عن الحكومة وتغييرها ..

تحدث مونتسكيو في كتابه روح القوانين عن فصل سلطات الدولة الثلاث ، التشريعية والتنفيذية والقضائية، ورأى أن توضع السلطة التنفيذية بيد الملك .
وبالتعريف السياسي الشائع يقوم بدور هذه السلطة الحكومة، التي تتكون من مجموعة أجهزة  (وزارات وما يتعلق بها )، تدير شؤون المجتمع في الدولة وتشرف على نشاطاته وتحميه أفرادا وجماعات، يُحدِّدُ الدستورُ صفاتها ومسؤولياتها وصلاحياتِها.
فلماذا رأى مونتسكيو أن توضع هذه السلطة بيد الملك ؟
يكمن الجواب في أحد جوانبه ،إذا استبدلنا بلفظ الملكِ الحاكمَ أو المنتصرَ، عند كارل ماركس كما عبّر في الثامن عشر من بروميير لويس بونابرت، َ” تعتبر الأحزاب التي تتصارع الواحد بعد الآخر من اجل السلطة أن امتلاك هذا الصرح الهائل المتمثل في الدولة هو الغنيمة الأساسية للمنتصر. ”
وهكذا يصبح التعريف السابق للحكومة مبسَّطا ووظيفيا، أي بعيداً عن التعبير الأعقد عن ماهية الحكومة، والذي يقع في صميم البعد الفلسفي للسياسة، ويضع مفهوم الحكومة لغويا وسياسيا بين حدّين متجادلين يتشكل منهما أي مجتمع موجود على الأرض بصيغة شعب سياسي هما: حدا الحكم، أي الحكام و المحكومون.
هنا يتوسط القضيةَ مفهوم العقد الاجتماعي، بوصفه الصيغة التي تحدد العلاقة بين ثنائيات متعددة،( الحكام والمحكومون، الحرية والقانون، ، الفرد والمجتمع ، ..إلخ)، وبوصفه يخترق مجموعة المفاهيم التي تقوم عليها الفلسفة السياسية كالبورجوازية والرأسمالية والاشتراكية والليبرالية والديمقراطية….إلخ، ويقع في صلب الممارسة الواقعية لها .
تنقسم الآراء حول العقد الاجتماعي بين من يراه ناتجا طبيعيا لتطور المجتمعات البشرية من حال الفوضى إلى حال التنظيم، وبين من يراه علاقة قسرية مفروضة على الأكثرية المحكومة من قبل الأقلية الحاكمة. وبين من يراه تعبيرا تخيّليا عن حالة توازن قلق للصراعات الاجتماعية المستمرة، وفي جميع الأحوال تقع الحكومة في قلب هذه العلاقة التي يشكل مجالا الاقتصاد والقيم  بعديها المادي والمعنوي.
وبالاستفادة من تقسيم المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي بيير بوردو للمجتمع وعلاقاته إلى حقول ومجالات فإن الحكومة، كجهاز أو أداة، تقترب أو تبتعد عن أحد حقلي المجتمع، الحكام والمحكومين، تبعا لعلاقة تناسبية مع الديمقراطية .
حيث يسعى الحكام إلى تحقيق أهدافهم بواسطة الحكومة كما يسعى المحكومون إلى ذلك، وتقوم الحكومة بدورها بين الطرفين معتمدة على آليتين رئيسيتين تمتلك أدواتهما، هما العنف وصناعة الرأي.
وتختلف نسب استخدام العنف أو الإقناع من الجانب الأول، ونسب القبول أو التمرد من الجانب الثاني تبعا لقوة وعمق الديمقراطية، أي كلما تمكنت الديمقراطية من تحقيق تمثيل أكبر لمصالح المحكومين وبالتالي لأهدافهم في الإنتاج والرفاهية والسعادة، وبتعبير معاكس كلما اقترب المحكومون من تحقيق الديمقراطية كانت الحكومة أقرب في موقعها إليهم، وكلما اقتربت الحكومة من حقل الحكام وصارت أداة طيعة في أيديهم بما تملكه من أجهزة العنف ووسائل صناعة الرأي، كلما كان ذلك تعبيرا عن ضعف وسطحية الديمقراطية كما هو تعبير عن قوة واستشراء الاستبداد. ذلك أنه عندما تصير الحكومة قريبة من حقل الحكام إلى درجة الاحتواء يزداد استعمالها لأدوات العنف المادي (الجيش ، الشرطة، السجون…إلخ)، والعنف المعنوي (التخويف، الإرهاب، القهر..إلخ ) وأدوات تشويه الرأي عبر المؤسسات الدينية والتربوية والتعليمية ، بهدف حيازة الناتج الإجمالي للقوة الاجتماعية وتحويله في مصلحة الحكام .
هنا تصبح فاعلية الدستور، الذي يعبر كتابيا عن واحد من وجوه العقد الاجتماعي، و يحدد مسؤوليات الحكومة وآليات محاسبتها ،  تابعة لمحصلة القوى المتصارعة على الأرض . أي لا تعود للنصوص المكتوبة، مهما كانت متطورة، قيمة حقيقية ما لم تتوفر القوى الكفيلة بتنفيذها، وبالتالي لا يعود لتبديل الحكومات أية أهمية إيجابية بالمعنى التاريخي في البلدان التي لا يزال ينظر إلى مجتمع المحكومين فيها على أنهم فقط أدوات في عملية الإنتاج، ولا يكون لهم قوى منظمة فاعلة ومستقلة تمثلهم،  وتصير عمليات تغيير الحكومة كلّياً أو جزئيّاً إما عملية شكلية تماما بلا جوهر فعلي، تتبع لمواعيد دستورية او سياسية تخدم الطبقة الحاكمة، هدفها الحفاظ على تسميات منقوصة المعنى للمؤسسات والمواعيد الدستورية، أو أنها تحدث بفعل الاهتلاك والاهتراء الناجمين عن الاستبداد .
هكذا يكبر ويتسع ويتعقد ويزداد دور الحكومة غنى وإيجابية بتقدم وتعمق الديمقراطية في نظام الحكم ، ويصير خطرا وقمعيا وتخريبيا مع تراجع الديمقراطية وغياب معانيها الحقيقية .
وبالمثل لا يوجد دور حيادي لأي سلطة من سلطات الدولة في معادلة الحكم، الأمر الذي ينطبق على الحكومة، حتى لو كانت حكومة تصريف أعمال أو حكومة تكنوقراط، أو حكومة حزب واحد أو ائتلاف حزبي أو حكومة أسرة حاكمة ،  فإنها في جميع الأحوال، بحكم موقعها التنفيذي وعلاقتها اللصيقة بشؤون الأفراد، تتحكم في حياتهم ومصائرهم وخياراتهم، وبالتالي تكون مسؤولة عن ذلك سياسيا وأخلاقيا وقانونيا، (وتختلف درجة المسؤولية بالمعنى الفردي تبعا لموقع الشخص في الحكومة )، غير أن المسؤولية بمعناها النظري شيء وفي التنفيذ العملي لها شيء آخر، إذ أنها في الممارسة مرتبطة او مرهونة بالمحاسبة، أي بمقدار ما يستطيع المحكومون، أي الشعب، فرض آليات المحاسبة القابلة للتنفيذ والكفيلة بالتصحيح المتتالي لأدوار الحكومات المتعاقبة، وهو أمر متعلق بالتطور السياسي للدولة برمتها وبانتقالها من دولة استبدادية إلى دولة ديمقراطية، ومن دولة تابعة سياسيا واقتصاديا إلى دولة مستقلة .
إذن ما الذي يعنيه في هذا السياق تغيير الحكومة بالنسبة للمجتمع(سوريا نموذجا) إن لم تكن عملية التغيير هذه ناتجة عن الصراع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي بين قوى الحقول الكبيرة وتمثيلاتها السياسية، ولم تكن خاضعة للمحاسبة الديمقراطية الفعلية ؟
والجواب: غالبا لا شيء جوهري، لو تغيرت الحكومة عشرات المرات لن تعني سوى تغييرات من منظور واحد تبعا لنهج الحكم ولاعتباراته الخاصة كشريحة تسعى للاستمرار والديمومة، وتحقيق أقصى ما تستطيع من مصالح. يمكن أن تكون من نتائجه تغييرات شخصية بسيطة وتجريبية  ذات تأثير طفيف بلا مردود نوعي إيجابي على حاضر المحكومين ومستقبلهم ، أو أخطاء قد يرهقُ التاريخَ محوُ نتائجِها.
وهنا يبرز الدور الفاعل للحكم الوطني. وهذا بدوره مفهوم يحتاج لمقاربته بحثا خاصا إنما يمكن من باب الاختصار اعتباره  الحكم الذي يخوض صراعه الاجتماعي والاقتصادي من أجل  تحقيق مصالحه مستندا إلى رؤية وطنية شاملة تستهدف الاعتماد على قوى المجتمع المختلفة من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من القوة، ومن استقلال القرار السياسي والاقتصادي، للدولة.
الأمر الذي لا يمكن مقاربته إلا من خلال أنظمة حكم ديمقراطية تتيح صراعا سياسيا مفتوحا ضمن قواعد اللعبة الدستورية، وبالتالي تتيح للأفراد وللشرائح عملية انتقال دائم بين حقول الحكم المختلفة، تحكمها عملية المحاسبة الشعبية المشرعة فوق رؤوس الجميع، ولا يعني ذلك اختفاء طبقة أو حقل الحكام من حياة المجتمع السياسية والاقتصادية إنما يعني انفتاح المجتمع على صراعات طويلة، مضبوطة دستوريا،  كفيلة بدفعه دوما إلى الأفضل، ما يمكن أن نشبهه بالثورة الدائمة، إذ إن عمليات الصراع والتفاعل والانتقال بين الحقول السياسية المختلفة لا تتوقف مطلقا، لكنها تكون بطيئة هادئة صغيرة الكم غير ملحوظة التغيرات حينا ، أو سريعة حادة نوعية حينا آخر .
لقد افترض جون لوك في رسالته حول الحكومة المدنية : “أن الناس من خلال المشرّعين سيسمحون للسلطة التنفيذية باستخدام الحق في حرية التصرف ما دامت هناك أحكام وقرارات جيّدة يتم اتخاذها ، أما عندما تقع إساءة استخدام للسلطة مع غياب ما يعالج الخلل من داخل السلطة بتكويناتها المختلفة ، فمن حق المواطنين دائما أن يحتفظوا لأنفسهم بخيار الثورة على الحكام.”
في المحصلة لا يمكن للحكم أن يكون وطنيا تماما ما لم يكن ديمقراطيا ولا يمكن أن يكون ديمقراطيا ما لم يُتَح  للمحكومين أن يحققوا مشاريعهم السياسية والاقتصادية، ويختاروا حكامهم  وينخرطوا في الصراع السياسي، على قدم المساواة، ويمارسوا رقابتهم الفعلية على كافة الأجهزة التي تدير الدولة ، وإلا فإن المجتمع سيبقى معرضا لجميع أنواع الاهتزازات والانقسامات مختلفة الشدة . أي إما حكم وطني ديمقراطي يضمن تحولات هادئة وتطورا اجتماعيا تاريخيا مطردا، أو صراعات متفاوتة الأشكال والحدة غايتها في النهاية هي تحقيق المصلحة الحقيقية للغالبية الشعبية  متمثلة بإنجاز حكم وطني ديمقراطي .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق