيف ومُثُل العمل الجمعي الذين تأسى الرواية وبطلها على غيابهما، مُثل الإيديولوجية العرقية العربية البائدة. إن مُثل العمل الجمعي، استكمال بناء الجسر الذي سيأتي بعده الخلاص، والذي يأسى ‘زكي نداوي’ على نهايته، أرى فيه رمزا لرومنسية الحراك البروليتاري الجماعي الماركسي، وأجد أنه يبقى اختزالا غير منصف لاختلاف التجربة البشرية وتعددها واحتمالات بدائلها البنّاءة. احتمالات اختزلها منيف في نموذج إصرار ندّاوي الأخرق على اقتناص ملكةٍ (البطة) تستحيل بعد مائتي صفحة بومة بشعة. وأرى أن منيف لا يرى في قَدَرِ الفرد العربي، دون الجماعة، إلا البله والتيه والصّعلكة العقيمة، ما لم ينتم إلى الجماعة من جديد، وهذا ما ينتهي إليه زكي نداوي، ويجد فيه عزاء يُنهي بؤس توحّده: كونية الحزن على الجسر.

إذا تفقدنا زمن نشر الرواية نجد أن محيطها الجيوسياسي شهد حديثا ازدهار الإيديولوجيات العرقية الجمعية (الناصرية)، وكليانيّات الحزب الوحيد (البعثية). أخاطر في وجه اتهامي بالاختزال حين أقول بأن الخيارات السياسية المذكورة نهلت في قدر مهم من تشكيلها من إطار القبيلة أو العشيرة العربية[iv] أولا، كما أنها استدمجت بنيويا، ثانيا، أنماط التسلط الغربية القاتِمة على غرار الستالينية والفاشية[v]، وكذلك بنسف مصداقية المقال برمته حين أضيف بأن هذه صاحب الطرح الأخير ليس إلا المستشرق المتشدد برنارد لويس[vi]، لكني أسجل دقة تشخيصه هنا لهذه الأنظمة.

أرى في اختيار منيف لمناخ الرواية البارد، (المُثلج في آخر الرواية) ولمشاهِد القنص (الدغل الموحش والمستنقع) ثورة على مشاهد الرواية العربية المعتادة: (الحارات المصرية الساخنة عند نجيب محفوظ، وصحاري القوافل عند جرجي زيدان، والأزقة المُتوسّطية الدافئة عند محمد شكري)، وردا للاعتبار للجغرافيا (حتى لا أضيف الديمغرافيا) العربية الباردة المُهمشة (جبال لبنان وأطلس المغرب)، وفي ذلك تطلع نحو كونية أراها مغشوشة: فزكي نداوي اسم عربي لجندي يمارس بعُتهٍ بالغ هواية عربية في مشهد غير عربي نسبيا. وندّاوي مُشتّت وِجدانٍ يحن إلى المُثل الجمعية وذلك صفة عربية لروح العصر آنذاك. وفيما ذكرت (الكونية) فسخٌ لتوشيجي لحنين نداوي للجماعة بروح العصر السياسية والثقافية العربية لحظتها. لكن قراءتي تنهل من واقع أن منيف تأثر، كغيره، بظروف تربيته وتعليمه ونشاطه السياسي ومُقامه، فهو من أب سعودي وأم عراقية، ودرس في الأردن وبغداد والقاهرة ثم في السوربون وبلغاريا، وعاش بعد تفرغه للكتابة، وبعد استقالته من حزب البعث العراقي، في سوريا، لذلك أتى عمله كخندقٍ أخير للبعثية.

أعتقد أن تفكك الإيديولوجيات الإقصائية والاستبدادية المذكورة خطوة جادة نحو تغيير محمود. ولا أحبّد أن يُفهم قصدي ممّا سأقول حجْرا على حرية الإبداع، لكني أرى أيضا في تفككها باعثا على الأمل ارتأى فيه منيف مبلغ الأسف والحزن الدفين الذي أثرى به روايته، وأتحف به قراء شاء هو أن يُصادف زمن نشرها بهم وبحالهم البالغِ الانزواء والانكفاء: كأن الشعب العربي آنذاك، وأكثر من ذلك اليوم، لم يتبق له إلا ترف أدب العبث، وتقزيم احتمالات نجاة الفرد دون الجماعة.

«لقد حطموا القبيلة، ولم يبنوا عوضها أي شيء[vii]» يقول الأديب الجنوب إفريقي آلان باتون في روايته ابك الوطن الحبيب على لسان رجل دين محلي شهد تفكك البنية القبلية الإفريقية إثر الاحتلال الغربي الذي خلف فراغا وجدانيا لا زالت آثاره بادية على شعوب القارة. على نفس المنوال تشظى العراق وخلف التسلط البعثي، فراغا وضعفا سياسيا وأمنيا أدى بشعب العراق إلى السقوط في أحضان التطرف كبديل إيديولوجي وسياسي، أبعد ما يكون عن الأهمية التاريخية للوضع بالعراق. باقتضاب، على الأرض في العراق وسوريا اليوم، جهاز القهر المسيطرِ هناك عبارة عن نسق سلطوي يتغنّى بطُهرانية حضارية، ويعيش على فرضه لذات صدفية بدون روح، ومتهالكة تحتفي بتميزٍ مُفترى عليه. ويتمظهر ذلك في تأبيد سلطة تقبر الخاضعين لها في سفاسف إطالة اللحية، واللباس الشرعي، وفرض مرافقة المحارم، والسنة، والجماعة، ونهج السلف، وشرطة الحِسبة، وقتل المرتد والمخالف، وتأبيد نموذج جمالي كهوية إيديولوجية اجتهد في إحكامها محمد بن عبد الوهاب، وأثرى حضورها تاريخ من الاستبداد الداخلي والحروب و الحصار الخارجي على الشعب العراقي[viii].

إن الشكل القوقعي الفارغ الجوهر لشخصية منيف ‘زكي نداوي’، ذلك الرجل الذي يندب ماض مجيد ساد فيه الإخلاص البالغ للجسر، ورومنسية العمل الجماعي، تصدق عليه مقولة فريدريك نيتشه المُتبصرة المأثورة: «على كل من يجابه الوحوش أن يحذر من أن يصبح وحشا بنفسه، وعندما تحدق في هاوية طويلا، فاعلم أن الهاوية تحدق فيك أيضا[ix]». هوية زكي نداوي المتشظية، التي تلاحق السراب والتي لا تني تكشف عن كونها خاطرة قاتمة، اختار لها منيف سمة الطول، فلا هي ذات نفس رومنسي فنقول إن الرجل تغيّى البعث والإحياء، ولا هي التزام بقضية ما لجمهور متشظّ فزع من المجهول الذي انتظر وينتظر عرب وأمازيغ وأكراد ما بعد 1967، فنقول إنه استطاع تقديم عمل ملتزم ينهل مثلا من إرث شرقي أصيل ككليلة ودمنة كما فعل يوسف فاضل برقةٍ إبداعية فريدة، حسب اعتقادي، في عمله طائر أزرق نادر يحلق معي (2013)، بل إن عمله عبارة عن خاطرة إصرار أعمى. لقد ارتضى منيف للمشرقي في شخص زكي نداوي التحديق الطويل في هاوية السلبية والعجز والتقوقع، فحدقت به تلك الهاوية طويلا.

اقترح قراء آخرون للرواية شبها فيها – قصده منيف- بأعمال جاك لندن وتي. إس. إليوت لإيقاد النار و الرجل الأجوف[x] بالتتابع، لكن بوسع كل حصيف مطلع على سيرة منيف التعليمية، صاحب شهادتي الماستر في القانون، والدكتوراه في اقتصاديّات النفط –أبعد ما يكون عن الأدب العالمي- أن يحدد في عمله أصالة تخيلية أخّاذة تمجد إصرارا أعمى على غرار الرجاء الأجوف الملازم لشخصية جاي غاتسبي في عمل الأمريكي سكوت فيتزجرالد غاتسبي العظيم (1925)، ينتهى بقارئهما في عمل الأول، بغير حكمة تذكر، إلى خلاصة التطلع إلى كونية الحزن على الجسر: «وقبل أن تغيب شمس اليوم الأول كنت قد ضعت في زحام البشر، وبدأت أكتشف الحزن في الوجوه..وتأكدت أن جميع الرجال يعرفون شيئا كثيرا عن الجسر، وأنهم ينتظرون..ينتظرون ليفعلوا شيئا[xi].» وبحكمة بالغة في عمل الأخير بموت غاتسبي[xii].

عوض البدائل المتاحة، اختار منيف لشرقه هوية متشظية تلاحق السراب، فأبى التاريخ إلا أن يجيب تطلع بطله زكي نداوي إلى زمن تلد فيه المشرقيات «أقزاما مجانين يُفنون أنفسهم». لا أقول إن مهمة الإبداع ديداكتيكية من جهة، ولست من مناصري فن يعكس «الواقع» –خاصة وأنه واقع تحدده دعاية المُهيمن- من جهة أخرى، لكنني أعتقد جازما أن حرية الإبداع والمبدعين لا يجب أن تقتصر على ترتيب وتنظيم الانفعالات الجمعية العابرة، بل ينبغي أن تعي أن تلك الحرية مشروطة بالاختيار الواعي لمواضيع الفن وإبداعه، وأن واقع الغد، إن آمن الفرد بأن التاريخ من صنع الإنسان، يُحدّده اختيار اليوم.

إن النوع الأدبي الذي يأخذ على عاتقه مهمة وضع الانفعالات الجمعية في قوالب تتطلع إلى الفنّية يبقى وليد العالم النّمطي، أقصد بذلك العالم السياسي العسكري أساسا الذي تقع الولايات المتحدة على رأسه ويتذيّله العالم العربي، أو على الأرجح هو فيه ضحية تراجيدية تاريخية. والعالم من هذا المنظور ينقسم في فهم الإدارة الأمريكية ووسائل دعايتها الهائلة الإمكانات «إلى 1) قسم شرير، غالبا يقع إلى الشرق، وقسم غربي خيّر، وأن 2) المقياس الحقيقي لخِصّيصة السياسي هي في أخذه بأسباب مواجهة هذا الخير لذلك الشر، وأن 3) القوة العسكرية والاستعداد لاستخدامها هما المحدّد لموازين القوى في العالم. وغير ذلك يعتبر في داخل الولايات المتحدة «انهزامية غير مقبولة»، و4) أن الشرق الأوسط هو مسرح الصراع بين قوى الخير أي الولايات المتحدة وحلفائها وبين الشر المطلق، كل من يقف في وجه المصالح الأمريكية[xiii]». وهذا العالم النمطي مُثبّط للهمم التواقة إلى التغيير، لأنه يجعل من النظرة المذكورة إلى العالم مُسلمة ثابتة.

إن مهمة هذا الجهاز الثقافي الهائل هي تسويق احتكار أمريكا لقيم الخير في هذا العالم، لأنها تتصرف على أساس وعي راسخ بأن هذا العالم ملك لها، وذلك تعبير عن منفعية خبيثة ومقيتة، تدفع بالآخرين، المخالفين لها أساسا، برفق فني –وإن اقتضى الأمر بقسوة عسكرية- عميق(ة) المغزى، نحو تبني قيم مغايرة. فهي تحتفل بكل ما هو خير في الحياة، النزاهة و الانفتاح وريادة روح المبادرة، وتفرض على الغير، كخيار وحيد متاح، الفساد، والتقوقع وموت الخيال السياسي، وما العراق وسوريا اليوم إلا مثال بين عشرات؛ مثال على استدماج ضحية القوة العسكرية والثقافية الأولى في العالم لقيم الموت والتقوقع الإيديولوجي. هذا مثال على العمل السياسي للثقافة الأمريكية: ثقافة من هذا العالم وفيه، وكل ثقافة تتطلع إلى منازعتها قيم الخير يجب أن تكون بروميثية (من بروميثيوس) الطموح دُنيوية الغايات. إنه عمل كثيرا ما نجد تطابقا بين رؤاه ورؤى أعمال أدبية كعمل منيف حين تركنا الجسر، التي يرى البعض في غموضها تجريدا فلسفيا فريدا.

من البديهي أن وسائل هذه الدعاية ليست صورا نمطية في قوالب فنية فقط، بل تتضمن أيضا تحليلات خبراء الإرهاب، وكتب دعاية، وروايات وأفلام ترقى فيها العنصرية والتنميط أحيانا إلى مستوى السخافة، وسآخذ هنا مثالا بين كثيرين لأدلّل على تهافت هذه الدعاية. في مارس 2015 سجل الجهبذ الأمريكي و طالب الدكتوراه في جامعة برينستون، شعبة دراسات الشرق الأدنى كول بونزل سبقا صحفيا عندما قدم لمدونة «جيهاديكا» على الإنترنت ورقة تم لاحقا تبنيها من قبل مؤسسة «مشروع بروكينغز للعلاقات الأمريكية بالعالم الإسلامي»- التي تقول عن مهمتها على موقعها على الإنترنت أنها «مؤسسة ترعى مناسبات، ومشاريع بحث، و منشورات بغرض التوعية ونشر قيم الحوار وبناء الشراكات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي» – بعنوان «حول إيديولوجية الدولة الإسلامية: من دولة على الورق إلى خلافة»، ساق فيها بونزل (بأناقة أكاديمية لا نجدها إلا عند خبراء الإرهاب الأمريكيين، و بتألق الشاب الخبير والمستشرق الطموح، والذي يذكر بمقولة دزرائيلي الحكيمة كلما تعلق الأمر بالنبوغ الاستشراقي الغربي: «الشرق مشوار عمل») سردا لتاريخ الدولة الإسلامية وإيديولوجيتها الفتاكة. يقول بونزل في تقديمه لورقته بعد أن أشار بسخاء إلى الغموض الذي يكتنف الجماعة، ثلاث مرات في حوالي عشرة أسطر، بأن الجماعة تبدو وكأنها خرجت من العدم، ويضيف في نفس الصفحة بأن ظهور الجماعة أتى «مفاجئا وغير متوقع». هذا الإصرار على تقديم الطبيعة العِفريتية للدولة الإسلامية في البداية يكشف عن أفق توقع قارئ بونزل، المتخصص في الإرهاب، وهو تغييب مقصود للعوامل التاريخية الفاعلة في الشرق الأوسط المتأخر: يتتبع بونزل بصبر معهود في خُبراء الإرهاب، نشوء الدولة الإسلامية من النصوص السنية المتطرفة التي لا يألوا جهدا في بترها من سياقاتها التاريخية الجدباء التي ازدهرت فيها، إلى التحقق التاريخي لهذه النصوص في الشرق الأوسط اليوم. إن الدولة الإسلامية، يقول بونزل، تنهل من تراث شيوخ الإسلام كالعربيين ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، والفلسطيني عبد الله عزام، والأردني أبو محمد المقدسي؛ والأخير هو حلقة الوصل بين العقيدة والممارسة، إذ على يديه تتلمذ عُتاة إمارة القاعدة في العراق الذين نشطوا سنة 2006 على الخصوص. ولا يألو بونزل جهدا في مقارنة عقيدة (مبدأ) السلفية الجهادية من الخلافة بنفس الفكرة كهدف سياسي منظور لنشاط الإخوان المسلمين في مصر، الذين لاقوا، رفقة فرعهم في فلسطين حركة حماس، التقتيل والتكفير من قبل سلفيّي الجهاد الحديثي العهد بالسلطة، أي جهاديي الدولة الإسلامية.

إن فن الدعاية كما حددته سابقا غالبا يُبدع في طرق إرباك وإلهاء العقل عن ما يحدث حوله، ويعوض عن ذلك بزخم معلوماتي، وسعة معرفية يتغيّى مهندسوهما التغطية على ما يقع حقا، فقد اجتهد بونزل أيما اجتهاد في التغطية على الأسباب الرئيسة التي دفعت العراقيين إلى الرضى بالعيش تحت إجحاف تنظيم الدولة كخيار سياسي، وقدم الدولة كخيار ونتيجة محليتين لا علاقة لهما بسياق مغيب إعلاميا تماما. لنلق نظرة على الجانب الآخر من التاريخ، الجانب المُغيّب إعلاميا اليوم، والذي يكشف عن ضلوع القوى الغربية في تقوية شعور السخط لدى الشعب العراقي الذي تُرك دون بديل صائب فريسة للإرهاب: تاريخ العراق المتأخر. ففي خطوة اعتباطية كإجراء أرعن معهود لدى الديكتاتوريات العربية من قبيل الأسد والقذافي، أعلن الرئيس العراقي صدام حسين الحرب على إيران في الثاني والعشرين من شتنبر 1980، هي الحرب التي امتدت ثماني سنوات. كانت إيران وقتذاك ثورة فتية قامت سنة 1979، أي عام قبل اندلاع الحرب، وكانت في وضع لم تستقر بعد. كلفت الحرب، التي دعمتها العربية السعودية والكويت والولايات المتحدة، الجانبين نصف مليون جندي، وصُرف على مستلزماتها أكثر من 228 بليون دولار( معدات لوجيستيكية وأسلحة…)، وخسر الطرفان ما يقدر عدده ب 400 بليون دولار كأضرار جانبية للحرب، معظمها من ترسانة الجيش العراقي. هذا الإنفاق السخي من جانب صدام كان لأجل حفظ السيادة العراقية على نهر شط العرب، و الذي سيتنازل عنه سنة 1988 لصالح إيران مجددا حتى يضمن بقاءها على الحياد في حرب الخليج الأولى[xiv].

بعد حرب الاستنزاف هذه، وفي خطوة لا تقل جنونا ورعونة عن سابقتها اجتاح صدام الكويت في الثاني من غشت سنة 1991، وانتهت مغامرته بعد سبعة أشهر، وبعد تدخل قوات جوية دولية في 28 فبراير من 1991، على إثر ذلك و بعد هزيمة صدام قدم مجلس الأمن الدولي حُزمة شروط وقف إطلاق النار التي شملت حظر مبيعات النفط العراقية. على مستوى الخسائر البشرية، قُدر عدد الجنود العراقيين القتلى ب25 ألف والجرحى في 75 ألف، وحصد الحصار، ونقص موارد الحياة الأساسية كالماء والدواء والغذاء ما يقارب 100 ألف، بينما تجاوز عدد ضحايا الحصار في العقد اللاحق أكثر من مليون عراقي. كهامش لما أقول، لم يتوقف القصف الأمريكي على العراق منذ ذلك الحين، ولم يحظ بأي تغطية إعلامية.

لقد كانت «عاصفة الصحراء» كما أطلق عليها عملية تحرير للكويت، لكنها احتفظت بسمة ستلازم السياسة الخارجية الأمريكية منذ ذلك الحين، خاصة في ظل الظروف الدولية المحيطة (انهيار الاتحاد السوفيتي) كلما تعلق الأمر بالشرق الأوسط؛ سمة احتكار الجشع على مستوى دولي، والذي سيتفنّن الأمريكيون في إتقانه لاحقا مع جورج بوش الإبن، يكفي في هذا الصدد، كحافز فعلي للتدخل الأمريكي البريطاني، أن نعرف أن احتياط الكويت من النفط العالمي كان يصل إلى 20[xv]% .

«نصف مليون طفل عراقي قضوا جراء الحصار الذي تشرف عليه مجموعة منتقاة تدعى «اللجنة 661» منذ 1991، استقال ثلاثة مسؤولين بالأمم المتحدة احتجاجا، بينما يستمر قصف العراق بشكل يومي»: كانت هذه مقدمة لمقال مسهب في صحيفة الإندبندنت البريطانية سنة 2000 بعنوان «مسحوقون حتى الموت[xvi]»، والذي تحول إلى فيلم وثائقي للصحفي البريطاني المُقتدر، الأسترالي الأصل، جون بّيلجر بعنوان «دفعُ الثمن: اغتيال أطفال العراق[xvii]». حدّد بيلجر في هذا المقال الوجه الخفي للحصار حيث شريحة مهمة من الشعب العراقي، شكلت ذات يوم طبقة وسطى قوية، تعيش على بيع أثاث وممتلكات بيوتها، وحيث تنعدم أدوية العلاج الأولي وآليات التطبيب في مستشفيات كبرى ببغداد بدعوى أنها قد تستخدم في برنامج أسلحة الدمار الشامل الذي ينجزه صدام، يقول بيلجر: عندما واجهت الأمين العام الأممي كوفي عنان بالواقع المزري للحياة في العراق أجابني «أرجوك لا تحكم علينا بما يحصل في العراق»، من المؤلم أن جواب عنان كان أكثر لباقة من جواب سيكريتيرة الخارجية الأمريكية آنذاك مادلين أولبرايت التي أجابت على سؤال إن كان موت نصف مليون طفل عراقي ثمن يستحق الدفع، بالإيجاب. ولم يختلف كثيرا رد سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة آنذاك بيل ريتشاردسون على أسئلة الصحفية المقتدرة بشبكة «الديمقراطية الآن» آيمي غودمان بأن سياسة الحصار مبررة وصحيحة لأنها تصدر عن الأمم المتحدة وبدعم تام من إدارة الولايات المتحدة، هذا في حين أن جورج بوش الأب وتوني بلير أكدا تِباعا للإعلام الدولي أن دولتيهما ليستا في حرب مع الشعب العراقي، فما الذي يستحق تسمية الحرب يا تُرى!

تدهوَرَ التمدرس بسبب الأبنية المدمرة، وانعدام مواد البناء، وقطع غيار آليات البناء، وآليات الفلاحة، ومُنع وصول الكتب لأطفال العراق تحت ضغط لجنة العقوبات، وانتشرت الأوبئة جراء الانكِشاف والتدمير الذي لحق بنظام الصرف الصحي، وانعدم الماء الشّرُوب في مناطق كمدينة البصرة حيث كشف تقرير طبي عن إصابة وموت عدد من الأطفال والبالغين واحتمال إصابة ساكنة المنطقة بمواد مُسرطِنة من الآبار المدمرة جراء القصف المستمر. العقوبات (الحصار) شملت أيضا، وكما عددها بيلجر، أدوية لقاح الأطفال، بدعوى أن موادها قد تستعمل في مشروع صدام لأسلحة الدمار الشامل، وسيارات الإسعاف، والصابون والورق والكتب ومصابيح الكهرباء والدواء والاتصال بالخارج ومخدر الجراحة…

يحكي جون بيلجر عن حادثة وقعت له أثناء إعداده لفيلمه الوثائقي القوي «دفع الثمن: قتل أطفال العراق»، يقول بأنه أثناء إقامته في فندق ‘فلسطين’ الذي كان ذات يوم معلمة سياحية ذات خمس نجوم، وأضحى خرابا، طلب من نادلٍ كأس قهوة، وفوجئ به ينتظر إنهاءه لقهوته، ولما استعلم عن السبب أُخبر أن ندرة الكؤوس جراء الحصار هي السبب. وكان رد مسؤول أمريكي سنة 1999 على ممارسات الانتقام من الشعب العراقي هذه، باسم منع صدام من امتلاك أسلحة الدمار الشامل المذكورة آنفا، أنه «ما دام بإمكاننا العبث والتسلي بمجلس الأمن وإبقاء الأمور على حالها، كان ذلك أفضل». هذا المستوى من البؤس والانحطاط اللاإنساني الملازم لمهندسي السياسة الأمريكية، والذي يُقدمون عليه في غفلة، أو على الأرجح بتواطؤ الإعلام على مستوى دولي لا يني يكشف عن تواطؤ الثقافة الأمريكية عموما. من هذا الصنف يبرع أمثال خبير الإرهاب الذي بين أيدينا كول بونزل في تورية التاريخ، وتجديد المعجم الللغوي للغزو. فقد اجتهد بونزل في التفصيل في أسباب تطرف الشعب العراقي ولم يتورع عن عزوِ ظهور تنظيم شقي كالدولة الإسلامية إلى إيديولوجيات التطرف من ابن تيمية مرورا بابن عبد الوهاب وحسن البنا، وانتهاء بأبي محمد المقدسي، كعامل وحيد لفهم الوضع بالشرق الأوسط اليوم. أما عوامل تاريخٍ من القهر، والتجويع، ومنع وصول الأدوية والكتب والغداء وآليات الفلاحة… المفروض أساسا من قبل مؤسسات «بيضاء» كالأمم المتحدة (كأحد أبرز عوامل التطرف) فيغيّبُ تماما، ليفتح الباب لخبراء أمثال بونزل بالتحري وببسط نتائج تحريهم أمام القارئ الدولي مغلفٍ بادعاءَيْ «نزاهة» و «موضوعية» البحث عن الحقيقة تبعا لمقاييس «أكاديمية علمية»، حتى لو اقتضى الأمر الخوض الجاد، والسيئ النوايا، في تراث بحجم التراث السني.

إن سياسات مؤسسات بيضاء كالأمم المتحدة تكشف في مواضع تاريخية متعددة أنها وضعت لخدمة الإنسان الأبيض، أما عندما يتعلق الأمر بالإنسان الأسمر والأسود فهم دون مستوى الاعتبار الإنساني والكرامة الإنسانية. من المضحك المُبكي أن الأمر تطلب أكثر من عقد ليدرك المسؤولون في إدارة جورج بوش الأب، وبعده بيل كلينتون وتوني بلير أن الحصار لم يؤت أكله في إضعاف قبضة صدام على السلطة. ولعل أفضل دليل على دموية نوايا الإدارة الأمريكية بعد الرئيسين المذكورين رفقة رئيس الوزراء أن بوش الابن ترجم لاحقا هذا الإدراك العديم الإحساس عندما لم يكتف بتدمير العراق، بل أصر على إيذاء الروح العراقية (بتدمير المتاحف ونهبها، وحرق المكتبات، وتدمير دور الأوركسترا، وتزوير التاريخ…) وامتهان كرامة جسدها، وإحلال الألم حيثما وطئت أقدام جنوده. والمحزن حقا في هذا كله أن أشباه القادة على المنوال الفاشي مثل صدام حسين يلقون تهليلا شعبيا مثيرا للغثيان، فقد شهدت التسعينيات تمجيدا لرعونة صدام حسين خلده «فنانون» متواضعوا الفهم والإدراك مثل الجزائريين محمد المازوني[xviii]، والشاب حسني والشاب الزهواني، ولقي لغطهم إقبالا واسعا.

هكذا اكتسبت الولايات المتحدة خبرة في صنع حلفاء لغايات حينية معينة، وتصيّدهم لاحقا في المجارير كما وقع لصدام وفي الإقامات الخاصة كما حدث لمشؤوم الذكر أسامة بن لادن، لقد استنزفوا استبداد السّنّة في الشرق الأوسط، وأتى الدور اليوم على الشيعة والأكراد الذين خذلتهم أمريكا وبريطانيا يوم حثتهم على الثور على صدام علنا، ووقفت إلى جانبه بالدعم السياسي والعسكري سرا.

يُشهد لجل الأمريكيين بالتغاضي عن تهافت إعلامهم وثقافتهم وانبطاحهما أمام خبث دولتهم السياسي ومروق ممارساتها. فمثلا رغم الواقع المؤسف على الأرض في العراق، لم يتورع المحلل السياسي الأمريكي دايفيد رييف عن السؤال «هل كان خيار الحصار سليما[xix]؟» في مقالة بمجلة نيويورك تايمز سنة 2003، حيث قدم وجهتي النظر الأمريكية والبريطانية من خطوة الحصار بإسهاب، وأجده شحيحا عندما يتحدث عن وجهة نظر الشعب العراقي التعيس، نظرا إلى أنه شاهد الوضع هناك عن قرب، بينما يفرط في وصف «مشاعر» المسؤولين الأمريكيين تجاه القضية، ويحرص على الإفراط في التفصيل كذلك في «نفورهم المبدئي» من فكرة الحصار، ويُسهِب في الظروف التي «اضطرتهم» لاختياره، ولا أجحف في وصف مقاله بالغير شجاع والمضطرب في مناح عدة، أقول ذلك لأن وقع الحصار على العراقي والعراقية كان له كبير الأثر في تقبل استبداد صدام، الذي تحاشى ذكره، وبعد ذلك في يأس هذا الشعب الصبور من كل شيء غربي، ولعل أفضل تمظهر لذلك تقبل العراقي والعراقية اليوم لمسخ سياسي جاثم على الصدر إسمه الدولة الإسلامية.

اخترت أن أذكر بشكل عابر غزو العراق الأخير من قبل قوات التحالف (أساسا أمريكا وبريطانيا) سنة 2003 ونتائجه في جزأ لأننا حديثوا العهد به، وفي جزأ موالٍ لأنني، وإن بإيجاز، سبق أن ألمحت إلى ذلك في تحليلي لفيلم بول غرينغراس، وأجده من المُسلم به أن أقول بأن خُبراء الإرهاب أمثال بونزل هم أقرب إلى المسخ السياسي الذي أرسوا أرضية مبادرة بنائه، ولذلك فهم أكثر الناس معرفة به، وأحيل قرائي هنا على عمله «إيديولوجية الدولة الإسلامية[xx]»، وكذلك على عمل الصحفي، المعروف بحماسه المُتوهج أبداً على الشاشات، وكذلك بإصراره على وسم اسم شقي كأسامة بن لادن، حيثما وأينما واتت فرصة ذكره، تبجيلا على الأرجح، ب«الشيخ»، عبد الباري عطوان عن مؤسسة «دار الساقي» الدولة الإسلامية[xxi] (2015). انتظرت من عطوان أن يخوض أكثر في استبداد صدام، وأن يعزو ازدهار الإرهاب إلى جذوره الخبيثة الثلاثة: 1) رعونة صدام واستبداده، و2) عقد من الحصار المفروض من قبل الأمم المتحدة بضغط أمريكي بريطاني، و3) عقود من الحروب، وكلها استنزفت العراقيين، وامتهنت كرامتهم، وقتلت جذوة الأمل في غد أفضل في ذاكرتهم ووجدانهم الجمعي(ت)ين، بدل تذكير قرائه بما دعاه «حدة ودموية الشخصية العراقية[xxii]».

يوجد على الانترنت اليوم أعمال أخرى لمختبرات بحث إسرائيلية وأمريكية وبريطانية ك«مركز التواصل الاستخباراتي والتراث الإسرائيلي»، و«مؤسسة توني بلير للإيمان»، و «مؤسسة واشنطن للبحث»، و «مدونة الاطلاع على التهديد»، و«مؤسسة مشروع كلاريون»[xxiii] الغير ربحية، إضافة إلى مقالات، ووثائقيات أيضا، مُسهبة تهدف بالأساس إلى تعريف المشاهد والقارئ بتاريخ مغشوش للشرق الأوسط المتأخر، أذكر على سبيل المثال مقالة في مجلة أتلانتيك بعنوان «ماذا تريد داعش حقا[xxiv]»، نُشرت في مارس 2015، وأخرى في موقع هافّينجتون بّوست بعنوان «لا يمكنك أن تفهم داعش ما لم تكن على دراية بالوهابية في العربية السعودية[xxv]» بتاريخ 27 غشت 2014. والحق أنها كلها بحوث و مقالات مُسهَبَة برعت في تقصي جنيالوجيا الدولة الإسلامية في التراث السني وفصّلت في تطورها عن السلفية الجهادية، وفي طموحاتها التوسعية، وتهديدها للسلم العالمي. لكن عمل هذه البحوث والمقالات الأساس يتمثل في أنها تنجح إلى حد الآن في التعتيم على الرأي العام الدولي حول الدور الأمريكي البريطاني كقوتين تاريخيتين غاشمتين دفعتا، منذ نهاية حرب العراق وإيران، بالشعب العراقي إلى أحضان التطرف تحت الذريعتين اللتيْنِ أثبت التاريخ كذبهما، وهما: 1) منع انتشار أسلحة الدمار الشامل و2) محاربة الإرهاب. لا أريد لما أقول أن يُفهم على أنه عذر لتقبل الإرهاب في أوساط السوريين والعراقيين، لكنني أريد أن أُأكّد على الدور التاريخي لأمريكا وبريطانيا والأمم المتحدة في دفع الشعبين العراقي والسوري دفعا بالقوة الغاشمة نحو تقبل الإرهاب اللقيط المتعدد الجنسيات، كآخر ملاذ من عقودٍ من الألم والتجويع وامتهان الكرامة.

لعل الكلمة الإنجليزية Radicalization الرائجة الاستعمال اليوم، كوصف لمسار تبني الأفراد للتطرف والعمل الإرهابي، أفضل مُعبر عن ذلك المسار من الألم الذي أجبر الشعب العراقي على تجرّعه قطرة قطرة، على مدى ثلاثة عقود ونصف، ويبقى هذا التأويل العاقل لوضع الوجدان والمزاج العراقيين اليوم.

غزو العراق سنة 2003 كان رصاصة الرحمة بالنسبة لنظام صدام حسين الذي كان قد أنهكه الحصار، ولم يتطلب أمر إخضاع نظامه وتفتيته أكثر من ثلاث شهور، ورغم جرائم الحرب البيّنة، والاغتصاب، والتعذيب وامتهان الكرامة التي وصلت حدا معيبا وبشعا مع فضيحة سجن أبو غريب، إلا أن مقالات موسوعات على الإنترنت ذات صيت أكاديمي محترم ك «قناة التاريخ» و «بريطانيكا» تقدّمان رصدا خجولا لما جرى على الأرض في العراق. فمدخل «حرب العراق 2003-2011» على موسوعة «بريطانيكا» مثلا يقسّم مسار الحرب إلى خمس مقاطع نذكّر بها هنا باقتضاب: أولا «مقدمة للحرب» تضع غزو 2003 في سياق العقد السابق عليه من اجتياح الكويت إلى فرض الحصار وصعود نجم الشعارين والاتّهامين المقدّمين كمبرر للغزو «منع انتشار أسلحة الدمار الشامل» و «صِلات نظام صدام بالقاعدة (الحرب على الإرهاب)» والذين أثبتت التحقيقات لاحقا عدم صحتهما.

ثانيا «صراع 2003» الذي يفصّل في تطور أطوار الغزو ومقاومة الحرس الرئاسي وفدائيي صدام له، والتي انهزمت في بداية أبريل من نفس السنة، ليعلن جورج بوش فوز الحلف في فاتح ماي لاحقا.

ثالثا «الاحتلال واستمرار الحرب»، ورابعا «حرب مثيرة للجدل»، وخامسا «التحول». الجزء الرابع المسمى «حرب مثيرة للجدل» والذي يتوقع منه كل قارئ صائب الرأي أن يخاطب سادية الجنود الأمريكيين، ودموية نوايا إدارة بوش المثيرين للجدل حقا، لم يتورّع عن وصف خلافات جانبية تافهة في إدارة بوش حول غزو العراق بالمثيرة للجدل، بينما حظي حدث على قدر كبير من القهر و الألم، وكذلك الأهمية السياسية والتاريخية للشعب العراقي كفضيحة سجن أبوغريب، (الذي حدد نوع المهمة الأمريكية في العراق على نحو لا مراء فيه، وهي مزيد من الإذلال، والتعذيب، والتجويع للعراقي والعراقية)، بسطر يتيم ذكرت فيه الموسوعة كلمة «تجاوزات[xxvi]» كوصف لجرائم الجنود الأمريكيين واكتفت بذلك، كأن حقوق الإنسان حِكرٌ على الإنسان الأبيض، فقد أثبت التاريخ المتأخر للعراق أن مؤسسات بيضاء كالأمم المتحدة ما فتئت تثبت صحة هذا الطرح. ولا تني الثقافة البيضاء ومؤسساتها من قبيل مراكز البحث، والموسوعات والمدونات كما رأينا تكشف عن ذلك التحيز المقيت والضيق الأفق ضد الإنسان الأسمر. إنها تحاول باستمرار عبثا التغطية على التاريخ الفعلي المتأخر للشرق الأوسط، وتبرئة ذمة بريطانيا وأمريكا والأمم المتحدة من تدهور الوضع في العراق الذي أدى إلى تسيّد سفاكين على الشعبين السوري والعراقي. ويتكفل بهذه التغطية أمثال كول بونزل الذين يعزون العنف والإرهاب إلى تركيب فطري إسلامي عربي.

لعل أبلغ صورة عن حقيقة مهمة الأمريكيين في العراق كان تسريب «ويكيليكس» لفيديو يتكون من مقطعين عن طريق عريف القوات الخاصة بالجيش الأمريكي برادلي مانينغ. ويظهر مقطع الفيديو الأول مصور صحفي عراقي يدعى نمير نور الدين ومساعده سعيد شماخ في يوم مشمس خلال شهر يوليوز سنة 2007 ببغداد، الذين كانا يعملان لصالح وكالة الأنباء رويترز، يتقدمان صوب آلية للجيش الأمريكي في زقاق بوسط بغداد مرفوقين بعدد من المدنيين العراقيين يبلغ عددهم ثمانية، انتابهم الفضول لمعرفة قصة الآلية. في تلك الأثناء كانت مروحية تابعة للجيش الأمريكي في محيط المكان؛ فرقة الجنود بالمروحية يعرفون عن أنفسهم في الفيديو بأنهم فرقة «كريزي هورس (الفرس المجنون) 1-8»، توهموا في كاميرا نمير نور الدين قذيفة آ ربي جي، وطلبوا إذن مركز قاعدة الجيش الأمريكي ببغداد المسمى «بوش ماستر 7» للاشتباك، وحصلوا عليه ليخلفوا 7 قتلى على الفور، وجريح يزحف على الأرض طلبا للنجاة هو سعيد شماخ، ليعودوا بعد ذلك بلحظات لقتله، وإنهاء المهمة في خرق سافر لاتفاقات الحرب، أو هو الغزو الدولي، ولكل أعراف التصرف الإنساني.

في المشهد الثاني الذي لا يقل دموية عن الأول يُظهر الفيديو صاحب المنزل حيث وقعت المجزرة الذي خرج ليساعد الجريح للصعود إلى عربة عائلية تعود إلى ضيوفٍ ببيته لقيادة الجريح إلى أقرب مستشفى. وتُفاجأ الجماعة ومن ضمنها طفلين بوابل من الرصاص أتى على حياة الأب والجريح ومساعديه[xxvii]. كيف لإنسان صائب الحكم أن لا يسمي هذا إرهابا؟ إن هذا في الواقع يكشف عن إصرار مسبق لدى مجرمي الحرب من الإدارة والجيش الأمريكيين، وكذلك مؤسساتهم الثقافية على تدمير الشعوب تحت ذريعة إحلال الديمقراطية والحرية، كأن العراق اليوم واحة للشعارين معا.

إن لكل عاقل اليوم أن يتأمل تاريخ الاستبداد الداخلي مرفوقا بالدعم والتآمر الخارجيين كامتياز سياسي، وأُسجل خجلي الشديد من وسمه بالسياسي، عربي مؤسف، وضلاله كخيار ل«شرعية» سياسية بديلة عن إرادة الشعوب.

وإلى اليوم لم يخطر ببال الإدارة الأمريكية الاعتذار عن غزو العراق الذي أثبتت الحقائق، بما لا يقبل الشك، كذب وزور أسبابه. بل لا يبدو في الأفق أمل في تغييرها لجورها الخارجي، فما دام أمثال كول بونزل و غريم وُود وديفيد رييف، ومهندسي تحرير مجلتي Foreign Policy و Commentary، يدبجون مقالات تنهل من الخيال الإمبريالي الجشع، وتواري التاريخ الأمريكي الدموي، فإن الثقافة هناك ستبقى مهتوكة العرض منبطحة الميول تشارك القوة الغاشمة فراش التآمر.

[i] – الكوميديا الداكنة :(Black Comedy) تحيل على عمل يتخذ من مواضيع جادة أو محل جدل موضوعا للسخرية.

[ii]Green Zone. Dir. Paul Greengrass. Working Title Films. Per. Matt Daimon, Khaled Abdalla, and Yigal Naor. 2010.

— كان الراحل جورج طرابيشي صاحب هذه الملاحظة النبيهة. (أنظر المقال في الهامش رقم 10).[iii]

– أنظر عمل هشام شرابي: مقدمات لدراسة المجتمع العربي. الدار المتحدة للنشر. بيروت، 1984.[iv]

– وإطار القبيلة التنظيمي الجمعي والاستبدادي بالفرد، الذي على منواله تشكلت الدولة العربية المتأخرة، حتى لا أصفها ب(الحديثة)، كان موضوعة بحث للأنثروبولوجي الفلسطيني هشام شرابي، وأسجل هنا إهمال شرابي لتأسي هذه الأنظمة بالأنظمة الكليانية الغربية، كما أذكر أن مثاله المفضل كان «ليبيا القذافي»، و يصعب تحديد الشبه فيها بأي نظام غربي، لأنها كانت «جماهيرية»، ويبدو أن لا أحد يدري بالتحديد ما هي الجماهيرية، وأكتفي بالقول أنها أي ليبيا، كمثال لتأسي الأنظمة العربية بالقبيلة عند شرابي، أنني أجدها دقيقة. أذكر أيضا أن عمل عبد الله حمدي الشيخ والمريد أعاد النظر في نسق التسلط العربي بتبصر نادر تجاوز عمل شرابي، للمزيد اطّلع على كتاب حمودي المذكور.

5 في استجواب له مع مجلة «فرونتلاين» يقول سعيد أبوالريش، الذي عمل في السبعينات كمستشار للشؤون الأمريكية لصالح الحكومة العراقية، بأن صدام حسين كان يحتفظ بمكتبة كاملة عن ستالين.

أنظر: « Secrets of His Life and Leadership ». Frontline.

– أنظر مقاله: «الإسلام والديمقراطية الليبرالية». (من ترجمتي، سيصدر قريبا).[vi]

[vii] – أنظر: Paton, Alan. Cry, the Beloved Country. Penguin Books: London. 1948.

[viii]– Vice News. the Islamic State. December 26, 2014.

[ix] Nietzche. Friedrich. Trs Walter Kayfman. Beyond Good and Evil. Vintage Books: New York. 1966. (Aphorism 146, p 89).

[x] – Abu Baker, Ahmad. “The Question of Identity in Munif’s When We Left the Bridge”. Studies in Literature and Language. Vol. 1, No 6, 2010. Pp 52-61.

يتضمن مقال البروفيسور أبوبكر أحمد هذا تحليلا ضعيفا عبارة عن إعادة رصد لأهم مجريات الرواية. تحليل فشل في ربط الرواية بتجربة الكتابة عند عبد الرحمان منيف التي ابتدأت برصد تفاصيل حياة الفرد العربي الخنوع لسلطة قاهرة تضلله، واتسعت لتشمل الجماعة في أعماله المتأخرة. أتى تحليل أبو بكر مرتبكا غامضا يعتمد نقدا، إن صح نعتي له بذلك، يفتقر إلى أصالة الأفكار، مُشبع بحبور اكتشاف شبه للرواية بنماذج غربية لكتاب كلندن وإليوت وكونراد… هذا دون ذكر ارتباك إنجليزية المقال وخجلها الشديد الذي تتخلله تلميحات تنشد الجسارة ك “داروينية المشهد،  وعناصر الخلق (الماء والغبار…)”. تلميحات تستهدف على الأرجح تذكير وتر التهويل لدى القارئ بسعة معرفة المؤلف، لتغطي على هدفه المذكور أولا وهو ترجمة مقاطع من الرواية «حتى يشعر قراءه (من غير العرب أساسا) كأنما قرأوا الرواية حقا»، ترجمةٌ كان الأحرى به أن يتجه إليها رأسا، عوض أن يدبّج مقالا مع مقاطع مترجمة كأنما يملك مفاتيح مخازن الكنز الشرقية، ويكشف عنها بالتدريج تشويقا لقارئه. يضاف إلى ذلك الطابع الكسيح للهامش اليتيم في مقاله الذي انتهز فرصة ظهوره ليشير إلى حقيقة بديهية «أن الجماهير تدفع ثمن أخطاء القادة» وليحيل فقط –هدفه الأساس- على خبرة أبوبكر، وغزارة إنتاجه في موضوعة العقم. هامش يتيم (الثاني في المقال) إذا استثنينا الأول الذي كان فرصة للتعرف على أبوبكر وعلى اهتماماته. هذا دون ذكر بتره بترا لمقاطع من مفكرين وأدباء مختلفي المسارب، افتُرض فيها من قبل أبوبكر أن تقدم شواهد على تنوع مصادره، لكنها تُبدي افتقاره الشديد إلى الاتّساق والتكامل.

[xi]– عبد الرحمان منيف. حين تركنا الجسر. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت. (ص 213 من طبعة 1987)

[xii]– أنظر: Fitzgerlad, Scott. The Great Gatsby. Planet Books. Com (first published in1925).

[xiii] – أنظر: Halper, Stefan; Clarke, Jonathan. America Alone : the Neo-Conservatives and the Golbal Order. Cambridge: Cambridge Univ. Press. 2004.

[xiv]– Cowley, Roberts & Parker Geoffrey. The Reader’s Companion to Military History. HMH Pub. Company: (as cited in History Channel Website). Accessed in May 5, 2016.

[xv] « Iraq Invades Kuwait ». History Channel Website. August 2, 1990.

[xvi] – John Pilger. “Squeezed to Death”. Guardian, March 4, 2000.

[xvii] – انظر الفيلم الوثائقي:

-John Pilger. Paying the Price: Killing the Children of Iraq. Johnpilger.com. 2000.

[xviii] – أذكر بوضوح وأنا طفل أغنية المازوني التي اشتهرت في التسعينات بين شباب المغرب الكبير. يقول المغني في لازمتها:

«زطم زطم ياصدام، حنا معلك للأمام: والبترول راه طلع والمريكان تزعزع وإسرائيل تمّا تنام»

(تقدم تقدم ياصدام، نحن معك إلى الأمام: ثمن البترول زاد، وأمريكا تزعزعت وإسرائيل هناك تنام)

-ملحوظة: الأغنية متوفرة على الانترنت.

[xix] David Reff. « Were Sanctions Right ? ». the New York Times. July 27, 2003.

[xx] – أنظر: Cole, Bunzel. « From Paper State to Caliphate : the Ideology of the Islamic State ». The Brookings Project on U.S. Relations with the Islamic World. No. 19, March 2015.

[xxi] أنظر: عطوان عبد الباري. الدولة الإسلامية. دار الساقي: بيروت. 2015.

[xxii] — يتأسى عبد الباري عطوان هنا بدراسة الأستاذ العراقي المقتدر علي حسن الوردي، ويحشر تعبير الوردي «دموية الشخصية العراقية عبر التاريخ» كدليل على «عنفٍ فطري» كهوية للعراقي والعراقية، ليناقض نصه الذي قدم في موقع آخر (الصفحات 18 و 19) العدد الحصري لمقاتلي ما يسمى «الدولة الإسلامية» بجنسياتهم: التونسية، الأوروبية، الفلسطينية… وكأني به يعزو جرائم «الدولة الإسلامية» إلى الشعب العراقي «الحاد والدموي» لوحده، وليس إلى لُقطاء الإجرام الدولي. فسيرا على تشريح ابن خلدون لشخصية الأعرابي التي دعاها بالدموية ومجّد فيها خصال تبجيل الجار والكرم وغيرها من الصفات الحميدة التي رأى أنها تنتفي في مجتمعات التصنيع والإبداع الخانعة، نجد الدكتور الوردي، الذي أبعد تحليل ابن خلدون عن الصواب فيما يتعلق بوثاقة صلة فكرته تلك بزمان محاضرته ومجتمع عراق أوائل الخمسينات، أفضل دليل على انتفاء صفة الدموية في العراقي والعراقية. إضافة إلى ذلك يشهد الصحفيين الأمريكيين ديفيد رييف وجون بيلجر كاتبا المقالين المذكورين أعلاه أن العراق كان على عهد صدام أكثر بلد عربي به طبقة وسطى برجوازية متمدنة، وهذه خير شهادة على أن العراق ليس بلدا دمويا منحوسا كما يصر على ذلك أشباه المثقفين وأئمة البلاطات الذين يتحجّجون بمقولة مشؤومة تنسب إلى النبي محمد ومفادها «أعوذ بالله، كرب وبلاء،الفتنة ها هنا إلى أن تقوم الساعة». ويزعم أنصار العنف وخبراء الإرهاب أن النبي قالها بعد أن أُجيب بأن اسم البلد هو كربلاء أثناء رحلة مرور له به. كان الأحرى بالصحفي عطوان أن يحيل على شك الأستاذ علي الوردي من استنتاجاته التي يكررها في غيرما موضع من بحثه، أو الأحرى محاضرته التي أمِل أن يعمل باحثون عراقيون بعده على تجويدها. والحق أن محتوى عمل الوردي هو نقد لاذع للطابع البطريركي للتشكيل العائلي العراقي، وكيف ينزع إلى تبجيل الفحولة التي تصبح مدعاة للتفرقة والتعصب، وذلك إلى حد بعيد واقع العراق اليوم، وليس وسم العراقي بالدموي. ولعل الحلول التي يقترحها الوردي للشخصية العراقية تخبر عن هدف الرجل من المحاضرة وهو: 1) ضرورة إلحاق المرأة بركب الحضارة، و 2) إعادة النظر في أُبهة اللغة العربية الزائفة وخطابتها التي أصبحت عالة على المُتعلم والباحث العربي، وهو طرح نجده كذلك عند المفكر المغربي عبد الله العروي، و 3) إعادة النظر في أسس ومناهج التربية البيتية والمدرسية. للاطلاع أكثر على مفهومي «حدة» العراقي و «دمويته» في عمل الدكتور علي الوردي كما استثمرهما كمفهومين عند ابن خلدون، انظر مؤلفه: شخصية الفرد العراقي. منشورات دار ليلى: لندن. 1951.

[xxiii] – يمكن ولوج البحوث المذكورة بالكلمة المفتاح “isis” مرفوقة بالمُحدّد  pdfعلى محرك البحث: google.com.

[xxiv] – أنظر المقال في مجلة أتلانتيك:

– Grame Wood. “What Isis Really Wants”. The Atlantic. March. 2015.

[xxv] – Alastaire Crooke.“You Can’t Understand Isis If You Don’t Know the History of Wahhabism in Saudia Arabia”. The Huffington Post. August 27, 2014.

[xxvi] – أنظر « Iraq War 2003- 2011 ». Encyclopedia Britannica. accessed in May the 7th, 2016.

[xxvii] – لمعرفة المزيد عن شريط الفيديو، انظر وثائقي الجزيرة:

– Shuchen Tan. Permission to Engage.. Aljazeera (Witness Program). July 10, 2014.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق