جوديت بتلر مشكلة الجندر

(تصدير الطبعة الثانية 1999)

منذ عشر سنوات، أنهيت مخطوط كتابي مشكلة الجندر وأرسلت به إلى دار راوتليدج بغرض النشر. لم أكن أعلم أنّ النصّ سيكون له جمهور بهذا القدر الواسع الذي كان له، ولا كنت أعلم أنّه سيشكّل “تدخّلا” استفزازيّا في النظرية النسوية أو سيتمّ الاستشهاد به باعتباره واحدا من النصوص التأسيسية لنظرية الكوير أو الشذوذية[1]. إنّ حياة النص قد تخطّت نواياي، وذلك بلا ريب في شطر منه نتيجة تغيير في سياق التلقّي الذي وقع له. عندما كتبته، كنت أفهم من نفسي أنّني في علاقة صراع وتعارض مع أشكال معيّنة من النزعة النسوية، حتى عندما كنت أدرك أنّ النص جزء من المذهب النسوي ذاته. كنت بصدد الكتابة ضمن تقليد النقد المحايث الذي يسعى إلى إحداث مراجعة نقدية للمفردات الأساسية لحركة التفكير التي ينتمي إليها. ذاك كان ويظلّ مبرّرا وضمانة لهكذا نمط من النزعة النقدية وحتى نميّز بين نزعة إلى نقد الذات تعد بحياة أكثر ديمقراطية وأكثر شمولا بالنسبة إلى الحركة، وبين نزعة نقدية تسعى إلى تقويضها تماما. طبعا، من الممكن دوما إساءة قراءة الأولى كما الثانية، إلاّ أنّني سوف آمل ألاّ يحدث ذلك في حالة كتابي مشكلة الجندر.

في سنة 1989، كنت مهتمّة أكثر بنقد فرضية الجنسية الغيرية[2] التي كانت سائدة ومنتشرة في نظرية الأدب النسوية. سعيت إلى مواجهة تلك الآراء التي وضعت الفرضيات حول حدود الجندر وملاءمته وحصرت معنى الجندر في المفهومات الموروثة عن الذكورة والأنوثة. كان رأيي وما يزال أنّ أيّ نظرية نسوية [viii] تحصر معنى الجندر في المفترضات التي تحكم ممارسته الخاصة، هي تضع المعايير الإقصائية للجندر في صلب النزعة النسوية، وغالبا ما يؤدي ذلك إلى مخاوف من المثليين[3]. كان يبدو لي ولا يزال يبدو لي أنّ الحركة النسوية يجب أن تكون حريصة على ألاّ تؤمثل بعض تعابير الجندر التي من شأنها، هي بدورها، أن تنتج أشكالا جديدة من التراتب والإقصاء. وعلى وجه الخصوص، أنا عارضت أنظمة الحقيقة تلك التي تنصّ على أنّ أنواعا معيّنة من التعابير المجندرة[4] وُجدت لتكون خاطئة أو مشتقّة، وأنّ أنواعا أخرى، قد وُجدت لتكون صائبة أو أصلية. كانت نكتة الإشكال ألاّ يتمّ فرض أو توصيف طريقة حياة مجندرة جديدة قد يمكن عندئذ أن تصلح كنموذج لقرّاء النصّ. بل بالأحرى، إنّ هدف النص إنّما كان فتح المجال أمام إمكانية الجندر من دون أن يتمّ إملاء أيّ أنواع من الإمكانيات يجب أن يتحقق. قد يمكن للمرء أن يتساءل عن فائدة “فتح الإمكانيات” في نهاية الأمر، بيد أنّه لا أحد ممّن فهموا ما معنى أن يعيش المرء في العالم الاجتماعي بوصفه كائنا “مستحيلا”، غير قابل للقراءة، غير قابل للتحقّق، غير واقعي، وغير شرعي، هو من المحتمل أو الملائم أن يطرح ذاك السؤال.

كان كتاب مشكلة الجندر يسعى إلى الكشف عن الطرق التي من خلالها يتعرض التفكير الحقيقي فيما هو ممكن في الحياة المجندرة إلى عملية رفض أو إسقاط[5] بواسطة بعض الفرضيات المألوفة و العنيفة. وبذلك فإنّ النص قد سعى إلى تقويض أيّ وكلّ جهود إلى استعمال خطاب عن الحقيقة من أجل نزع المشروعية عن الممارسات الجنسية والمجندرة الخاصة بأقليّة ما. هذا لا يعني أنّ كلّ ممارسات الأقليات ينبغي التغاضي عنها أو الاحتفاء بها، بل يعني أنّ علينا أن نكون قادرين على التفكير فيها قبل الإقدام على أيّ نوع من الاستنتاجات حولها. ما كان يقلقني أكثر من أيّ شيء آخر هي تلك الحالات حيث أنّ الذعر أمام هكذا ممارسات قد جعل منها غير قابلة للتفكير فيها. هل أنّ انهيار الثنائيات الجندرية هو، على سبيل المثال، بشع بهذا القدر، ومخيف بهذا القدر، حتى نعتقد أنّه من المستحيل  نهائيّا ويمنع تجريبيا أو استكشافيا من بذل أيّ جهد للتفكير في الجندر ؟

بعض هذه الافتراضات قد تمّ العثور عليها فيما كان يسمّي عندئذ “النسوية الفرنسية”، وكانت يتمتع بشعبية كبيرة بين دارسي الأدب وبعض المنظّرين الاجتماعيين. حتى وإن عارضت ما كنت أعتبره جنسية غيرية في قلب أصولية الفرق الجنسي، فأنا قد نهلت من ما بعد البنيوية الفرنسية كي أحدّد أهدافي. وإنّ عملي ضمن مشكلة الجندر هو قد انقلب في آخر المطاف إلى ضرب من [ix] الترجمة الثقافية. إنّ النظرية ا بعد البنيوية قد تمّت تعبئتها للتأثير على نظريات الجندر والمآزق السياسية للحركة النسوية في الولايات المتحدة. وإذا كانت ما بعد البنيوية تبدو، في بعض مظاهرها، بمثابة مذهب صوري، يعمل بمعزل عن مسائل السياق الاجتماعي والهدف السياسي، فإنّ هذا ليس صحيحا بالنسبة إلى آخر الطرق الجديدة لتملّكها والاقتباس منها في أمريكا. في الواقع، ليس غرضي أن “أطبّق” ما بعد البنيوية على الحركة النسوية، بل أن أخضع تلكم النظريات إلى إعادة صياغة نسوية على وجه التحديد. وفي حين أنّ بعض المدافعين عن النزعة الصورانية ما بعد البنيوية، قد عبّر عن استيائه من التوجّه “الموضوعاتي” الصريح الذي تأخذه تلك النزعة في أعمال من نوع كتاب مشكلة الجندر، فإنّ نقّاد ما بعد البنيوية في نطاق اليسار الثقافي هم قد عبّروا بقوة عن شكوكهم تجاه الادّعاء بأنّه قد يتأتّى من مقدّماتها شيءٌ يكون تقدّميا على الصعيد السياسي. بيد أنّه بالتقديرين كليهما، تُعتبَر ما بعد البنيوية شيئاً موحَّدا، محضاً، ومتجانسا. إلاّ أنّ تلك لنظرية أو المجموعة من النظريات هي في الأعوام الأخيرة قد هاجرت إلى ناحية دراسات الجندر والجنسانية والدراسات ما بعد الكولونيالية والدراسات العرقية. لقد فقدت صورانية هيئتها المبكّرة واكتسبت حياة جديدة ومزدرعة في ميدان النظرية الثقافية. ولا تزال ثمّة نقاشات مستمرة عمّا إذا كان عملي الخاص أو عمل هومي بهابها، غاياتري شاكرفورتي سبيفاك أو سلافوي جيجيك، ينتمي إلى الدراسات الثقافية أو إلى النظرية النقدية، بيد أنّ هكذا أسئلة هي على الأرجح تبيّن فقط أنّ التمييز القوي بين المشروعين قد تكسّر وانهار. سوف يوجد منظّرون يدّعون أنّ كلّ ذلك ينتمي إلى الدراسات الثقافية، وسوف يوجد هناك ممارسون للدراسات الثقافية يعرّفون أنفسهم بكونهم ضدّ كلّ ضرب من النظرية ( وإن كان ذو دلالة أنّ الأمر لا ينسحب على ستيوارت هال، أحد مؤسّسي الدراسات الثقافية في بريطانيا). لكنّ طرفي النقاش هما في بعض الأحيان يفوتهما أنّ وجه النظرية قد تغيّر وبالتحديد عبر التخصيصات الثقافية لها. ثمّة حيّز جديد للنظرية، هو بالضرورة غير طاهر، حيث هي تنبجس في صلب الحدث الحقيقي للترجمة الثقافية وباعتبارها نتاجا له. ليس هذا إزاحة للنظرية بواسطة النزعة التاريخية ولا هو مجرد إضفاء للصبغة التاريخية على النظرية، من شأنه أن يكشف عن الحدود العرضية لادّعاءاتها الأكثر قابلة للتعميم. بل هو انبجاس للنظرية من تلك الجهة حيث تلتقي الآفاق الثقافية، وحيث يكون الطلب على الترجمة ملحّا، وحيث تكون وعودُه بالنجاح، غير مؤكدة.

[x] مشكلة الجندر كتابٌ يجد جذوره في ما يسمى “النظرية الفرنسية”، والذي هو نفسه اختراع أمريكي مثير للفضول. في الولايات المتحدة فقط، يوجد هذا العدد من النظريات المتنافرة وهي مضمومة إلى بعضها البعض وكأنّها تؤلّف نوعا من الوحدة. وعلى الرغم من أنّ الكتاب قد تُرجم إلى عديد اللغات،وكان له أثر قوي بشكل مخصوص على النقاشات حول الجندر والسياسة في ألمانيا، فهو سوف يظهر في فرنسا، إذا ما قُدّر لذلك أن يحدث أخيرا، في وقت متأخّر على ظهوره في بعض البلدان الأخرى.وأنا أذكر ذلك حتى أؤكّد على أنّ المركزية الفرنسية الظاهرية للنص هي على مسافة ذات دلالة من فرنسا ومن حياة النظرية في فرنسا. يميل كتاب مشكلة الجندر إلى أن يقرأ معاً، وبطريقة توفيقية، مجموعة متنوّعة من المفكّرين الفرنسيين (لفي-شتراوس، فوكو، لاكان، كريستيفا، فيتيج)، الذين ليس لهم تحالفات كثيرة الواحد مع الآخر ولا يقرؤهم القراء في فرنسا، متى تمّ ذلك يوما ما، الواحد مع الآخر إلاّ نادرا. وبالفعل فإنّ الاختلاط الفكري في هذا النص إنّما تميّزه على وجه الدقة بوصفه نصّا أمريكيا، وتجعله غريبا عن السياق الفرنسي. وهو ما يظهر على سبيل المثال في التأكيد على التقليد السوسيولوجي والأنثروبولوجي الأنجلو-أمريكي القائم على دراسات “الجندر”، والذي هو متميّز عن خطاب “الفرق الجنسي” المتفرّع عن البحث البنيوي. وإذا كان النصّ يركب خطر المركزية الأوروبية في الولايات المتحدة، فقد سبق أن مثّل تهديدا بـــــــــــــــ “أمركة” النظرية في فرنسا، بالنسبة إلى أولئك القلائل من الناشرين الفرنسيين الذين ألقوا نظرة عليه.

بالطبع، ليست “النظرية الفرنسية”باللغة الوحيدة في هذا النص. فهو ينبع من رحم التزام  طويل بالنظرية النسوية، ومن النقاشات حول الطابع المميّز للجندر باعتباره شيئا يُبنى اجتماعيّاً، ومن التحليل النفسي والكتابات النسوية، ومن العمل الخارق الذي قام به غايل روبن حول الجندر والجنسانية والقرابة، والعمل الرائد الذي أنجزه إستر نيوتن حول الدراغ أو المتشبّهات والمتشبّهين[6]، والكتابات النظرية والروائية اللامعة للكاتبة مونيك فيتيج، ومن المنظورات المثلية[7] في الآداب والإنسانيات. وفي حين أنّ عديد النسويات في الثمانينات كانت تفترض أنّ النزعة السحاقية تلتقي بالنزعة النسوية في ظل النسوية السحاقية، فإنّ ما سعى إليه كتاب مشكلة الجندر هو أن يرفض فكرة أنّ الممارسة السحاقية تجسّد[8] النظرية النسوية بطريقة ملموسة، وأن يقيم علاقة أكثر اضطرابا بين المصطلحين. لا تمثّل النزعة السحاقيّة في هذا النص عودة إلى الشيء الأكثر أهمّية بالنسبة إلى المرأة؛ فهي لا تكرّس الأنوثة أو تشير إلى عالم قائم على المركزية النسائية. ليست النزعة السحاقية [xi] ضربا من التحقيق الشبقي لمجموعة من المعتقدات السياسية (الجنسانية والمعتقد هما مرتبطان بطريقة أكثر تركيبا من ذلك، وغالب الأحيان على خلاف أحدهما مع الآخر). وبدلا من ذلك، يتساءل النصّ هكذا تساؤل: كيف للممارسات الجنسية غير السوية أن تضع موضع السؤال استقرار الجندر من حيث هو مقولة تحليل ؟ كيف لبعض الممارسات الجنسية أن تجبرنا على التساؤل: ما هي المرأة، ما هو الرجل ؟ وإذا ما الجندر لم يعد مفهوما باعتباره شيئا مرسّخا وموطّدا بواسطة الجنسانية المعيارية، فهل ثمة عندئذ أزمة في الجندر خاصة بالسياقات المتعلقة بالشواذ ؟

إنّ فكرة أنّ الممارسة الجنسية تمتلك القدرة على زعزعة استقرار الجندر إنّما انبثقت عندي من قراءة نصّ غايل روبن “الاتّجار بالنساء” وكان مقصدها هو تقرير أنّ الجنسانية المعيارية من شأنها أن تعزّز وأن تقوّي الجندر المعياري. وباختصار، يكون أحدهم امرأة، بحسب هذا الإطار، بقدر ما يؤدّي وظيفته باعتباره كذلك داخل الإطار الجنسي-الغيري المهيمن وأن تضع الإطار موضع سؤال إنّما يعني على الأرجح أنّ المرء قد خسر إحساسه بمكانه داخل الجندر. وأنا أعتبر أنّ هذا هو الصياغة الأولى عن “اضطراب الجندر” في هذا النص. كان مسعاي أن أفهم جزءً من الرعب والجزع الذي يؤلم بعض الناس حين “يصبح مثليّا[9]“، والخوف من أن يخسر مكانه داخل الجندر أو من ألاّ يعرف من يريد أن يكون إذا هو جامع أحداً هو في ظاهره من “نفس” الجندر. وهذا يشكّل نحوا من الأزمة في الانطولوجيا يجرّبها المرء على مستوييْ الجنسانية واللغة كليهما. وهذه المسألة تصبح أكثر حدّة حين  نضع في الاعتبار مختلف الأشكال الجديدة من الجندرة[10] التي انبثقت في ضوء الجندرية العابرة[11] والجنسانية العابرة أو المتحوّلة[12]والأبوّة/أو/الأمومة المثلية[13]، والهويات الجديدة للمرأة /”البوتش” أو المترجلة[14]. متى ولمَ، على سبيل المثال، تصبح بعض السحاقيات المترجّلات، متى صرن آباء /أو/ أمّهات، تصبحن “بابوات[15]” أو “ماموات”[16] ؟

ماذا عن الفكرة التي اقترحتها كيت بورنشتاين[17]، والمتمثلة في أنّ كائنا متحوّلا جنسيّا[18] لا يمكن أن يوصَف بواسطة اسم “امرأة” أو “رجل”، بل ينبغي أن تتم مقاربته عبر أفعال مضارعة تشهد على التحوّل المستمر الذي “هو” الهوية الجديدة أو، في واقع الأمر، “حالة البين-البين”[19] التي من شأنها أن تضع كينونة الكائن المُجندَر[20] موضع سؤال ؟ وعلى الرغم من أنّ بعض السحاقيات تذهبن إلى أنّ المرأة “البوتش” أو المترجّلة ليس لها أي صلة مع فكرة “أن-تكون-رجلا”، في حين أنّ أخريات تؤكّدن أنّ “البوتشية”[21]/أو ترجّل المرأة، إنّما هو أو هو كان فقط طريقا إلى منزلة مرغوب فيها [xii] هي منزلة الرجل. وبلا ريب فهذه المفارقات قد ازدهرت وتكاثرت في الأعوام الأخيرة، مانحة بذلك دليلا واضحا على ضرب من الاضطراب في الجندر، لم يكن النص ذاته قد استبق الطريق إليه.

ولكن ما هو الرابط ما بين الجندر والجنسانية الذي سعيت إلى التوكيد عليه ؟ يقيناً، أنا لم يكن قصدي أن أدّعي أنّ أشكال الممارسة الجنسية تنتج جنادر[22] معيّنة، بل فقط أنّه في ظلّ ظروف أو شروط تحكمها معايير الجنسانية الغيرية، إنّما يكون ضبط الجندر[23]مستعملا في بعض الأحيان بوصفه طريقة لتأمين الجنسانية الغيرية. وتقدّم لنا كاترين ماككينون[24] صياغة لهذا المشكل تتناغم مع صياغتي الخاصة له، في نفس الوقت الذي توجد فيه، كما أعتقد، اختلافات حاسمة وهامة فيما بيننا. هي تكتب:

إذا ثُبّتت بوصفها صفة للشخص، تأخذ اللامساواة الجنسية شكل الجندر؛ فإذا ما حُرِّكت باعتبارها علاقة بين الناس، هي تأخذ شكل الجنسانية. إنّ الجندر إنّما ينبثق بوصفه الشكل المتجمّد من عملية تجنيس اللامساواة بين الرجال والنساء.

ومن هذه الزاوية فإنّ التراتبية الجنسية هي التي تنتج الجندر وتعزّزه. ليست معايير الجنسانية الغيرية هي التي تنتج وتعزّز الجندر، بل تراتبية الجندر هي التي قيل عنها أنّها تضمن العلاقات الجنسية الغيرية. وإذا كانت تراتبية الجندر تنتج الجندر وتعزّزه، وإذا كانت تراتبية الجندر تفترض فكرةً نافذة المفعول[25] عن الجندر، فإنّ الجندر هو الذي يسبّب الجندر، وإذا بالصياغة تنتهي إلى مصادرة على المطلوب. من الممكن أنّ ماككينون إنّما تريد فقط أن ترتسم آلية الإنتاج الذاتي لتراتبية الجندر، لكنّ هذا ليس هو ما قالته.

هل أنّ “تراتبية الجندر” هذه كافية لتفسير شروط إنتاج الجندر ؟  إلى أيّ مدى تخدم تراتبية الجندر، إنْ كثيرا أو قليلا، جنسانية غيرية إجبارية، وكم مرّة تكون معايير الجندر مضبوطة بدقة من أجل تدعيم الهيمنة الجنسية الغيرية ؟

نحن نجد أنّ كاترين فرانكا، وهي منظّرة حقوقية معاصرة، قد قامت باستعمال جديد للمنظورات النسوية والمنظورات الشذوذية، منبّهة إلى أنّه بتسليمها بأوّلية تراتبية الجندر على إنتاج الجندر، فإنّ ماككينون تقبل على هذا النحو بنموذج يُفترض أنّه جنسيّ غيريّ، من أجل التفكير حول الجنسانية. تمنحنا فرانكا نموذجا عن [xiii] الميز أو التفريق[26] الجندري تعتبره بديلا عن نموذج ماككينون، يقيم الحجة بالفعل على أنّ التحرّش الجنسي هو الاستعارة البراديغماتية على إنتاج الجندر. ليس كلّ تمييز يمكن أن يُفهَم باعتباره تحرّشاً. إنّ فعل التحرّش يمكن أن يكون ذاك الذي خلاله “يُجعَل”[27] شخصٌ ما داخل جندر معيّن. بيد أنّه توجد طرق أخرى أيضا لفرض الجندر. وهكذا، فإنّه من المهمّ، بالنسبة إلى فرانكا، أن تقوم بتمييز مؤقّت بين الجندر والتفريق الجنسي. إنّ الناس المثليين[28]، على سبيل المثال، يمكن أن يقع الميز ضدّهم في مواقع التشغيل لأنّهم يفشلون في أن “يظهروا” في توافق مع معايير الجندر المقبولة. وإنّ التحرّش الجنسي بالمثليين يمكن جدّا أن يحدث ليس من أجل تدعيم تراتبية الجندر، بل من أجل تعزيز معيارية الجندر.

وحيثما تقوم ماككنون بنقد قوّي للتحرّش الجنسي، هي تؤسّس تنظيماً من نوع آخر: أن يكون لأحدهم جندر يعني أنّه قد دخل بعدُ في علاقة جنسية غيرية قائمة على الخضوع. وعلى مستوى تحليلي، هي تقيم معادلة تتصادى مع بعض الأشكال السائدة من كراهية المثليين. وهذا النوع من النظر ينصّ ويتغاضى على الترتيب الجنسي للجندر، مع الحفاظ على أنّ الرجال الذين هم رجال سوف يكونون أمناء مستقيمين[29]، والنساء اللواتي هنّ نساء سوف يكنّ أمينات مستقيمات. وتوجد سلسلة أخرى من وجهات النظر، بما في ذلك وجهة نظر فرانكا، هي تقوم تحديدا بنقد هذا الشكل من تنظيم الجندر. وهكذا يوجد فرقٌ بين الآراء القائمة على التمييز بين الجنسين[30] وبين الآراء النسوية، حول العلاقة بين الجندر والجنسانية: يدّعي أنصار التمييز بين الجنسين أنّ امرأةً ما هي لا تكشف عن امرائيّتها أو طبعها كامرأة[31] إلاّ عند الجماع الجنسي الغيري، حيث يصبح خضوعها هو لذّتها ( ماهية تنبجس وتتأكّد في خضوع النساء بواسطة الجنس)؛ وتذهب وجهة النظر النسوية إلى أنّ الجندر قد يجب الإطاحة به وإزالته أو جعله ملتبسا على نحو قاهر، وذلك بسبب أنّه علامة على خضوع النساء. وهذا الرأي الأخير يقبل بسلطة الوصف الأرثوذكسي الذي قدّمه الرأي الأوّل، ويقبل بأن يعمل هذا الوصف باعتباره إيديولوجيا متسلطة وقوية،  لكنّه يحثّ على معارضته.

وأنا ألحّ على هذه النقطة لأنّ بعض منظّري الشذوذية[32]قد رسموا تمييزا تحليليا ما بين الجندر والجنسانية، رافضين بذلك أيّ رابط سببي أو بنيوي بينهما. وهذا له معنى [xiv] من منظور واحد: إذا كان ما هو مقصود بهذا التمييز هو أنّ المعيارية الجنسية الغيرية لا يجب أن تنظّم الجندر، وأنّ هكذا تنظيماً يجب أن تتمّ معارضته، فأنا بكل تأكيد موافقة على وجهة النظر هذه. ولكن إذا كان ما هو مقصود بذلك هو (على سبيل الوصف) أنّه لا يوجد ترتيب جنسي للجندر، فأنا أتصوّر أنّ بُعداً هامّا، ولكن ليس على وجه الحصر، من أبعاد الطريقة التي تجري بها أعمال كراهية المثليين، هو لا يزال ساري المفعول على نحو غير معترف به من طرف أولئك الذين تحدوهم رغبة واضحة في محاربتها. وإنّه من المهمّ بالنسبة إليّ أن نقرّ، مع ذلك، بأنّ البعد الإنجازي للانقلاب على الجندر[33] يمكن ألاّ يشير إلى أيّ شيء حول الجنسانية أو الممارسة الجنسية. يمكن إثارة الالتباس حول الجندر من دون إزعاج الجنسانية الموافقة للمعايير السائدة أو إعادة توجيهها. في بعض الأحيان، يمكن لالتباس الجندر أن يعمل على وجه الدقة من أجل استيعاب أو تحاشي الممارسة الجنسية غير الموافقة للمعايير وبذلك يمكن أن يعمل من أجل المحافظة على الجنسانية الموافقة للمعايير سليمة لا تشوبها شائبة. وهكذا، ليس هاهنا من تضايف يمكن رسمه، على سبيل المثال، ما بين ممارسة المتشبّهات والمتشبّهين[34] أو المتحوّلين جندريّاً[35] وبين الممارسة الجنسية، كما أنّه لا يمكن أن نتوقّع إمكانية رسم خارطة تحدّد مسبقاً توزيع الميول إلى غيرية وثنائية ومثلية[36]، بحسب مستويات انعطافات الجندر أو تغيراته.

إنّ أكثر عملي في السنوات الأخيرة قد خُصّص إلى إيضاح نظرية الإنجازيّة[37] التي تمّ ارتسامها في كتاب مشكلة الجندر وإلى مراجعتها. ومن الصعب أن نقول ماذا هي الإنجازيّة على وجه الدقّة، ليس فقط لأنّ آرائي الخاصة حول “الإنجازيّة” قد يكون تغيّر مع الوقت، وأغلب الأحيان جواباً على مواقف نقدية رائعة، بل لأنّ آخرين كثراً قد استأنفوا تلك الآراء وقدّموها في صياغاتهم الخاصة. في الأصل أنا أخذت فكرتي حول كيفية قراءة إنجازيّة الجندر من قراءة دريدا لقصة كافكا “أمام القانون”. فمن ينتظر القانون هاهنا، يجلس أمام باب القانون، وينسب قوة معيّنة للقانون الذي ينتظره. إنّ ترقّب الكشف عن المعنى المسموح به من قبل سلطة ما[38] هو الوسيلة التي من خلالها يتمّ إسناد السلطة[39] وتثبيتها: إنّ الترقّب يستحضر موضوعه. كنت أتساءل ما إذا لم نكن نتصرّف تحت توقّعات مشابهة فيما يتعلق بالجندر، أنّه يعمل بمثابة ماهية باطنية يمكننا الكشف عنها، بمثابة توقّع يخلص في النهاية إلى إنتاج الظاهرة الحقيقية التي يترقّبها. في المقام الأوّل، تدور الإنجازيّة، بذلك، حول هذه الاستعارة العكسية[40]، نعني الطريقة التي بها [xv] يؤدّي ترقّبُ ماهية مجندَرة إلى إنتاج ما كان يضعه باعتباره شيئا خارجا عنه هو ذاته. وفي المقام الثاني، فإنّ الإنجازيّة هي ليست فعلا مفردا، بل معاودة وطقس، من شأنه أن يحقق مفاعيله عبر تطبيعه في سياق جسد، مفهوم في شطر منه بوصفه مدة زمنية مستمرة ثقافياّ.

عديد الأسئلة الهامة طُرحت على هذا المذهب، ويبدو أنّ أحدها يستحق الذكر في هذا الموضع. إنّ الرأي بأنّ الجندر هو شيء إنجازي إنّما كان الغرض منه أن نبيّن أنّ ما نعتبره ماهية باطنية للجندر هو شيء مصنوع من خلال مجموعة مستمرّة من الأفعال، تمّ طرحها عبر عمل أسلوبي[41] مجندر على الجسد. وبهذه الطريقة، فإنّ ذلك قد بيّن أنّ ما نعتبره سمة “باطنيّا” لأنفسنا هو شيء نترقّبه وننتجه عبر أفعال جسدية معيّنة، وبعبارة قصوى، هو مفعول هلوسة ناجمة عن حركات[42] تطبيعية. هل يعني ذلك أنّ كلّ ما يُفهَم بوصفه “باطنيا” حول النفس[43] هو بذلك قد تمّ إخلاؤه، وأنّ تلك الباطنية هي استعارة زائفة ؟ على الرغم من أنّ كتاب مشكلة الجندر هو قد وضع استعارة النفس الباطنية في صلب مناقشاته الأولى عن كآبة الجندر، على نحو واضح، فإنّ هذا التوكيد لم يقع بسطه إلى حدّ التفكير في الإنجازيّة نفسها. ففي نفس الوقت، ضمن كتاب الحياة النفسية للسلطة  وعديد مقالاتي الأخيرة حول موضوعات التحليل النفسي، كنت سعيت إلى إيجاد حلّ لهذا المشكل، الذي رأى فيه الكثيرون فاصلاً إشكاليا بين الفصل الأوّل والفصل الأخير من هذا الكتاب. وعلى الرغم من أنّ بي رغبة في إنكار أنّ كلّ العالم الباطني للنفس ما هو إلاّ مفعول ناجم عن مجموعة مؤسلَبة من الأفعال، فإنّني لازلت أتصوّر أنّه لخطأ نظري جسيم أن نأخذ “باطنية” العالم النفسي باعتبارها شيئا مضمونا. إنّ بعض سمات العالم، بما في ذلك الناس الذين نعرفهم ونفقدهم، إنّما شأنها أن تصير سمات “باطنية” في الذات[44]، لكنّها سمات تمّ تحويلها عبر هذا الاستبطان، وأنّ العالم الباطني، كما يسمّيه أصحاب ميلاني كلاين[45] ، هو مؤسّس على وجه الدقة باعتباره نتيجة للاستبطانات التي تنجزها نفسٌ ما. وهذا يشير إلى أنّه قد يمكن فعلا أن توجد نظرية نفسية عن الإنجازية هي قيد العمل وتدعونا إلى استكشاف كبير.

وعلى الرغم من أنّ هذا النصّ لا يجيب عن السؤال المتعلق بما إذا كانت ماديّة الجسد هي مبنيّة بتمامها، فإنّه قد كان بمثابة قطب الرحى في كثير من عملي اللاحق، والذي آمل أن أثبته بشكل واضح [xvi] بالنسبة إلى القارئ. إنّ مسألة ما إذا كانت نظرية الإنجازيّة يمكن أو لا يمكن نقلها إلى مباحث العرق، قد تمّ استكشافها من طرف عديد الدارسين. وأنا أودّ أن أسجّل هنا ليس فقط أنّ الافتراضات العرقية هي باستمرار تذيّل خطاب الجندر على أنحاء تحتاج إلى أن يتمّ توضيحها، ولكن أيضا أنّ العرق والجندر لا ينبغي أن يُعامَلا وكأنّهما مجرّد مماثلات أو تشبيهات. وأنا أودّ أن أشير بالتالي إلى أنّ السؤال الذي يجدر بنا إثارته ليس ما إذا كانت نظرية الإنجازية قابلة للنقل إلى مسائل العرق، بل بالأحرى ماذا يحدث للنظرية حينما تحاول التصدّي لموضوع العرق. وإنّ العديد من هذه المناقشات قد تركّز على منزلة “البناء”، وما إذا كان العرق شيئا يُبنى بنفس الطريقة التي يُبنى بها الجندر. وإنّ رأيي هو أنّه لا يوجد اعتبار واحد سوف يفي بذلك، وأنّ هذه المقولات هي تعمل على الدوام بمثابة خلفيّة الواحدة بالنسبة على الأخرى، وأنّها في الغالب تجد تمفصلها الأكثر قوّة الواحدة عبر الأخرى. وهكذا، فإنّ إضفاء الطابع الجنسي[46] على معايير الجندر العرقي إنّما يدعونا إلى قراءته عبر عدسات متعددة في نفس الوقت، وإنّ التحليل بلا ريب من شأنه أن يلقي الضوء على حدود الجندر من حيث هو مقولة تحليل حصرية.

ومع أنّني قد أحصيت بعضاً من التقاليد والمناقشات الأكاديمية التي نفخت الحياة في هذا الكتاب، فإنّ غرضي ليس أن أقدّم مرافعة كاملة في هذه الصفحات القليلة. هناك جانب حول هذا النص متعلق بالشروط التي كانت وراء إنتاجه ظلّ غير مفهوم دوماً: أنّه لم يُنتَج فقط من جهة الأكاديمية، بل أيضا من جهة الحركات الاجتماعية التي يلتقي معها، والتي كنت جزءً منها، وفي سياق جماعة مثلية على الساحل الشرقي من الولايات المتحدة حيث عشت طيلة أربعة عشر سنة قبل كتابة هذا الكتاب. وعلى الرغم من تفكّك الذات التي ينجزها النصّ، فإنّه يوجد شخصٌ هاهنا: أنا ذهبت إلى عديد الاجتماعات والحانات والمسيرات ورأيت أنواعا كثيرة من الجندر، وفهمت أنا نفسي أنّني أوجد في مفترق طرق البعض منهم، والتقيت بالجنسانية في العديد من أطرافها الثقافية. عرفت كثيرا من الناس الذين كانوا يحاولون العثور على طريقهم في غمرة حركة هامة تعمل من أجل الاعتراف الجنسي والحرية الجنسية، وشعرت بالنشوة وبالحسرة التي تصاحب الإحساس بأنّك جزء من هذه الحركة سواء في الأمل الذي يحدوها أو في الشقاق الداخلي الذي يعصف بها. وفي الوقت ذاته الذي كنت فيه مستقرة تماما داخل الأكاديمية، كنت كذلك أعيش [xvii] حياة خارج تلك الجدران، ورغم أنّ كتاب مشكلة الجندر هو كتاب أكاديمي، فإنّه بدأ، بالنسبة إليّ، عند نقطة التقاطع[47]، حيث كنت جالسة على شاطئ ريحوبوث[48]، متسائلةً ما إذا كنت أستطيع أن أربط بين الجهات المختلفة من حياتي. أنّني أستطيع أن أكتب على نمط السيرة الذاتية، فإنّ ذلك، على ما أتصوّر، لن ينقل الذات التي هي أنا إلى محلّ جديد، بل على الأرجح هو يمنح القارئ شعورا بالعزاء بأنّه يوجد هاهنا أحدٌ ( وأنا أعلّق بالنسبة إلى هذه اللحظة مسألة أنّ هذا الأحد قد منح نفسه إلينا في اللغة).

ولقد كانت واحدة من التجارب الأكثر إبهاجاً بالنسبة إليّ أنّ النصّ يواصل حركته خارج الأكاديمية إلى هذا اليوم. وفي نفس الوقت الذي تمّ فيه تناول الكتاب من طرف الكوير نايشن[49]، وأنّ البعض من تأمّلاته حول الطابع المسرحي لتقديم الذات عند الشواذ، قد تناغم مع تكتيكات الأكت أب[50]، فإنّه كان من بين الموادّ التي ساعدت أيضا على حثّ أعضاء من جمعية التحليل النفسي الأمريكية والجمعية النفسانية الأمريكية على مراجعة شطر من عقيدتها الحالية عن الجنسانية المثلية. وإنّ مسائل الجندر الإنجازي قد تمّ اعتمادها بطرق مختلفة في الفنون البصرية وفي معارض وايتني[51] وفي مدرسة أوتيس للفنون في لوس أنجلوس، من بين أشياء أخرى. كذلك فإنّ البعض من صياغاته عن موضوع “النساء” وعن العلاقة بين الجنسانية والجندر هي كذلك وجدت طريقها نحو القانون النسوي والدراسات الحقوقية حول مقاومة التمييز مع أعمال فيكي شولتز وكاترين فرانكا وماري جو فروغ[52].

وفي المقابل، كنت مضطرة إلى مراجعة البعض من مواقفي ضمن مشكلة الجندر بفضل التزاماتي السياسية. في هذا لكتاب، كنت أميل إلى تصوّر الدعوة إلى “الكونية” بعبارات هي على وجه الحصر سلبية وإقصائية. ومع ذلك، فأنا تفطّنت إلى أنّ هذا المصطلح له استعمال إستراتيجي هامّ وتدقيقاً من حيث هو مقولة غير-جوهرية ومفتوحة مطلقا حينما عملت مع فريق رائع من النشطاء أوّلا كعضوة مجلس إدارة ثمّ كرئيسة للجنة الدولية للحقوق الإنسانية للمثليين (1994-1997)، وهي منظّمة تمثّل الأقلّيات الجنسية فيما يتعلق بمجموعة واسعة من قضايا حقوق الإنسان. وذلك قادني إلى أن أفهم كيف يمكن للتأكيد على الكونية أن يكون استباقيّا[53] وإنجازيّا، إذ يستحضر واقعاً لم يوجد بعد، مانحاً لنا إمكانية التلاقي بين آفاق ثقافية هي لم تكن قد [xviii ] التقت من قبل. وهكذا، وصلت إلى نظرة أخرى إلى الكونية حيث تُعرَّف باعتبارها عملا على الترجمة الثقافية مجوّها نحو المستقبل. وفي وقت قريب، اضطررت إلى ربط عملي بالنظرية السياسية، ومرة أخرى، بمفهوم الكونية، ضمن كتاب جماعي كتبته بمعيّة إرنستو لاكلاو وسلافوج جيجيك[54] حول نظرية الهيمنة واستتباعاتها بالنسبة إلى ناشط مثقّف من اليسار (يصدر عن دار فيرسو سنة 2000 بلندن).

يوجد بُعد عمليّ آخر لتفكيري كان قد تبلور في علاقة مع التحليل النفسي سواء بوصفه مشروعا عمليا أو بوصفه عملا إكلينيكيا. وأنا أعمل حاليّا[55] بمعيّة فريق من معالجيّ التحليل النفسي التقدّميين على بعث صحيفة جديدة، بعنوان دراسات في الجندر والجنسانية، هي تسعى إلى دفع العمل الإكلينيكي والعمل العلمي نحو إقامة حوار منتج حول مسائل الجنسانية والجندر والثقافة.

وإنّ كلاًّ من نقّاد كتاب مشكلة الجندر وأصدقائه قد انتبهوا إلى صعوبة أسلوبه. من الغريب، بلا شكّ، ومن المزعج جدّا بالنسبة إلى البعض، أن يجد المرء كتاباً ليس من اليسير استهلاكه حتى يكون “شعبيا” وذلك طبقاً للمناويل الأكاديمية. إنّ المفاجأة حول هذا الأمر هي ربما راجعة إلى طريقتنا في الاستخفاف بالجمهور القارئ، بقدرته وبرغبته في قراءة النصوص المعقدة والتي تنطوي على ضرب ما من التحدّي، وذلك حين لا يكون التعقيد مجانيّا، وحين يكون التحدّي في خدمة الدعوة إلى وضع الحقائق المسلّم بها موضع السؤال، وحين يكون التسليم بهذه الحقائق، في واقع الأمر، قامعاً لنا.

أنا أتصوّر أنّ الأسلوب هو أرضية معقّدة، وليس شيئا نحن نختاره بشكل أحادي أو نتحكّم فيه بواسطة المقاصد التي ننويها عن وعي. كان فردريك جيميسون[56] قد وضّح هذا الأمر في كتابه المبكّر عن سارتر. بلا ريب، يستطيع المرء أن يكون له مراس بالأساليب، لكنّ الأساليب التي تتأتّى لك هي ليست بالكامل مسألة اختيار. وأكثر من ذلك، لا النحو ولا الأسلوب هما محايدان سياسيّاً. فإنّ تعلّم القواعد التي تحكم الكلام المفهوم هو انغراس في اللغة المعيَّرة[57]، حيث أنّ ثمن عدم موافقتها هو فقدان إمكانية الفهم ذاتها. وكما ذكّرني بذلك دروسيلا كورنال[58]، على سنّة أدورنو،: ليس ثمّة شيء جذري في الحس المشترك. سوف يكون من الخطأ أن نتصوّر أنّ النحو الموروث هو أفضل وسيلة للتعبير عن الآراء الجذرية، نظرا للقيود [xix] التي يفرضها النحو على التفكير، وفي الواقع، على ما يمكن التفكير فيه بحدّ ذاته. لكنّ الصياغات التي تشوّه النحو أو التي هي في سرّها تضع متطلبات الفعل-و-الفاعل في المعنى القضوي، موضع سؤال، إنّما هي أمر مزعج على نحو جليّ بالنسبة إلى البعض. هي تؤدّي إلى المزيد من العمل بالنسبة إلى قرّائها، وفي بعض الأحيان يشعر قرّاؤها بالإساءة من هكذا مطالب. هل أنّ أولئك الذين يشعرون بالإساءة هم يقدّمون طلبا من أجل “الكلام الواضح” أم أنّ شكواهم تصدر عن توقع استهلاكي للحياة الفكرية ؟ هل ثمّة، بالأحرى، قيمة ما لأنْ يكون ذلك مشتقّا من هكذا تجارب في الصعوبة اللسانية ؟ وإذا كان الجندر هو ذاته مطبَّعاً عبر المعايير النحوية، كما تحتج بذلك مونيك فيتيج[59]، فإنّ تغيير[60] الجندر على المستوى المعرفي الأكثر أساسيّة سوف يتمّ، في جزء منه، عبر الطعن في النحو الذي في نطاقه تعيّن الجندر وتشكّل.

إنّ مطلب الوضوح من شأنه أن ينسى الحيل التي تحرّك الرؤية “الواضحة” في الظاهر. ويذكّرنا أفيتال رونال[61] تلك اللحظة حيث نظر نيكسون في عينيّ الأمة وقال، “دعوني أوضّح الأمر جيّدا”، ثمّ استرسل في الكذب. ما الذي يجول تحت علامة “الوضوح” وماذا يمكن أن يكون الثمن عند الفشل في نشر ريبة نقدية حين يتم الإعلان عن وصول الأمور الواضحة والجلية ؟ من يضع بروتوكولات “الوضوح” ومصالح منْ هو يخدم ؟ ما هو الشيء الذي تمّ منعه ومصادرته[62]من خلال الإلحاح على مناويل الشفافية ضيقة لأفق باعتباره مطلبا ضروريا لكل ضرب من التواصل ؟ علام تعتّم “الشفافية”، ما الذي تُبقي عليه في الظلمة ؟

لقد نشأت على فهم شيء ما من العنف الذي تسلّطه معايير الجندر: عمٌّ محبوس بسبب جسم غير سويّ في خِلقته، محروم من العائلة والأصدقاء، يقضي أيّامه بين جدران “معهد” في مروج الكنساس؛ أبناء عمّ مثليون أُجبروا على ترك منازلهم بسبب جنسانيتهم، أكانت واقعية أم متخيّلة؛ خروجي العاصف أنا نفسي عن بيت الوالدين في سن السادسة عشر؛ ومشهد لاحق من حياة الكهولة مليء بتجارب الخسارة: خسارة الوظائف والمحبّين والمنازل. كلّ ذلك جعلني عرضة لإدانة قوية وجارحة، ولكن، لحسن الحظ، هي لم تمنعني من طلب المتعة ومن إلحاحي على اعتراف مشروع بحياتي الجنسية. وكان من الصعب أن أجعل هذا العنف في مرأى النظر وتدقيقاً بسبب أنّ الجندر يُنظر إليه باعتباره شيئا بديهيّا في نفس الوقت الذي هو مضبوط فيه ومحروس على نحو عنيف. كان مفترضا إمّا أنّه [xx] تجلٍّ طبيعي للجنس أو أنّه ثابت ثقافي ما كان لأيّة قدرة بشرية أن تأمل في مراجعته. وهكذا أتيت إلى فهم شيء ما عن العنف الذي يضرب الحياة الممنوعة والمصادرة، تلك التي لا يجوز القول عنها إنّها “حيّة”، تلك التي يؤدّي حبسُها أو احتجازها إلى تعليق الحياة، أو إلى حكم بالإعدام مؤجّل في كل مرة. وإنّ الجهد الملحّ على “نزع الصفة الطبيعية”[63] عن الجندر  في هذا النصّ إنّما ينبثق، كما أعتقد، من رغبة عظيمة في أمرين، من جهة، مكافحة العنف المعياري الذي تنطوي عليه المورفولوجيات المثالية للجنس، ومن جهة، اقتلاع الافتراضات المتفشية حول الجنسانية الغيرية، الطبيعية أو المظنونة، التي تكوّنت في ثنايا الخطابات العادية والأكاديمية حول الجنسانية. والكتابة عن نزع الصفة الطبيعية للجندر لم تتمّ من مجرّد الرغبة في اللعب باللغة أو الدعوة إلى التهريج المسرحي بدلا عن السياسة “الواقعية”، كما ظنّ بعض النقّاد (كأنّ المسرح والسياسة متمايزان دوماً). بل إنّما كتبت انطلاقا من الرغبة في أن أحيى، في أن أجعل الحياة ممكنة، وفي أن أعيد التفكير في الممكن بما هو كذلك. لأيّ شيء كان يجب على العالم أن يشبه بالنسبة إلى عمّي حتى يعيش في صحبة عائلة وأصدقاء أو قرابة موسّعة من أيّ نوع كان ؟ كيف ينبغي علينا أن نعيد التفكير في القيود المورفولوجية المثالية المفروضة على العنصر الإنساني بحيث أنّ أولئك الذين يفشلون في الاقتراب من المعيار السائد لا يُحكَم عليهم بالموت في صلب الحياة ؟

كان بعض القرّاء قد تساءل ما إذا كان هناك سبب ما كي يسعى كتاب مشكلة الجندر إلى توسيع نطاق إمكانيات الجندر. يتساءلون: لأيّ غرض يتمّ ابتكار هكذا تشكيلات جديدة للجندر، وكيف يجدر بنا أن نحكم فيما بينها ؟ ينطوي السؤال غالبا على افتراض مسبق، ألا وهو، أنّ النصّ لم يتصدّ إلى البُعد المعياري أو التوجيهي[64] للفكر النسوي. “معياري” إنّما له بوضوح معنيان على الأقلّ في هذه المواجهة النقدية، نظراً لكوني أستعمل اللفظ غالبا  وبالأساس كي أصف العنف العادي[65]  الذي يجري[66] بسبب أنواع معيّنة من المثل الجندرية. وأنا في العادة أستعمل “معياري” بطريقة تجعله مترادفا مع “متّصل بالمعايير التي تحكم الجندر”. لكنّ مصطلح “معياري” إنّما يتّصل أيضا بالتبرير الإتيقي، كيف يتمّ إرساؤه، وما هي الاستتباعات الملموسة التي تنجرّ عن ذلك. وأحد الأسئلة النقدية التي طُرحت حول مشكلة الجندر كان كما يلي: كيف يمكننا أن نتصرّف كي نصدر أحكاماً حول الكيفية التي ينبغي أن يُعاش بها الجندر على قاعدة الوصوف النظرية المقدّمة هاهنا ؟ ليس من الممكن أن نعارض الأشكال “المعيارية” للجندر من دون أن أن يتمّ في [xxi] نفس الوقت الانخراط في رؤية معيارية معيّنة حول الطريقة التي يجب أن يكون عليها العالم المجندَر. وأنا أودّ أن أشير، مع ذلك، إلى أنّ الرؤية المعيارية الموجبة لهذا النص، بما هو كذلك، لم تأخذ ولا يمكن لها أن تأخذ شكل أمر إلزامي[67]: “هدّم[68] الجندر على نحو ما أقول، وستكون الحياة جميلة”.

إنّ أولئك الذين يصدرون مثل هذه الأوامر الإلزامية أو يريدون أن يصدروا القرار الفصل ما بين التعابير الهدّامة والتعابير غير الهدّامة[69] عن الجندر، هم يؤسّسون أحكامهم على وصف بعينه. يظهر الجندر في هذا الشكل أو ذاك، وإذا بحكم معياريّ قد صدر حول هاته الظهورات وعلى قاعدة ما يظهر. ولكن ما الذي يحدّد ميدان الظهور بالنسبة إلى الجندر ذاته ؟ نحن قد نميل إلى القيام بالتمييز التالي: بين تفسير وصفي للجندر يتضمّن اعتبارات تتعلق بالتساؤل عمّا يجعل الجندر قابلا للفهم، هو تحقيق يبحث في شروط إمكانه، وبين تفسير معياريّ يسعى إلى الإجابة عن السؤال الساعي إلى معرفة أيّ تعابير الجندر يمكن قبولها وأيّ تعابير لا يمكن قبولها، وهو شأنه أن يوفّر تعليلات مقنعة للتمييز بين هكذا تعبيرات على هذا النحو. ومع ذلك فإنّ السؤال عمّا يمنح صفة الجندر هو بعدُ بحدّ ذاته سؤال يشهد على فعالية معيارية للسلطة متفشية جدّا، فعالية متفلّتة على “ما الذي سيحدث” تحت خانة ” ما حدث هو”. وهكذا، فإنّ الوصف الحقيقي لميدان الجندر هو ليس سابقا بأيّ وجه أو قابلا للفصل عن مسألة الفعالية المعيارية.

لست مهتمة بإصدار أحكام حول ما يميّز الهدّام عن غير الهدّام. ليس فقط أنا أعتقد أنّ أحكاما من هذا القبيل لا يمكن القيام بها خارج السياق، بل أيضا أنّه لا يمكن القيام بها على نحو دائم في الزمان (“السياقات” هي ذاتها وحدات مفترضة تخضع للتغير الزماني وتكشف عن خللها الجوهري). تماما كما أنّ المجازات تفقد من مجازيتها عندما تتجمّد عبر الزمن في شكل مفاهيم، كذلك الأمر مع الإنجازات الهدّامة هي على الدوام تخاطر بالتحوّل إلى رسومات باهتة بسبب ترديدها، والأكثر أهمية من ذلك، عبر تكرارها في نطاق ثقافة سلعية حيث يمتلك “التهديم” قيمة تجارية. إنّ الجهد من أجل تسمية مقياس للطابع التهديمي[70]سوف يفشل على الدوام، ويجب أن  يفشل. إذن ما الرهان في استعمال هذا المصطلح بعامة ؟

[xxii] إنّ الشيء الذي لا يزال بؤرة اهتمامي أكثر من غيره هو الأنواع التالية من الأسئلة: ما الذي من شأنه أن يشكّل أو لا يشكّل حياة قابلة للفهم[71]، وكيف يتسنى للافتراضات حول الجندر والجنسانية الموافقين للمعايير السائدة، أن تعيّن مسبقاً ما سوف تؤهّله باعتباره “إنسانيا” وباعتباره “قابلا للعيش” ؟ وبألفاظ أخرى، كيف تعمل الافتراضات المعيارية حول الجندر على رسم حدود الحقل الحقيقي للوصف الذي لنا عن العنصر الإنساني ؟ ما هي الوسائل التي بواسطتها نحن نتمكّن من الإبصار بهذه السلطة الراسمة للحدود، وما هي الوسائل التي من خلالها نحن نستطيع أن نغيّرها ونحوّلها ؟

إنّ مناقشة المتشبّهات والمتشبّهين[72]التي قدّمها كتاب مشكلة الجندر كي يفسّر البعد المَبْني والإنجازي للجندر، هي ليست على وجه الدقة مثالا عن معنى التهديم[73]. وسوف يكون من الخطأ أن نعتبرها بمثابة براديغم الفعل التهديمي أو، في الوقع، بمثابة نموذج بالنسبة إلى العمل السياسي. إنّ نكتة الإشكال هي على الأرجح مختلفة. حين يعتقد أحدهم أنّه يرى رجلا يلبس لباس امرأة أو امرأة تلبس لباس رجل، فهو يأخذ الحدّ الأوّل من كلّ واحد من هاته الإدراكات باعتباره هو “واقع”[74] الجندر: إنّ الجندر الذي يتمّ إدخاله عبر التشبيه[75] ينقصه “الواقع”، ويُنظر إليه باعتباره مظهرا وهميّا. وفي هكذا إدراكات، حيث تقع المزاوجة بين واقع مزعوم  و لا-واقع[76]، نحن نعتقد أنّنا نعرف الواقع ما هو، ونعتبر أنّ المظهر الثانوي للجندر هو مجرّد حيلة[77]، لعبة، شيء باطل، ووهم. ولكن ما هو معنى “واقع الجندر” الذي يؤسّس هذا الإدراكَ على هذا النحو ؟ ربما نحن نعتقد أنّنا نعرف تشريح الشخص ما هو (في بعض الأحيان نحن لا نعرف، و بلا ريب نحن لم نقدّر التنوّع الذي يوجد على مستوى الوصف التشريحي). أو أنّنا نستمدّ هذه المعرفة من الملابس التي يرتديها الشخص، أو من الطريقة التي يكون بها تكون بها الملابس مرتدية. إنّها معرفة مطبَّعة، حتى ولو كانت تأخذ قاعدة لها مجموعة من الاستدلالات الثقافية، والبعض منها خاطئة تماما. وبالفعل، إذا ما نقلنا المثال من التشبّه بالجنس المقابل في اللباس[78] إلى الجنسانية المتحوّلة[79]، فإنّه لن يكون من الممكن أن نشتقّ حكماً حول التشريح القارّ من الملابس التي تغطّي وتفصّل الجسد. ذلك الجسد يمكن أن يكون سابقا على العملية، انتقاليا، أو لاحقا على العملية[80]؛ وحتى “رؤية” الجسم يمكن ألاّ تجيب عن السؤال: إذْ ما هي المقولات التي نرى من خلالها ؟ فاللحظة التي تفشل فيها إدراكاتنا الثقافية الراسخة والمعتادة، [xxiii] حين لا يستطيع المرء أن يقرأ الجسم الذي يراه بكلّ يقين، إنّما هي على وجه الدقة عين اللحظة حيث لم يعد المرء متيقّنا ممّا إذا كان الجسم الذي يقابله هو جسم رجل أو جسم امرأة. وإنّ التأرجح ما بين المقولات نفسها هو الذي يشكّل تجربة الجسد موضع السؤال.

حين توضع هكذا مقولات موضع سؤال، فإنّ واقع الجندر هو بذلك قد وُضع في أزمة:  يصبح من غير الواضح كيف نميّز الواقعي عن اللاّواقعي. وهذه هي المناسبة التي نحن يتسنّى لنا أن نفهم أنّ ما نعتبره “واقعيا”، وما نستدعيه بوصفه معرفة مطبَّعة عن الجندر هو، بالفعل، واقعٌ قابل للتغيير وقابل للمراجعة. وعلى الرغم من أنّ هذا النحو من النظر هو لا يشكّل في حدّ ذاته ثورة سياسية، فإنّه ليس ثمة ثورة سياسية ممكنة من دون تحوّل جذري في أفكارنا عن الممكن وعن الواقعي. وفي بعض الأحيان يأتي هذا التحوّل باعتباره نتيجة أنواع معيّنة من الممارسات التي تسبق إيضاحها النظري، والتي تحثّنا على إعادة التفكير في مقولاتنا القاعدية : ما هو الجندر، كيف يتمّ إنتاجه وإعادة إنتاجه، وما هي إمكانياته ؟ وعند هذه النقطة، فإنّ الحقل المترسّب والمتشيّء لــــــــ”واقع” الجندر هو مفهومٌ باعتباره شيئا يمكن أن يُصنَع على نحو مختلف، بل، على نحو أقلّ عنفاً.

إنّ نكتة الإشكال في هذا النص ليس الاحتفال بظاهرة التشبّه بالجنس الآخر في اللباس، بوصفه تعبيرا عن جندر حقيقي ونموذجي (حتى ولو كان من المهمّ أن نقاوم التحقير الذي يصيب المتشبّهين والمتشبّهات في بعض الأحيان)، بل أن نبيّن أنّ المعرفة المطبَّعة عن الجندر هي تعمل باعتبارها إحاطة وقائية وعنيفة بالواقع. وبقدر ما أنّ معايير الجندر (الازدواج الخيالي في الشكل[81]، التكامل الجنسي-الغيري بين الأجسام، المُثل والقاعدة التي تحكم ما هو خاص أو غير خاص بالذكورة والأنوثة، والعديد منها يتمّ التنصيص عليها بواسطة قوانين عرقية عن نقاوة الدم وتابوات[82] أو تحريمات ضدّ اختلاط الأجناس) هي التي تقرّر ما الذي سوف يكون وما الذي سوف لن يكون من حيث إمكانية الفهم[83] إنسانيّا، ما الذي سوف يُعتبَر أو سوف لن يُعتبَر “واقعيا”، فإنّ هذه المعايير إنّما تقرّر أيضا الحقل الأنطولوجي الذي في نطاقه يمكن للأجسام أن تحصل على التعبير المشروع الذي من شأنها. وإذا كان ثمة من مهمّة معياريّة موجبة في كتاب مشكلة الجندر، فهي التأكيد على توسيع هذه المشروعية كي تشمل الأجسام التي كان يُنظَر إليها باعتبارها أجساماً خاطئة، غير واقعية، وغير قابلة للفهم. والمتشبهون بالجنس الآخر[84] هم مثال مقصود كي نثبت أنّ “الواقع” هو [xxiv] ليس ثابتا أو محدّدا كما نفترض له أن يكون في الأغلب الأعمّ. وإنّ الغرض من المثال هو أن نكشف للعيان عن هشاشة “واقع” الجندر وذلك من أجل مكافحة العنف الذي تؤدّي إليه معايير الجندر.

لقد حاولت في هذا النص كما في أماكن أخرى، أن أفهم ماذا يمكن للقدرة على الفعل[85] السياسي أن تكون، نظرا لأنّه لا يمكن لها أن تكون معزولة عن ديناميكية السلطة التي تنجم عنها. إنّ قابليّة الإنجازيّة للتكرار[86] هي بمثابة نظرية في القدرة على الفعل، قدرة لا يمكن أن تنكر السلطة باعتبارها شرط إمكانها الخاص. وهذا النصّ لا يفسّر الإنجازيّة تفسيرا كافياً كما تعبّر عن نفسها في أبعادها الاجتماعية والنفسية والجسدية والزمنية.وبطريقة ما، فإنّ العمل المستمرّ على توضيح هذا الأمر، إجابةً على عديد الردود النقدية الممتازة، إنّما يقود الجزء الأكبر من منشوراتي اللاحقة.

وقد ظهرت اهتمامات أخرى بهذا النص في العشرية الأخيرة، وقد سعيت لأنْ أجيب عنها عبر إصدارات متعددة. فأمّا عن  منزلة ماديّة الجسد، أنا قدّمت إعادة نظر ومراجعة لآرائي في كتابي الأجساد الجديرة بالاهتمام[87]. وأمّا عن مسألة مدى ضرورة مقولة “المرأة” بالنسبة إلى التحليل النسوي، فأنا راجعت ووسّعت آرائي ضمن مقالة “تأسيسات عرضية”[88] الموجودة في المجلد الأوّل، المنشور باشتراك مع جوان و. سكوت[89]، تحت عنوان النسويات تنظّر في السياسي (راوتليدج، 1993) وضمن المجموع المشترك دعاوي نسوية (راوتليدج، 1995).

لا أعتقد أنّ ما بعد البنيوية تجرّ إلى موت الكتابة القائمة على السيرة الذاتية، لكنّها جلبت الانتباه إلى الصعوبة التي تكتنف الـ”أنا” في التعبير عن ذاتها عبر اللغة التي تتوفّر عليها. وذلك أنّ هذه “الأنا” التي تقرؤونها هي في شطر منها نتيجة ناجمة عن النحو الذي يحكم مدى توافر[90] الأشخاص في اللغة. أنا لا أوجد خارج اللغة التي تهيكلني، لكنّني أيضا لست متعيّنة باللغة التي تجعل هذه “الأنا” ممكنة. هذا هو مأزق التعبير عن النفس، كما أفهمه. وما يعنيه هو أنّك لن تتلقّاني أبدا بمعزل عن النحو الذي يؤسّس ويحدّد مدى توافري بالنسبة إليك. فإذا ما عاملت ذلك النحو باعتباره شفيفا شفافا، فإنّني أفشل في جلب الانتباه على وجه الدقة إلى تلك الدائرة من اللغة التي تقرّر أو لا تقرّر قابليّة الفهم، وذلك سوف يكون على وجه التدقيق [xxv ] ضربا من الإحباط لمشروعي الخاص كما سبق أن وصفته لك هنا. أنا لا أحاول أن أركب مركبا صعبا، بل فقط أن أجلب الانتباه إلى صعوبة من دونها لا يمكن لأيّ “أنا” أن تظهر.

وتتّخذ هذه الصعوبة بُعداً مخصوصاً حين تتمّ مقاربتها من منظور التحليل النفسي. وضمن جهودي من أجل فهم عتمة الــ”أنا” في اللغة وغموضتها، فقد ولّيت وجهي بشكل متزايد نحو التحليل النفسي منذ أن قمت بنشر مشكلة الجندر. وإنّ الجهد المعتاد لاستقطاب نظرية النفس[91] انطلاقا من نظرية السلطة إنّما يؤدّي حسب ما يبدو لي إلى نتائج عكسية، وذلك أنّ جزءً ممّا هو قمعي على هذا النحو في الأشكال الاجتماعية للجندر هو الصعوبات النفسية التي تنتج عنها. وقد سعيت إلى النظر في السبل التي من خلالها يمكن أن يقع التفكير في فوكو والتحليل النفسي معاً ضمن كتابي الحياة النفسية للسلطة (ستانفورد، 1997). وهكذا فقد استعملت التحليل النفسي للحدّ من النزعة الإرادويّة التي شابت آرائي عن الإنجازيّة في بعض لأحيان، ومن دون أن أقوّض بذلك الأمل في نظرية في القدرة على الفعل تكون أوسع نطاقا. في بعض الأحيان، يُقرأ كتاب مشكلة الجندر وكأنّ الجندر هو اختراع ذاتي فحسب أو أنّ المعنى النفسي لتمثيل مجندَر يمكن قراءته مباشرة من سطحه الخارجي. إنّ المصادرتين كليهما قد تمّ صقلهما والتلطّف فيهما مع مرور الوقت. وأكثر من ذلك، إنّ نظريتي في بعض الأحيان تتأرجح[92] بين فهم الإنجازيّة فهماً لسانيّا وبين سبكها سبكاً مسرحيّاً. ولقد انتهيت إلى الاعتقاد بأنّ الاثنين هما مترابطان ترابطا ثابتاً، في نحو من التصالب[93]، وأنّ إعادة النظر في الفعل الكلامي بوصفه هيئة سلطة هي دوماً تجلب الانتباه إلى بعديْها كليهما المسرحي منهما واللساني.ولقد سعيت ضمن كتاب كلام سريع الاهتياج[94]، لأنْ أبيّن أنّ الفعل الكلامي هو في نفس الوقت منجَزٌ[95] (وبالتالي هو مسرحيّ، مقدَّم إلى جمهور وأنّه خاضع للتأويل)، و لسانيّ، يحدث مجموعة من المفاعيل، عبر ما يقتضيه من علاقة مع المواضعات الألسنية. فإذا ما تساءل أحدهم بأيّ وجه ترتبط نظرية لسانيّة في الفعل الكلامي بحركات الجسد، فهو لا يحتاج سوى لأن يضع في الحسبان أنّ الكلام ذاته هو فعل جسدي مصحوب بتبعات ألسنية. وهكذا فإنّ الكلام ليس ينتمي حصريّا لا إلى التقديم الجسدي  ولا إلى اللغة، وأنّ منزلته بما هو قول وعمل[96]، هي ملتبسة بالضرورة. ولهذا الالتباس تبعات بالنسبة إلى ممارسة الردّة أو التصريح بالشذوذ[97]، وبالنسبة إلى السلطة المنتفضة أو المتمردة للفعل الكلامي، وبالنسبة إلى اللغة باعتبارها شرطا للإغراء الجسدي ولخطر الإصابة كليهما.

[xxvi] لو كان لي أن أُعيد كتابة هذا الكتاب في الظروف الحاضرة، فإنّني سوف أضمّنه مناقشة عن الجندر العابر وعن الجنسانية البينية[98]، والطريقة التي بها يعمل الازدواج المثالي للجندر في هذين النوعين من الخطاب، ومختلف العلاقات التي تقيمها هذه الاهتمامات المترابطة مع التدخل الجراحي. كذلك  أنا سوف أضمّنه مناقشة عن الجنسانية على أساس العرق[99]، وبخاصة، كيف أنّ الطابوات أو التحريمات ضدّ الاختلاط بين الأعراق (والتأويل الرومانسي للتبادل الجنسي العابر للأعراق) هي جوهرية بالنسبة إلى الأشكال المطبَّعة والمنزوعة الطبيعة التي يتّخذها الجندر. وأنا أستمرّ في الأمل في تكوّن تحالف بين الأقليات الجنسية من شأنه أن يتجاوز المقولات البسيطة للهوية،  ومن شأنه أن يرفض إلغاء الجنسانية المزدوجة[100]، والذي من شأنه أن يكافح وأن يقضي على العنف الذي تفرضه المعايير الجسدية التقييدية. وأنا سوف أعقد الأمل على أنّ تحالفاً من هذا النوع سوف يكون مؤسَّسا على التعقّد غير القابل للاختزال للجنسانية واستتباعاته في الديناميكيات المتنوّعة للخطاب والسلطة المؤسساتية، وعلى أنْ لا يتعجّل أحد في اختزال السلطة في التراتبية وفي رفض أبعاده السياسية المثمرة. حتى ولو كنت أعتقد أنّ اقتلاع أحدهم للاعتراف بمنزله باعتباره أقلية جنسية هو مهمّة صعبة في ظلّ خطابات القانون والسياسة واللغة السائدة، فأنا أستمرّ في النظر إلى ذلك باعتباره ضرورة للبقاء. وإنّ تعبئة مقولات الهوية بغرض التسييس إنّما تظلّ على الدوام  مهدّدة باحتمال أن تصبح الهوية أداةً للسلطة التي تعارضها. ليس ذلك سببا كي لا نستعمل الهوية أو لا نكون مستعمَلين من قِبل الهوية. وليس ثمّة موقف سياسي متطهّر من السلطة، وربما أنّ هذا النحو من عدم الطهارة هو الذي ينتج القدرة على الفعل باعتبارها هي المقاطعة المحتملة للأنظمة الضابطة والانقلاب عليها. إنّ أولئك الذين يُعتبَرون “غير واقعيين” أو “غير حقيقيين”[101]هم مع ذلك يتمسّكون بالواقع، تمسّكاً هو يحدث بالتفاهم والتشاور[102]، وإنّ عدم استقرار حيويّاً قد نتج عن هذه المفاجأة الإنجازية. فهذا الكتاب قد كُتب بذلك باعتباره جزء من الحياة الثقافية لكفاح جماعي كان له، وسوف يستمرّ في أن يكون له، بعض النجاح في زيادة إمكانات الحصول على حياة قابلة للحياة، بالنسبة إلى أولئك الذين يعيشون، أو يحاولون أن يعيشوا، على الهوامش الجنسية.

باركلي، كاليفورنيا، جوان 1999     

*********

[1] – queer

[2] – heterosexual

[3] – homophobic

[4] – gendered

[5] – foreclosed

[6] – drag. – المتشبّه بلباس النساء (التخنّث) والمتشبّهة بلباس الرجال (الترجّل).

[7] – gay and lesbian

[8] – instantiate

[9] – gay

[10] – gendering

[11] – transgenderism

[12] – transsexuality

[13] – lesbian and gay

[14] – butch and femme. – السحاقية التي تلبس لباس الرجال وتتشبّه بهم.

[15] – ‘’dads’’

[16] – ‘’moms’’

[17] – Kate Bornstein

[18] – a transsexual

[19] – ‘’in-betweenness’’

[20] – gendered

[21] – butchness

[22] – genders

[23] – policing gender

[24] – Catherine McKinnon

[25] – operative

[26] – descrimination

[27] – ‘’made’’

[28] – gay people

[29] – straight

[30] – sexist

[31] – womanness

[32] – queer theorists

[33] – the performance of gender subversion

[34] – drag

[35] – transgender

[36] – hetero-, bi-, and homo-,

[37] – perfomativity. وقد نقول “الإنشائية”.

[38] – authoritative

[39] – authority

[40] – metalepsis

[41] – stylization

[42] – gestures

[43] – the psyche

[44] – the self

[45] –  the Kleinians.  – نسبة إلى  Melanie Klein، محللة نفسية.

[46] – sexualization

[47] – crossing-over

[48] – Rehoboth Beach

[49]Queer Nation. – “أمّة الشواذ”- حركة مثلية صاخبة ظهرت سنة 1990، تناضل ضدّ الجنسانية الغيرية.

[50]Act Up. – هذا اختصار لعبارة ” AIDS Coalition to Unleash Power ” – ” تحالف الأيدز لتحرير الاقتدار”. والمعنى “العمل المباشر” ولو كان غير قانوني أو غير موافق للأخلاق السائدة.

 

[51] – Whitney-

[52] – Vicki Schultz, Katherine Franke, Mary Jo Frug

[53] – proleptic

[54] – Ernesto Laclau and Slavoj Žižek

[55] – كان ذلك سنة 1999.

[56] – Fredric Jameson

[57] – normalized

[58] – Drucilla Cornell

[59] – Monique Wittig

[60] – alteration

[61] – Avital Ronell

[62] – foreclosed

[63] – ‘’denaturalize’’

[64] – prescriptive

[65] – mundane

[66] – performed

[67] – prescription

[68] – subvert

[69] – subversive and unsubversive

[70] – subversiveness

[71] – intelligible

[72] – drag

[73] – subversion

[74] – reality

[75] – the simile

[76] – unreality

[77] – artifice

[78] – drag

[79] – transsexuality

[80] – preoperative, transitional, postoperative

[81] – ideal dimorphism

[82] – taboos

[83] – intelligibly

[84] – drag

[85] – agency

[86] – iterability

[87]Bodies that Matter

[88] – ‘’Contingent Foundations’’

[89] – Joan W. Scott

[90] – availability

[91] – the psyche

[92] – to waffle

[93] – chiasmically

[94]Excitable Speech

[95] – performed

[96] – word and deed

[97] – the coming out

[98] – transgender and intersexuality

[99] – racialized

[100] – besexuality. ازدواجية الميول الجنسية نحو الجنسين.

[101] – ‘’unreal’’

[102] – in concert

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق