قواعد التديّن العاقل (9)

القاعدة التاسعة: كلام الرّسول غير معصوم عن الخطأ..

التحليل: هناك رأي شائع يظنّ –ربّما عن حسن ظن- أنّ رسول الإسلام إنسان معصوم عن الخطأ في كافّة أقواله وأفعاله وأحواله، والدّليل المشهور عند القائلين بعصمة الرّسول، تلك العبارة القرآنية التي تقول وما ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى”- النّجم، الآيتان 3 و4. غير أن هذا النمط من الاستدلال يخفي خلطاً –قد يكون مقصوداً- في المفاهيم والتصورات. إنه الخلط الحاصل أحياناً بينكلام الوحي وكلام الرّسول، بحيث يبدو كل كلام الرّسول كأنّه وحي نازل طول الوقت بلا توقف ولا انقطاع. والحقّ يقال، فإنّ الخلط قائم منذ زمن بعيد، ومتجذر في أذهان من ينتجون الخطاب الديني. إذ هناك من لم يتردّد في جعل الحديث مرتبة من مراتب الوحي، بل للحديث مرتبتان – كما يزعمون- أعلاهماالأحاديث القدسية التي يعتبرها البعض وحياً خارج دائرة القرآن -ويا للمفارقة! وبهذا النحو قُدّرلأحاديث السنّة أن ترتقي إلى مكانة آيات القرآن عند جمهور بعض المذاهب الرّئيسية، بل أكثر من ذلك، صارت أقوال السنّة جرّاء عصمتها المزعومة ناسخة لأحكام القرآن في بعض الأحيان. أمّا عن الحجّة فالجدير بالملاحظة أن ثمّة محاولات متهافتة لانتزاع بعض الأدلة عنوة من النص، على رأسها عبارة “الله يعصمك”، والتي ينتقيها القائلون بعصمة الرّسول منزوعة عن سياق الآية، فيقفون عندها وقوف الواقف عند “ويل للمصلين”. في حين أن الآية تقول “والله يعصمك من الناس” – سورة المائدة، الآية 67، تحديداً، فإنّ الوحي يعصم الرّسول من النّاس وليس من شيء آخر. بل إذا نظرنا إلى الآية كاملة سنراها بالأحرى منحازة إلى إنكار العصمة، إذ تقول الآية “ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ” – سورة المائدة، الآية 67.

في مقابل النظرة التأليهية إلى “خاتم الرّسل”، باعتباره كائناً معصوماً عن الأخطاء، عالماً بالغيب، مدركاً للباطن، كاشفاً للأسرار، فإنّ الخطاب القرآني يُقدم لنا صورة رسول كأيّها الناس، قد يقع في الخطأ في بعض الآراء، قد يصيبه النسيان في بعض الأحيان، وقد يسيء التقدير في بعض الأمور. لذلك، لم يتوان الوحي عن لومه مراراً بسبب بعض الهنّات أو الهفوات، ولعل الأمثلة كثيرة، من قبيل قوله“عبس وتولّى أن جاءه الأعمى…“- سورة عبس الآيتان 1، 2... وقد عاتبه بلباقة بعد أن أذن لنفر من الرجال الذين استأذنوه بعدم المشاركة في إحدى الغزوات، فقال له : “عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم حتى يتبيّن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين” – التوبة 43.. ثم عاتبه بشدة على أمور كان ينوي فعلها، من ذلك قوله : “ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء..” سورة الأنعام الآية 53.. ومن ذلك أيضاً قوله “ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض..”- الأنفال 67.. وكذلك قوله “استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ذلك..”- التوبة 80.. ثم عاتبه بقسوة في عديد من المرّات، وعدد من الآيات، من قبيل الآية : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ..”- التحريم، الآية 1.. بل،وجه إليه تهديداً شديد اللهجة ذات مرّة في الآية التي تقول : ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين”- الحاقة الآيتان 44، 46. وعلى الأرجح، بصرف النظر عن التفاسير وأسباب النزول، من المحال أن يكون مثل هذا التهديد القاسي بدون سبب وجيه... فوق كل ذلك يبقى موقف الوحي واضحا صريحا عندما يأمر الرسول بالقول : “..واستغفر لذنبك..”- محمد الآية 19. فأي معنى يبقى للأمر الوحياني بالاستغفار للذنب فيما لو كان الرسول بلا ذنب يُذكر !؟

إذا كان الوحي قد حذر وعاتب الرسول في أمور تتعلق بالدين، فإن الرسول بعد كل ذلك لم يكن معصوما عن الأخطاء في أمور الدنيا. ومن ذلك حادثة تأبير النخل الشهيرة، إذقَدِمَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ، يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ : (مَا تَصْنَعُونَ؟) قَالُوا : كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ : (لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا)، فَتَرَكُوهُ، فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْفَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : (إِنَّمَا أَنَابَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ)، رواه مسلم، والطبراني. وإذا نظرنا فيالآيات الشيطانيةكما يرويها الطبري في تاريخه (ضمن مرحلة ما بين البعثة والهجرة)، آية الغرانيق مثلا، والتي تقول : تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترجى، إلخ، والتي تسربت في لحظة وهن نفسي فجائي إلى المتن القرآني قبل نسخها باللفظ وبالمعنى، فإنّنا سنكتشفحجّة أضافية، بل لعلها حجة كافية على أن العصمة ليست من مميزات النبوة، ولا هي من سمات الرسول. كما أنها لم تكن من صفاته المذكورة في النص القرآني، أو في المتن الحديثي، ولا هي مذكورة في أقوال الصحابة أيضاً، وسوف لن يذكرها سوى التابعين وتابعي التابعين بعد زمن طويل. هكذا، فإننا بمعايير العقل والنقل معاً، نعلم بأن الرّسول غير معصوم عن الخطأ؛ فإنه يصيب أحيانا ويخطئ أحيانا، سواء في الأقوال أو الأفعال أو الأحوال.

الاستنتاج: تمرين بسيط في أساسيات المنطق يكفي لتقويض أسطورة عصمة الرسول داخل الموروث الديني الإسلامي : كل ابن آدم خطاء، الرّسول ابن آدم، إذاً الرّسول خطاء. وبالطبع لسنا نتكلم عن الوحي حيث “ما على الرّسول إلاّ البلاغ”، وإنما نتكلم عن أقوال الرّسول وأفعاله وأحواله، أو تلك المنسوبة إليه.. فلا عصمة له فيها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق