مساهمة علي الوردي في علم اجتماع الإسلام (2)

الانشقاق الشيعي

الكتاب: دراسة في سوسيولوجيا الإسلام

 المؤلف: علي الوردي

 ترجمة : رافد الأسدي

     الناشر : دار الوراق، 2013

 

عن ماكس شيلر ينقل علي الوردي بأن “مشاعر الاستياء تكون منتشرة بصورة خاصة في المجتمعات التي تعج بالأيديولوجيات الداعية للمساواة ولكنها غير متحققة في البنية الاجتماعية الفعلية”. قد تذكرنا هذه العبارة بأنظمة حكم في القرن العشرين دأبت على نشر أفكار العدالة والمساواة بين مواطنيها فيما كانت هي نفسها تمارس نهب الشعب وقمعه؛ ولكن العبارة تنطبق أيضاً على عراق القرن السابع. يجري علي الوردي بعض الاحصاءات التي تقوده إلى استنتاج أن العراق في ذلك الوقت “تلقى مقداراً من تعاليم المساواة أكبر من التعاليم التي تلقاها أي ركن آخر من أركان الامبراطورية الإسلامية. وبكلمة أخرى استقبل العراق عدداً غير طبيعي من المسلمين المؤمنين الفاتحين الذين كانوا يؤمنون بقوة بالمساواة والأخوة بين المسلمين لا فرق في ذلك عربيهم عن أعجميهم”، هذا فيما ذهبت الغالبية من أرستقراطيي مكة، أي القرشيين الذين لا يؤمنون أبداً بالمساواة، إلى الشام. ومن الجانب الآخر كانت الأوضاع الاقتصادية في العراق قد بدأت تسوء منذ تولي عثمان بن عفان الخلافة، فقد اشتدت الأزمة الاقتصادية وزادت الضرائب على المزارعين “إلى درجة أن الكثير منهم هجروا أراضيهم وانضموا إلى بروليتاريا المدينة” على حد تعبير الوردي. وكلا العنصرين المذكورين كانا يحتاجان إلى لحظة الاحتكاك التي تولد شرارة الثورة.

الوضع الذي يصفه الوردي هنا يتعارض مع الرأي الذي يختزل الفتوحات الإسلامية إلى “غزو بدوي” كسائر موجات الغزو التي كانت تشنها الجماعات البدوية على الحواضر المدنية في الشرق الأوسط. فصحيح أن الفتوحات الإسلامية كانت استيلاء على بلدان الغير ولكنها كانت – على خلاف كل موجات الغزو السابقة – تحمل دعوة عقائدية تريد نشرها. وفي الحقيقة كانت هذه مفارقة أخلاقية أسست لحتمية فشل الدولة القائمة على الإسلام وفشل الإسلام كدولة. كان هادي العلوي (في كتابه الاغتيال السياسي في الإسلام)قد أشار إلى هذه المفارقة في معرض تحليله لشخصية عمر بن عبد العزيز، فقد كان هذا الخليفة من المثالية بحيث يريد أن توزع خزائن الدولة بالعدل والمساواة بين المواطنين وذلك من غير أن ينتبه إلى أن هذه الخزائن تملأ أصلاً عن طريق قهر الشعوب واستلاب خيراتها جزيةً وخراجاً. كان يريد عدلاً في دولة قائمة على القهر. ويبدو أن كثرة من المسلمين الذين فتحوا العراق كانوا من صنف ابن عبد العزيز، اهتموا بنشر الدين أكثر من اهتمامهم بالقتال، وبالتالي صاروا ملهمين لسكان البلد الأصليين، الذين دعوا “الموالي” بعد دخولهم في الإسلام، حتى إن الأخيرين صاروا أكثر إيماناً بهذا الدين من فئة “البدو” التي كانت هي الأخرى موجودة وأخذت نصيبها من حكم العراق؛ وبالتالي فقد اتخذ هؤلاء الموالي المظلومون الإسلام سلاحاً ضد العنصر البدوي في الدولة.

كان التطور الفاصل في حصول الانشقاق الثوري في الإسلام في أرض العراق هو مجيء الخليفة علي بن أبي طالب إلى البلاد واختياره الكوفة عاصمة للخلافة بدلاً من المدينة. وكما يصفه الكتاب فان علياً “لم يدعُ إلى المساواة فحسب، بل إنه أعطى مثالاً واقعياً للمساواة في تصرفاته الشخصية. لقد عامل جميع أصناف الناس بصورة متساوية بغض النظر عن العرق والأصل والثروة وحتى الدين”. غير إنه أخفق كحاكم، وبالذات بسبب مثاليته التي لا تقبل التنازل ولا حتى التسويات. وبعد موت علي ساءت أحوال السكان الأصليين (الموالي) في العراق، وهو ما جعل صورة علي في نظرهم مثالاً للدين الصحيح، وجعلوا منهجه نبراساً لهم، وسرعان ما صار هذا المنهج مذهباً جديداً انشق عن الدين الرسمي. فالتشيع ليس ابتكاراً فارسياً كما ذهب بعض الباحثين، وهو لم يأت من إيران إلى المنطقة العربية وإنما العكس هو الصحيح. التشيع، على وجه التحديد، هو “نتاج رد الفعل الاجتماعي لرعايا الإمبراطورية الإسلامية إزاء حكامهم”.

واقعية السنة ومثالية الشيعة

تنظر هذه الدراسة إلى الجدل بين السنة والشيعة على أنه صراع بين الواقعية والمثالية في الإسلام، وأن البذرة الاجتماعية لهذا الصراع هي الغنائم الهائلة التي انهمرت على جيوب “المؤمنين” وغيرتهم – بالتالي – إلى فئة مزدهرة تنزع إلى التسويات بدلاً من المثاليات.

الفكرة الجوهرية في الإسلام السني هي فكرة البيعة أو الولاء للحاكم وذلك استناداً إلى أن حماية الدين والنظام هي هدف أكبر تهون دونه بعض التنازلات للقوة الحامية، أي السلطة الحاكمة. ومع وجود أنواع متعددة من الإسلام السني إلا إن غالبية جمهوره هي مع الاعتقاد باستحالة تطبيق الشريعة تطبيقاً تاماً في الواقع البشري، وأن من غير الواقعي إجبار الناس على الالتزام بقواعد الشريعة حرفياً ولا إجبار الحكام على اتباع هذه القواعد؛ فالإصرار على الشمولية العقائدية سيعني تكفير غالبية المجتمع وغالبية أنظمة الحكم، والعيش في مجتمع بشري يتطلب تقبلاً للواقع وهي موضوعة ليس من الصعب إيجاد المقتبسات الدينية لتدعيمها. إلى جانب هذا ثمة ركن مهم من أركان الواقعية السنية وهو فكرة الإجماع: فكل خليفة هو الخليفة الشرعي للنبي مهما كان ظالماً أو فاسقاً، ولو لم يكن كذلك لخلعه المسلمون. أي إنهم يتقبلون كل تاريخ الإسلام، على خلاف الشيعة الذين أنكروا وتمردوا على كثير مما في هذا التاريخ.

يقول علي الوردي عن التسنن أنه من خصائص الثقافة البدوية. فجميع البدو الذين دخلوا في الإسلام، سواء العرب أو الأتراك أو البربر، هم سنة. وهو يعتقد بأن ثمة ارتباطاً بين التسنن وثقافة الصحراء، مثلما هناك ارتباط بين التشيع والبلدان الزراعية.

في عرض علي الوردي لموقف الشيعة من موضوع الخليفة الحاكم، استوقفني قوله بأن الشيعة يشترطون في الخليفة أن يكون معصوماً من الذنوب، وهو خطأ من المستغرب أن يصدر عن الوردي بالذات وهو من أسرة شيعية ويعلم بهذه التقاليد المتوارثة. حقيقة الأمر هو إن الشيعة لا يشترطون على أي خليفة قادم بأن يكون معصوماً من الذنوب فهم لا يعتقدون بوجود خلفاء معصومين قادمين، وإنما هم يؤمنون بأن علي بن أبي طالب وكل الأئمة الأحد عشر الذين جاؤوا من نسله، والذين كان “ينبغي” أن يصبحوا خلفاء لولا الغبن، هم معصومون. فالمقصود بالمعصومين عند الشيعة هم الأئمة السابقون وليس اللاحقين.

على كل حال يشترط الشيعة في الخليفة أن يكون – ببساطة – من نسل علي بن أبي طالب، وهي نقطة أعجب أن لا يذكرها الوردي بالمرة. لكن أتفق معه في مثالية التصور الشيعي عن الخليفة، مقارنة بالتصور السني الواقعي. فصفات “الحاكم العادل” عند الشيعة تجعله شبيهاً بعلي. لكن إذا كان إخفاق علي في الحكم هو بسبب عدم قدرة الواقع الاجتماعي والسياسي على استيعاب شخص مثله فلماذا يصر الشيعة على تكرار النموذج؟ يبدو إن مثل هذه الأسئلة لا تطرح عندهم للنقاش فالأهم هو المثال المطلوب وليس إمكانية تحقيقه في الحياة الواقعية.

مثلما حصل مع الإسلام ومع معظم الأديان، يحصل مع العقيدة الشيعية أن تتحول إلى مؤسسة وأن تخف مثاليتها بالتدريج كلما زاد تعاطيها العمل السياسي. وهنا يتنبأ علي الوردي: “من الطبيعي أن نتوقع أن يكون الشيعة أقل مثالية شيئاً فشيئاً بمرور الزمن مع تسنمهم السلطة هنا وهناك، وبذلك يصبحون عالقين في الشؤون الاجتماعية والمصالح الدنيوية. ان الدينامية الاجتماعية لا تسمح للأشياء بالبقاء على حالها لوقت طويل”، وهو ما حصل بالفعل عندما دخل الشيعة تجربة الحكم في العراق حيث انهزمت مثاليتهم فيدنيا السياسة والمصالح.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق