قواعد التديّن العاقل (8)

القاعدة الثامنة: تعدّد الزوجات ليس سنّة نبويّة..

التحليل: من نافلة القول إن موروثنا الديني لا يعترف بما يسمى باحترام الحياة الخاصة للأشخاص. وهذا الاستنتاج ليس مستغرباً بالنظر إلى طبائع القدامة. لكن المستغرب في كل الأحوال أن يصرّ هذا الموروث الديني على تقديم كل التفاصيل المثيرة حول الحياة الجنسية لرسول الإسلام، والتي يبدو من خلالها كأنه رجل مهجوس بكثرة الوطء، ونهم الجماع، وشهوة النكاح في كل الأوقات، آناء الليل وأطراف النهار، بلا رادع ولا وازع، لدرجة أنه “كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ تسع نسوة” وفق رواية شهيرة ومثيرة للبخاري. بل لم يكن بعض غلاة الرّواة يتورّع عن ادعاء أن “له قوة عشرين رجلاً في الجماع” (يا للهول !!) ودائما حسب نفس الكتاب الذي يعتبره البعض أصح كتاب بعد كتاب الله !.. وما شابه ذلك من صور مسيئة لرسول الإسلام. والمثير للأسف والأسى أن يتم تلقين تلك الروايات للأطفال والمراهقين داخل المؤسسات التعليمية بدون مراعاة لنموهم النفسي أو الذهني، فضلا عن عدم الاكتراث بغرابتها الصادمة للعقول. وبهذا النحو أصبح “الجنس” علامة ساطعة لإثارة بقايا الغرائز البدائية لدى الإنسان، غرائز أزمنة العيش في البراري، غرائز الانقضاض والافتضاض، والانتصاب والاغتصاب، وحماية إناث القطيع من الانكشاف أمام الأعداء والغرباء. وفوق ذلك كله تنتعش تلك الإثارة الغريزية البدائية تحت مظلة المتخيل الديني للناشئة داخل المجتمعات والتجمعات الإسلامية. والحال كذلك، لا غرابة أن يغدو التحرّش الجنسي بمنزلة الداء العضال للشباب المسلم. إذ أنه يأتي في المرتبة الثانية من حيث الحدة والشدة بعد داء التشدد الديني.

والحق يقال، قد يصعب من جانب آخر أن نتصور كيف سيكون متخيل النساء المسلمات، العابدات المتعبدات، أمام مرويات الفحولة القضيبية التي يحكيها شيوخ الفضائيات جهاراً نهاراً ! غير أن هذا الموضوع نتركه الآن جانبا لمن شاء التأمل فيه قليلا. ولنواصل التحليل رويداً رويداً.

قد يبلغ الأمر بالبعض إلى حد اعتبار التعدّد في مقام الفريضة الدينية، من أنكرها كأنه أنكر معلوم الدين بالضرورة، أو كأنه على أقل تقدير، كفر بجزء من الدين، ثم أن الكافر بالجزء كافر بالكل في الحساب الأخير؛ ومن عطلها بلا إنكار فلا شك أنه يعمل على نشر الرذيلة والإباحية والفجور ! والحال كما نرى، كيف لنا أن ننسى الخطاب الأول بعد الثورة الليبية على نظام معمر القذافي، ذلك الخطاب الصادم الذي ألقاه مصطفى عبد الجليل، وكان من أبرز وعوده، وأولى أولوياته، السماح بتعدد الزوجات.. ويا لها من ثورة وضعتنا في الأخير أمام سؤال محير : أكل هذا من أجل ماذا؟!

لكننا حين نراجع الموروث الفقهي نفسه، على علاته واختلالاته، حين نراجعه بعين فاحصة دارسة، نجد الأمر مجرّد تضخيم ممتزج بغرائز الرواة وهواجس الفقهاء. فرسول الإسلام في زواجه الأول من خديجة لم يمارس التعدُّد. وقد كان وقتها في ريعان شبابه. وسوف لن يلجأ إلى التعدُّد إلا بعد مرور ما يقارب ثلاث سنوات عن وفاة خديجة. وهي التي يعتبرها المتن الحديثي ثاني سيدات أهل الجنة بعد مريم، في تناقض صارخ مع اللائحة “الرسمية” للعشرة المبشرين بالجنة والتي لا تضم أي امرأة على وجه الإطلاق. بعد ذلك، كان طبيعيًا أن يفكر رسول الإسلام في تكوين أسرة جديدة، لا سيما بعد زواج ابنته الوحيدة فاطمة الزهراء، ومكوثه وحيدًا في البيت. أفلا تبدو الأمور واضحة بهذا النحو؟ لكن، ماذا حدث فيما بعد؟ شاءت الأقدار ألا يكون للرسول أي ولد من كافة زوجاته اللاحقات، بصرف النظر عن عددهن بالجمع أو بالتوالي. لذلك نفهم رده القوي على عائشة حين لاحظت تعلقه بذكرى خديجة بعد انقضاء سنوات طويلة عن وفاتها، فقالت له ما معناه : أبدلك الله خيرًا منها. مستعملة حسب بعض الروايات عبارات قاسية في حق خديجة. لكن الرسول أجابها بصرامة : “ما أبدلني الله عز وجل خيرًا منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد الناس” رواه أحمد. ما معنى أن يختم احتجاجه على عائشة بالعبارة :  رزقني الله ولدها إذ حرمني ولد الناس؟؟ تضعنا هذه العبارة فعلاً أمام فرضية معقولة تقول : إن كل ما كان يبحث عنه الرَّسول هو الإنجاب وليس التعدد، وذلك في عصر كانت فيه التقنيات الطبية في مستويات الفحص والتشخيص والعلاج لا تزال بدائية، بمعنى، كل ما كان يبحث عنه الرسول أن يكون له أولاد من صلبه، وهذا إما لأسباب نفسية أو لاعتبارات اجتماعية، أو لدوافع وجودية كما هي أحوال الكثيرين، وهو ما لم يُكتب له رغم كل محاولاته.

في كل الأحوال، إن كانت السنّة أن يحذو المسلمون رسولهم حذو النعل للنعل، فإن معلوم السنّة بالبداهة يستدعي ألا يمارس المسلم التعدد إلا بعد انقضاء عامين كاملين عن وفاة زوجته الأولى –إذا ما قدر لها أن تفنى قبله- وقبل ذلك يحسن أن تكون بدورها مطلقة من زوج سابق… ثم يجب أن يأتي التعدد في الأخير مقرونا بعدم حصول الإنجاب. هكذا تصرّف رسول الإسلام بالتمام. أما أن ننتقي من أفعاله ما يناسب غرائزنا فهذا من باب العبث بما يسمى السنّة النبوية.

الاستنتاج: لا ننكر أن رسول الإسلام مارس تعدد الزوجات بعد موت زوجته خديجة، وزواج وحيدته فاطمة، وخلو بيته، لم يمارسه بسبب أي هوس جنسي مزعوم، بل مارسه بحثا عن الإنجاب الذي لم يُكتب له. غير أنه –وهذا ما يجب الإقرار به- لم يدع إلى التعدد، لم يحرض عليه، لم يثمنه، لم يمجده، ولم يوص به في أي مناسبة من المناسبات، بل، على الأرجح، ربما بخسه في الكثير من المناسبات، ضمنها لما تقدّم علي بن أبي طالب لخطبة ابنته فاطمة، فاشترط عليه ألا يتزوج عليها بأي امرأة أخرى.. ثم كان له ذلك.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق