قواعد التديّن العاقل (10)

القاعدة العاشرة: يُعتبر منع الاختلاط في صلاة المسجد مظهراً من مظاهر الانحطاط، لا يؤيده دليل من الكتاب أو السنّة..

التّحليل: من بين المبادئ الأوّلية للعدالة مبدأ مشهور يقول، “البينة على من ادّعى..”. بناء عليه، يكون الطرف الآخر الذي يمنع الاختلاط في صلاة المسجد، ويحشر النساء خلف ستار عازل، هو صاحب الدّعوى الذي عليه تقديم البينة. غير أنه خلاف ذلك، يطالبنا نحن المنكرين بالبينة، كما لو أنّ الأصل في الأشياء هو المنع، وأنّ الإباحة استثناء يستوجب الحجّة والدّليل. وليس الأمر كذلك، وإلاّ فكيف لنا أن نلعب كرة القدم وكرة الطاولة، أو نشرب القهوة والشّاي، أو حتى نقفز ونتشقلب كالأطفال، ولا دليل على جواز ذلك من القرآن أو السنّة؟ !

يؤمن الطرف الآخر بالدليل المستمد من النص الديني، لا يحيد عنه قيد أنملة كما يزعم، لكنه حين يحاول البرهنة على دعوى منع الاختلاط في صلاة المسجد، لا نسمع له عنعنة ولا قرآنا، لا نسمع سوى شبهات مستقاة من العادات، والذوق العام، والحس المشترك. مع ذلك، رغم انتفاء حججهم النصية والنقلية، سنحاول –أملاً في مواصلة النقاش- أن نستعرض حججنا النصية والنقلية، على طريقة، يقولون فنقول والعاقبة لمن يقرؤون :

جاء في صحيح البخاري الذي يعتبرونه “أصح كتاب بعد كتاب الله”، ما يلي : “كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله جميعاً… من الإناء الواحد جميعا”. وفي لفظ آخر، بسند آخر : “كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله من إناء واحد ندلي فيه أيدينا”.. وقد رواه أيضاً أبو داوود وابن ماجة، وربّما آخرون.. أما عبارة “زمان الرّسول” الواردة في الحديث فلا شك أنها تحيل إلى زمان الرّسول كله بلا حصر ولا تخصيص، خلاف ما يتوهم المفسرون/المعسرون. وأما كلمة “جميعاً” فإنها تنفي أن يكون الوضوء بالتناوب كما تخيّل بعضهم. وأما عبارة “الرجال والنساء” فإنّها لا تحيل إلى “الرّجل وأهله” كما توهّم بعضهم، وإنما تحيل بالبداهة إلى عموم الرجال وعموم النساء. هذا عن الوضوء المختلط بين الرجال والنساء، والذي هو أمر ثقيل على ثقلاء الظل، لكونه يؤشر على الاختلاط في العبادات، وعدم وجوب الحجاب أيضاً. لكن ماذا عن الصلاة؟

لننظر إلى الآية الكريمة (( ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين )) الجحر 24.. لعل أسباب النزول عديدة، والتأويلات متعددة، ولقد أوردها كل من الطبري وابن كثير والقرطبي في تفاسيرهم.. يهمنا انتقاء وجه واحد يرد في تلك التفاسير كافة، ليس لغاية تصديقه، وإنما لسبب آخر أكثر وجاهة ومعقولية. ثمة حكاية تبين إلى حد كبير وضعية النساء في الصلاة داخل مسجد الرّسول. يتعلق الأمر بقصة امرأة حسناء كانت تأتي مبكراً لكي تصلي خلف الرّسول، وكان البعض يستقدم والبعض الآخر يستأخر لغاية استراق النظر إلى جمالها أثناء الصلاة. هنا بالذات، لدينا ثلاثة استنتاجات : أولًا، تلك المرأة كانت تصلي على الأرجح في الصف الأوّل أو في الصف الثاني على أبعد تقدير. ثانيًا، الجانب المثير للرجال ليس وقوف المرأة خلف الرّسول في مقدمة الصفوف، وإنما جمالها الذي تصفه بعض المصادر بأنه لا مثيل له. ثالثا، على الأرجح كان وجود نساء أخريات ضمن الصفوف الأمامية لصلاة المسجد أمراً اعتياديا.

أما الذين ظنوا –وهم ثلة من الأولين وكثير من الآخرين- بأن المرأة والحمار والكلب يقطعون الصلاة، فإن عائشة نفسها قد ردت عليهم في ذلك الزّمن، وفق ما ورد في صحيح البخاري نفسه، حين احتجت عليهم بالقول : “شبّهتمونا بالحُمُر والكلاب ! والله لقد رأيت النبيّ (ص) يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة..”.

بعد كل هذا، عندما يقول الخطاب القرآني : (( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض )) التوبة 71، فالمؤكد أنّ الأمر متعلق هنا بمبدأ الولاية -وما أدراك ما الولاية- فإنّ الولاية هنا لا تخص جنسا بعينه، وإنما هي ولاية مشتركة بين كلا الجنسين، سواء تعلق الأمر بالولاية في أمور الدين، أو الولاية في أمور الدنيا.

عموماً، فإن الذين يزعمون بأنّ منع الاختلاط في صلاة المسجد، يعدّ من المسائل المحسومة شرعا، لا يجدون أي نص قرآني أو حديثي يحتجّون به ويستدلون، لا يجدون غير عادات بعض السلف. ما يعني أنهم لا يقصدون القول، لا اجتهاد مع النص، وإنما يقصدون القول، لا اجتهاد مع عادات السلف. بمعنى، لا اجتهاد وكفى. مع ذلك، حتى لو حصرنا الأمر في عادات السلف فالأمر أوسع مما يعتقدون؛ لأنّ الاختلاط أثناء العبادات في زمن الرسول كان أمراً عاديا كما بيّنا، ولم يكن يثير أي سجال، وأنّ مسجد الرسول لم يكن فيه ستار فاصل بين الرجال والنساء كما أمسى حال مساجد الأمة اليوم.. وأيضاً، مسألة أخرى، طالما نتكلم عن الأدلة الدينية، دعنا نستحضر مقام الحج الذي هو أعظم مقام لدى المسلمين، فإن الاختلاط فيه واقع اعتيادي لم يثر أي لغط في أي زمن من الأزمنة، اللهم بعض المتأخرين من صقور الكهنوت الوهابي ممن يحاولون بين الفينة والأخرى “جس النبض” حول مدى استعداد العالم الإسلامي لقبول انتكاسة جديدة نحو الفصل بين الجنسين حتى في الشعائر المقدسة. وهم مدركون بأنّ الناس ما أن يتعودوا على عادة عدم الاختلاط في الحج حتى تصبح تلك العادة عبادة، مثلما حدث في كثير من المسائل الأخرى.

هذا عن بعض الحجج الدينية، أما عن الحجج العقلية، فماذا نقول؟

من الواضح أن صورة النساء المصليات في المساجد خلف ستار مغلق، تمثل مشهدا حاطا من كرامة المرأة المسلمة أمام أنظار العالم، بل لعله مشهد يحط من كرامة الرجال أيضاً، فيظهرون بمظهر من لا تأمن النساء جانبهم حتى داخل المسجد الذي قال عنه الرّسول، من دخله فهو آمن !.. إنه مشهد يساهم في تكريس علاقات التوجس الغريزي بين الذكر والأنثى، ويؤجج لدى الشباب نظرة شهوانية إلى المرأة لا يحدّها إلا وجود عازل يحجب الرؤية، وإنه لكذلك مشهد يكرس لدى المرأة المتدينة تصوراً دونيّا للذات الأنثوية، حيث يبدو وقوف المرأة خلف الرّجل كأنه الوضع الطبيعي الذي تبتغيه المشيئة الإلهية، بل عليها الوقوف خلف الرّجل، وخلف الستار، بلا صوت، بلا ملامح، بلا جسد، بلا روح، بلا هوية. ذلك الامحاء المسجدي لكينونة المرأة سرعان ما يؤثث المتخيل الديني برمته فيؤثر على سائر مناحي الحياة الاجتماعية، ويفضي في الأخير إلى نتيجة بالغة الخطورة : وأد الأنوثة باسم الإسلام.

الاستنتاج: من يؤمن بكلام الرّسول فهذا كلامه : “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله”، متفق عليه. لكننا عندما نحصر صلاة النساء في المسجد داخل مساحة محدودة، أو في ركن منزوي، أو خلف ستار عازل، فهذا يعني أننا نقوم بنوع من التسوية بين إرادة رسولنا ( عدم المنع )، وإرادة سلفنا ( المنع ). هل مثل هذه التسوية تجوز؟! تلك هي المسألة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق