مسألة النَّوع الأدبي (3)

إذا كانت الجهود الأرسطية في مجالي التجنيس والتصنيف قد تركزت بشكل أساس على الأنواع الشعرية، فإنه لم يقص جنس النثر من دائرة اهتمامه، فقد اختصه بكتاب مستقل هو “فن الخطابة” الذي وزعه إلى مقالات ثلاث: اختص الأولى بفحص علاقة الخطابة بالجدل، وأفرد الثانية لدرس دور الخطابة في استمالة السامع، أما الثالثة فانتدبها لبحث الأسلوب الفني في الخطابة. وقد صنف أرسطو الخطابة حسب أحوال المخاطبين انطلاقا من تصوره لأطراف المقام التواصلي. يقول:

“أنواع الخطابة ثلاثة تتناسب مع السامعين، لأن كل خطبة تتألف من ثلاثة عناصر: الخطيب والموضوع الذي يتناوله، والشخص الذي يوجه إليه الخطاب – أعني السامع، الذي إليه يحيل الغاية أو الهدف من الخطبة”[i].

وتأسيسا على ذلك صنف أرسطو الخطابة إلى أجناس ثلاثة هي[ii]:

1/ خطابة قضائية: يكون المخاطب فيها قاضيا ينتظر منه إصدار حكم في قضايا وقعت في الماضي.

2/ خطابة استشارية: يكون فيها المخاطب عضوا في جمعية يشاوره الخطيب في قضايا سياسية تهم المستقبل.

3/ خطابة محفلية: مجالها المحافل العامة حيث تلقى الخطب على الجمهور بغرض استمالته استحسانا أو استهجانا.

لقد كان الأساس الذي قام عليه الإسهام الأرسطي في مجال تجنيس الخطابات وتصنيفها من الصلابة بحيث فرض نفسه على نظرية الأدب وتاريخه فرضا، آية ذلك أن التقسيم الثلاثي (غنائي، وملحمي، ودرامي) المستند إلى الإبستمولوجيا الأرسطية قد هيمن على فترة من تاريخ النقد الغربي طويلة، فرددت صداه النقود الغريبة التي ظلت، في أغلبها، دائرة في فلك الإرث الأرسطي، لأنها لم تستطع مجاوزته أو الفكاك منه؛ “فعند هوراس نواجه بالثلاثية القديمة مع النص عليها […] ونجد ديوميد في القرن الرابع يحتفظ بالتصنيف الثلاثي”[iii].

لكن ظهور الحركة الرومانسية على مسرح الأدب الأوروبي سيفلح في زحزحة التصنيف الأرسطي عن مكانته، إذ أدخل منظرو الحركة الرومانسية تعديلا رئيسا على تصنيف أرسطو الذي يحصر الأنواع في ثلاثة، فقد سعت الرومانسية إلى هدم فكرة “نقاء الأنواع” الكلاسية بما أفضى إلى التخفيف من سطوة الثلاثية اليونانية، وفسح المجال أمام أنواع أدبية جديدة مفتوحة على التغيرات الطارئة. يقول كيليطو: “قبل الثورة الرومانسية الألمانية كان الكلام يدور حول الأنواع التي كانت تعتبر قارة وثابتة ومنفصلة بعضها عن بعض. أما مع الرومانسية فإننا نلاحظ نزعة نحو التركيب ومزج الأنواع والمتضادات، لهذا نجدهم يولون اهتماما كبيرا لشكسبير الذي لم يكن يلتزم صوتا واحدا في مسرحياته، وإنما يمزج أصناف الكلام، فيمزج مثلا الكلام الجزل بالكلام السوقي. ونفس النزعة جعلتهم يهتمون بالحوار الأفلاطوني الذي يتقبل في ثناياه عدة أنواع مازجا الجد بالهزل. والذي لا يمكن إغفاله هو أنهم يضعون الرواية في الصدارة، لأنهم انتبهوا إلى كونها تتضمن أو يمكن أن تتضمن جميع الأنواع”[iv].

لقد أرسى منظرو الرومانسية معايير في تصنيف الأنواع جديدة ومغايرة تماما لتلك التي حكمت الإبستمولوجيا الأرسطية المستندة إلى فكرة المحاكاة؛ فقد “ذهب باتو، في أواخر العصر الكلاسيكي، إلى أن الشاعر الغنائي يحاكي العواطف، محتجا بالمناجيات التي تقع في الشعر التمثيلي. على أن منظري الرومانسية، وعلى رأسهم فريدريك شليجل، لا يلبثون أن يبتعدوا عن فكرة المحاكاة فيصنفون الشعر على أساس الذاتية والموضوعية، فعند شليجل أن الشعر الغنائي ذاتي والشعر التمثيلي موضوعي والملحمي ذاتي موضوعي، ويعدل خلفاؤه هذا التصنيف فيما يتعلق بالملحمة والتمثيلية؛ فالملحمة هي الموضوعية والتمثيلية تجمع بين الذاتية والموضوعية، ويلاحظ أيضا أن معيار الذاتية يختلف بعض الاختلاف عن المعيار (كيفية القول) الذي وضعه أرسطو، فكون الشاعر هو المتكلم أو المتكلم الأصلي في الملحمة لا يعني أن الملحمة ذاتية”[v].

وبهذا تكون التأويلات الحديثة للثلاثية الأرسطية القديمة غير منشغلة بالمحافظة على استقلال تلك الأنواع وتمايزها ولكنها، على عكس من ذلك، تداخل بين الأنواع بما رفعت بينها من حواجز وفواصل، فهارتمان مثلا يقترح التمييز بين:

1- الغنائي الصرف والغنائي الملحمي والغنائي الدرامي.

2- الدرامي الصرف والدرامي الغنائي والدرامي الملحمي.

3- الملحمي الصرف والملحمي الغنائي والملحمي الدرامي[vi].

إذا كان التقسيم الثلاثي (الملحمي والدرامي والغنائي) المنحدر من أفلاطون وأرسطو قد ظل حاضرا في مختلف النظريات، التي انشغلت بتجنيس النصوص وتصنيفها، فإن ناقدا فرنسيا حديثا هو جيرار جونيت سيخرج عن هذا الإجماع، فقد وصف إسناد هذه القسمة إلى أفلاطون وأرسطو بنعوت سلبية شتى فهو، عنده، “فهم خاطئ” و”تفسير متسرع”[vii]. وسيشكل تصحيح هذا “الخطأ الشائع” منطلق جونيت لاستئناف القول في قضية الأجناس بكثير من الدقة والشمول، بما جعل دراسته “مدخل لجامع النص” التي أفردها لمراجعة قضية الأجناس، منذ ظهورها مع أفلاطون وأرسطو إلى يومنا هذا، واحدة من أهم الدراسات في مجال الأجناس.

لقد رأى جونيت في إسناد التقسيم الثلاثي إلى أرسطو “وهما إرجاعيا”[viii]، لأنه عائد، كما بين هذا الناقد بحق، إلى الحركة الرومانسية. وقد ترتب عن هذا “الوهم الإرجاعي”، باصطلاحه، تبعات نظرية خطيرة، إذ تسبب في إضفاء صفتي الخلود والبداهة على هذه القسمة، وهما صفتان ليستا، بالضرورة، شرعيتين.

انطلاقا من هذا “الاكتشاف” الخطير قرر جونيت العودة إلى “النبع” الذي تدفقت منه نظرية الأجناس، ولم يكن هذا “النبع” سوى نظام الأجناس كما اقترحه أفلاطون وطوره من بعده أرسطو. وهو إجراء سعى من خلاله جونيت إلى استبانة الموقف السليم من هذه القضية النقدية العويصة، التي ما فتئ البحث فيها يدعو نقاد الأدب إلى معاودة النظر في النتائج التي استقرت في النظرية الأدبية الحديثة “مسلمات” و”مصادرات”.

لقد أعاد جونيت قراءة “جمهورية” أفلاطون و”شعرية” أرسطو، وبعد مراجعات ومقارنات رصينة استخلص الباحث شبكة من أربعة أقسام تحدد ما كان يعنيه التراث الكلاسيكي بالأجناس[ix]:

 

الصيغة

الموضوع

المأساوية السردية
المتفوق المأساة الملحمة
المتدني الملهاة الشعر الساخر

 

ينقسم الأدب عند جيرار جونيت إلى أنواع يعتبرها “تأسيسيا أدبية”[x]، لأن انتماءها إلى الأدب، مهما يكن حظها من الأدبية، انتماء شرعي لا يرقى إليه طعن أو شك، ويمثل جونيت لهذا الصنف من الأنواع بالمسرحية والرواية والقصيدة الشعرية، فيما يعتبر أنواعا أخرى “ذات أدبية غير راسخة”، لأن انتماءها إلى “الأدب”، مهما ارتقت قيمتها الفنية، غير متأكدة، ويمثل لهذا الصنف بأنواع مثل الخطابة والتاريخ والسيرة الذاتية.

ولما كان هذا التقسيم لا يبدو مقنعا لإدراجه تحت نفس القسم شتيت أنواع تحتاج هي نفسها إلى تنظيم، فقد وجد جونيت نفسه مضطرا إلى مراجعة بعض المبادئ المعتمد في التصنيف، وعلى رأس هذه المبادئ يأتي التصنيف العمودي، الذي رفضه جونيت لأنه لا وجود لنوع أكثر “طبيعية” أو أكثر “مثالية” حتى يوضع فوق غيره، كما أنه لا وجود لطريقة استنباطية “أعلى من غيرها” يمكن أن توصل إلى تصنيف أكثر نجاعة من غيره[xi].

لقد سعى جونيت من وراء هذه المراجعة للمبادئ المعتمدة في التصنيف إلى زحزحة القسمة الثلاثية القديمة، التي احتلت عند أغلب النقاد أعلى الهرم فيما بقيت الأنواع الأخرى مجرد تفريعات لها وتنويعات عليها. ذلك ما يقرره جونيت بالقول:

“إن عناصر الثلاثية الكلاسيكية من حيث هي مفاهيم أجناسية، لا تستحق أية مرتبة تصنيفية خاصة، فالملحمي على سبيل المثال لا يحتل مرتبة فوق الملحمة والرواية والقصة القصيرة والحكاية… إلخ. وقد يحتل الملحمي مرتبة فوقية إذا اعتبر “صيغة” (سردا) أما إذا اعتبر “جنسا” (ملحمة) أسند له كما فعل هيجل مضمون موضوعي متميز فيصبح غير متضمن للروائي الخارق…إلخ. ويصدق هذا القول على الدرامي بالنسبة للمأساوي والهزلي[…] والغنائي بالنسبة للهجائي والنقدي اللاذع”[xii].

بالرغم من انتقاد جونيت للتصنيفات السابقة عليه المستندة إلى القسمة الثلاثية، فإن اجتهاداته ومقترحاته ظلتا، عند التدقيق، دائرتين في فلك الإرث الأرسطي. فإذا كان جونيت قد جرد، في زعمه، القسمة الثلاثية من كل سلطة أو خلود، فإنه لا يتردد في اعتبارها “ثابتة أكثر من غيرها”، ولا يكتفي بذلك ولكنه يجعلها “أشكالا طبيعية”، وإن كان يستدرك بعد بأن صفة “الأشكال الطبيعية” ليست مطلقة في الثلاثية اليونانية، ولكن المقصود بها “المعنى النسبي للعبارة، وفي الحدود التي تبدو فيها اللغة واستعمالها كمعطى طبيعي إزاء التكوين المدرك والمعتمد للأشكال الجمالية”[xiii].

وبالجملة، فإن اجتهادات جونيت في مجال الأجناس لم تخرج، في خطوطها العريضة، عن الإبستمولوجيا الأرسطية، فقد بدا له، وهو يراجع أحكامه، أن نظام الأجناس كما اقترحه أرسطو أكثر فاعلية من حيث بنيته من الأنظمة التي اقترحتها النظريات اللاحقة، فهو – على الأقل- نظام جدولي مزدوج المدخل، بما يجعل الجنس الواحد قادرا على الانتساب، في نفس الآن، إلى صنف صيغي وآخر موضوعي، في حين تعتمد الأنظمة الأخرى تصنيفات هرمية متسلسلة ليس تؤدى، في المحصلة، إلا إلى الطريق المسدود.[xiv] لكل ذلك أعلن جونيت انحيازه اللامشروط لنظام الأجناس الذي اقترحه أرسطو:

“… وإذا كان من الضروري اليوم أن نسلم بكل شيء، وأن نضع نظاما فأنا أرى في نظام أرسطو، رغم رفضه للأجناس غير التنظيمية بطريقة تعتبر اليوم بدون مبرر، متفوقا في بنيته (أكثر فعالية بطبيعة الحال) على بقية الأنظمة اللاحقة”[xv].

نستفيد مما سبق أن جونيت يقر بوجود أنواع أدبية يمكن أن تدرج في أجناس تتفرع إلى أنواع وأنماط، مثلما يقر بوجود “نصوص” أدبية، وإن كانت غير معتبرة في حد ذاتها، إذ المعتبر في النصوص – عند جونيت- تلك العلاقات التي تجمع بينها ظاهرة وخفية، مما يصطلح عليه “التعالي النصي” الذي تتحقق ضمنه علاقات تداخل تربط النص بأنماط الخطاب التي ينتمي إليها، وفي هذه المنطقة بالتحديد يدخل مفهوم النوع الأدبي، لأن “التعالي النصي” يشمل – عند جونيت- مجموع العلاقات التي تربط النصوص بعضها ببعض، من قبيل “المحاكاة” و”التغيير” و”التناص”،  وهي علاقات نحت لها جونيت مصطلحا جديدا هو “جامع النص” الذي، إن أحاط بالنص من كل جهة، فإنه لا يشكل – بحال- معادلا لنظرية الأنواع، بل يحتل “المرتبة الفوقية”. وقد ذهب جونيت بعيدا في التمسك بهذا المصطلح الجديد لدرجة جعلته يقرر أن موضوع “الشعرية” ليس النص وإنما “جامع النص”[xvi].

إذا كانت القراءات اللاحقة للاجتهادات الأرسطية في مجال تجنيس الخطابات وتصنيفها قد نحت، مع الحركة الرومانسية، إلى مجاوزة القسمة الثلاثية المأثورة عن أرسطو وغيره من نقاد اليونان، فإننا لا نعدم في المحدثين من يتحمس للإرث الأرسطي فيحاوره ويتفاعل معه، بل ويتخذ منه منطلقا لتطوير نظرية في تجنيس الأنواع وتصنيفها صنيع نورثروت فراي الناقد الأمريكي الأشهر، الذي أبدى في كتابه “تشريح النقد”  تقديرا ظاهرا  لاجتهادات أرسطو في الموضوع ، إذ يترك في ذهن قارئه انطباعا بأنه لم يكتب في النقد شيء ذو بال على مدى ألفي سنة؛ أي منذ وفاة المعلم الأول:

“… على كل هذا ما افترض أرسطو طاليس أن يكون أول خطوة في النقد، وسنكشف أن النظرية النقدية للأنواع قد وقفت بالضبط حيث تركها أرسطو”[xvii].

وإذا كان فراي ينتقد هذا الوضع فقد انتدب  كتابه “تشريح النقد” لتصحيحه، إذ ذكر في مقدمة الكتاب أنه سيبحث مسألة الأجناس والأنواع في الشعر قاصدا من ذلك إلى تنظيم الأنواع في نظرية تكون للأدب بمثابة نظرية التطور في علم الأحياء، حيث ترتد الظواهر المتعددة التي تبدو “أجزاء” إلى “كل” واحد:

“إن نظرية في النقد تنطبق مبادئها على مجموع الأدب، وتعلل كل نمط صحيح من أنماط الإجراءات النقدية، هي ما أعتقد أن أرسطو طاليس كان يعنيه في كتاب الشعر، إذ يبدو لي أن أرسطو طاليس قارب الشعر كما يقارب البيولوجي نسقا عضويا، يلتقط منه أنواعه وأجناسه، ليصوغ القوانين العامة للتجربة الأدبية”[xviii].

والحق أن الرجل أبدى وعيا بمسألة الأنواع حقيقيا لدرجة أنه لا يقدم نظرية واحدة بل ثلاث نظريات، أجهد نفسه في القبض على الخيوط الرفيعة التي يمكن أن تصل بينها. وقد استحق لهذا الجهد تقدير تودوروف وثناءه، حيث اختصه، دونا عن الاجتهادات المعاصرة المتصلة بقضية الأجناس، بمناقشة تفصيلية في كتابه “مدخل إلى الأدب العجائبي”. وقد برر هذا الصنيع بالقول: “إن نظرية الأجناس التي ستناقش بتفصيل هي نظرية نورثروب فراي كما هي مصوغة خصوصا في تشريحه للنقد، وليس هذا الاختيار مجانيا: ففراي يشغل اليوم موقعا مهيمنا ومؤثرا في الصدارة بين النقاد الأنكلو- ساكسونيين وعمله هو، بدون شك، أحد ألمع الأعمال في تاريخ النقد منذ الحرب الأخيرة. إن تشريح النقد نظرية للأدب (وبالتالي للأجناس) ونظرية للنقد في نفس الوقت”[xix].

من بين التصنيفات الثلاث التي يقترحها فراي تصنيف يستند إلى “موضوع القول” المأخوذ، أصلا وفصلا، من أرسطو الذي أثر عنه، كما سبقت الإشارة، تقسيم المحاكاة حسب موضوعها؛ أي “ما يحاكى”.[xx] وهو الأساس الذي انطلق منه أرسطو لتمييز الكوميديا من التراجيديا: “فهذه [الكوميديا] تصور الناس أدنياء، وتلك [التراجيديا] تصورهم أعلى من الواقع”[xxi].

وإذا كنا لا نعثر في كتاب أرسطو (أو ما وصلنا منه على الأصح) إشارة إلى القسم الثالث المتصل بـ “محاكاة البشر العاديين”، فإن فراي يتمم تصنيف أرسطو ويفصله على النحو التالي[xxii]:

1/ إذا كان البطل يفوق البشر فهو كائن إلهي، والحكاية عنه سوف تكون “أسطورة”.

2/ إذا كان البطل متماهيا مع الكائن البشري ولكنه أرفع درجة منه بحيث يتحرك في عالم عجائبي مفارق للواقع، فإن الحكاية عنه تكون “خرافة وحكاية شعبية”.

3/ إذا كان البطل أرفع درجة من بقية الناس، ولكن ليس أرفع من محيطه الطبيعي، فإن الحكاية عنه تكون “الملاحم” و”المآسي” (المحاكاة العليا).

4/ إذا لم يكن البطل أرفع من بقية الناس ولا من بيئته فهو واحد منا، والحكاية عنه تكون “الملاهي” و”القصص الواقعية” (المحاكاة الدنيا).

5/ إذا كان البطل أدنى منا طاقة أو ذكاء، فإن الحكاية عنه تكون من “الطراز الساخر”.

إذا كانت المفاهيم والتصورات الأجناسية التي فحصنا في هذا المطلب مجراة في دراسة منظومة الأنواع في الغرب، فإن أبعادها النظرية  مجاوزة لمنابتها وصالحة للاستخدام بعد التطويع  والمعرفة الدقيقة بأصولها، على نصوص الأدب العربي، وإن كان الاحتراس واجب بعد في عدم استنساخ نتائج نظرية الأنواع كما تبلورت في الغرب، وإسقاطها إسقاطا آليا على أعمال تختلف اختلافا بينا عن تلك التي استخلصت منها إذ مهما بدا على مناهج الغرب المستحدثة من متانة في بنائها النظري، وسلامة فيما توخت من سبل إلى تحليل نصوص أدبية تباعدت أزمنتها وتغايرت لغاتها، فإن ذلك ليس مسوغا ولا مدعاة لسحب نتائجها على الأدب العرب القديم  المطبوع بسمات فريدة ومخصوصة مستمدة من واقعه وسياقه. وهو ما يقتضي الدارس الحصيف مداومة النظر في هذا الأدب، والإنصات الحميم لصوته الخاص والمتفرد الذي لا يشبه أي صوت.

وبذلك يتحصل للباحث، من إجراء المناهج المستحدثة في الغرب على نصوص عربية، كفاية إجرائية تمكنه من تقصي منابت البناء النظري للمفاهيم المجراة، وإعادة صياغة حدودها وضوابطها، بما يكفل قابلية إجرائها على عينة لا صلة لها بمدونة النصوص التي اشتقت منها وتمحضت لها.

أسئلة النوع في النظام النقدي والبلاغي العربي:

لعل من يتدبر نظامنا النقدي والبلاغي يجده قد بلور مفهوماته بعيدا عن نظرية الأجناس الأدبية كما نفهمها اليوم في الغرب، وما ذاك إلا لأنه امتثل في صوغ مقولاته النقدية لجنس أدبي بعينه هو الشعر، الذي فرض هيمنة مطلقة على التفكير النقدي العربي بوصفه جنسا أدبيا متعاليا. وقد شكل ذلك عائقا أمام ظهور نظرية عربية للأجناس الأدبية. فمن يتأمل الكلام العربي، في تجلياته المختلفة، يجد أنه لم يفلح أبدا في الخروج من “الشرنقة” التي نسجها حوله جنس الشعر؛ إذ جاءت المقولات النقدية مرتهنة للمقاييس الأسلوبية والبلاغية، التي كرسها هذا الجنس العتيد في الثقافة العربية.

وقد شكل الوعي بمشقة البحث في أجناس الأدب عند العرب، باعثا للباحث عبد العزيز شبيل على تخصيص أطروحة جامعية هي “نظرية الأجناس الأدبية في التراث النثري- جدلية الحضور والغياب” لفحص هذه المسألة، حيث أدارها على سؤال جوهري هو: هل وجد لدى العرب القدامى إدراك للأجناس الأدبية؟ وتصور واضح لخصائصها المميزة وحدودها ومجالات تفردها بالنظر إلى بعضها البعض؟ وبالمقابل طرح سؤالا نقيضا هو: إذا لم يتسن لهم امتلاك نظرية للأجناس الأدبية فما هي الأسباب التي حالت دون ظهورها ومنعتهم من بلوغها[xxiii]؟.

وقد كان حاصل نظر الباحث في أهم المصنفات العربية في البلاغة وإعجاز القرآن وفي النقد والفلسفة والأدب، الإقرار بغياب نظرية أجناسية عربية؛ فقد وقر في نفس الباحث أن “الأدب العربي لم يسع إلى إرساء نظرية أجناس أدبية بسبب التعالق المتين بين اللغة العربية وفكرها، أو بين رؤية الفكر العربي للكون وموقفه من الحياة، وبين طريقة التعبير عن تلك الرؤية وذلك الموقف بواسطة اللغة”[xxiv]. وهو غياب يؤول في تفسير الباحث إلى نزوع في الفكر العربي متأصل إلى تغليب المشابهة على الاختلاف، ورد التعدد إلى المفرد، بسبب الهيمنة التي فرضتها العقيدة على الثقافة في حضارة الإسلام، فكان حاصل ذلك كله تعالق بين نظام الأدب ونظام الوجود متين، أفضى إلى تحكيم المقدس الديني في أصول النظر الأدبي، وارتهان النظرية الأدبية عند العرب إلى قانون متعال يجعل “الكلام” جنسا أعلى يتميز به الإنسان عن الحيوان، ويستدل به على “حكمة الخلق وتناسق الوجود”[xxv].

إذا كان الأمر كذلك فما الداعي لتخصيص هذا الحيز للتعريف بجهود النقاد والبلاغيين العرب القدامى المتصلة بمسألة الأجناس الأدبية؟

بالرغم من تسليمنا بالفروض النقدية التي تقول بغياب نظرية نقدية عربية متكاملة للأجناس الأدبية في البلاغة والنقد العربيين القديمين، فإننا نرى – انطلاقا من التنظيرات والمحاولات التصنيفية التي أتيح لنا الاطلاع عليها- أن القدامى صرفوا جزءا من عنايتهم لبحث قضايا نقدية عديدة، كانت قضية تقسيم الكلام وتصنيفه واحدة منها. ولهذا الاعتبار رأينا أن نفرد هذا الحيز للتعريف بجهود النقاد القدامى في هذا المجال.

إذا كنا لا نجد دراسة غربية – وبخاصة ما اتصل منها بتاريخ الأدب- خالية من أسئلة النوع الأدبي، فإن نفس الملحظ ينسحب في يسر وفي تفاوت أيضا على التراث النقدي والبلاغي العربي، وتلك اعتبارات وجهتنا لأن نعتبر هذه الدراسات متنزلة  في صميم مبحث الأنواع؛ فهي جميعا صادرة – قليلا أو كثيرا- عن وعي بالأنواع لا شك فيه، بقطع النظر عن كون هذا الوعي واعيا بصفته وتسميته أم لا. وبمقتضى ذلك تكون المدونة النقدية والبلاغية العربية القديمة قابلة للاندراج ضمن مباحث نظرية الأنواع وإن لم تستخدم مصطلح النوع ومتعلقاته. انطلاقا من هذه الاعتبارات، وبمقتضاها أيضا، نرى  أن الأدب العربي القديم قابل للتجنيس، مدخلنا إلى ذلك إعادة قراءة المدونة النقدية العربية القديمة وعموم الدراسات المتعلقة بها قراءة أجناسية واعية بصفتها ومقاصدها.  غير أنه لما كانت أسئلة الجنس الأدبي (المقومات، والتصنيف، والتحولات) أسئلة صعبة المراس وبالغة التعقيد، فقد تعددت بشأنها “الاجتهادات” وتنوعت المقتربات، بما جعل الإحاطة بكل ما له صلة بهذه القضية، في جانبي التنظير والتطبيق، مطلبا عزيزا تنوء به العصبة أولو القوة. ومن ثم كان العمل بقاعدة الانتقاء إجراء “حكيما” يفرض نفسه في هذا المقام فرضا، وإن كان العمل بقاعدة الانتقاء لا يعني بالنسبة إلينا  التصرف مع المدونة بحرية قد تقود إلى تكلف وتعسف في استخلاص الأحكام واستنباط النتائج.

إن العمل بقاعدة الانتقاء متلازم عندنا وقاعدة أخرى نراها عاصمة من الشطط عند استخلاص الأحكام وتعميمها، يتعلق الأمر بقاعدة “دلالة الجزء على الكل” التي توجهنا لأن نراعي، في “انتقاء” وعرض النظريات والتصورات، مدى قابلية النتائج المستفادة للتعميم والتوظيف في تطبيقات أخرى.

 

-“أصل الأنواع”:

يمكن اعتبار “التأصيل” سمة في الثقافة العربية وكيدة ومتأصلة، ولا أدل على ذلك من اختراق “فكرة الأصل” لمختلف فروع المعرفة التي شكلت “جنيالوجيا” (شجرة نسب) الثقافة العربية. ولما كان الأدب فرعا من دوحة هذه الثقافة فإنه لم يشذ – وأنى له ذلك- عن هذه القاعدة، فقد همين المنزع التأصيلي على جهود نقاد الأدب ودارسيه، كما يمكن أن نستبين من عنايتهم باستقصاء نسب المبدعين، وتتبع نسب العمل الفني، إلى جانب الحرص على تمييز المعاني الأول من الثواني.

أما فيما يخص مسألة الأنواع الأدبية فإن “التأصيل” اتخذ مظهرين اثنين:

1/ تحقيق المبدع الأول في كل نوع.

2/ التمييز في الأنواع بين النوع – الأصل، والنوع- الفرع.

 

1– المبدع الأول:

يبدي أغلب نقاد الأدب اهتماما بالغا بتحديد شخصية “المبدع الأول”، الذي أنشأ النوع لأول مرة. يظهر ذلك جليا في حرص النقاد على تحقيق المبدع الأول الذي “اخترع” تقاليد النوع محددا له بذلك سماته الخاصة التي تفرقه عن غيره من الأنواع الأدبية الأخرى شكلا وبناء، أسلوبا وبلاغة.

ونظرا للصعوبات التي تطيف بتحقيق شخصية المبدع الأول، فقد جاءت آراء النقاد متضاربة فيما يخص تعيين هذا المبدع. فقد عقد بعضهم ريادة الشعر لامرئ القيس[xxvi]، وعقدها آخرون لخاله المهلهل[xxvii]، فيما رأى فريق ثالث أن الاثنين (امرأ القيس والمهلهل) شريكان في الريادة[xxviii].

إن الجهود التأصيلية للنقاد القدامى ليست وقفا على نوع القصيد، ولكنها ممتدة لتشمل البحث في منشإ الأنواع الأخرى مثل الرجز والموشح والزجل، في محاولة لتحديد المنشيء الأول الذي “ابتدع” هذه الأنواع ووطأها لمن جاؤوا بعده. ويبدو أن اختلاف القدماء حول المنشيء الأول للنوع كان عاما، فمثلما اختلفت أقوالهم حول “مقصد القصيد”، اختلفت كذلك حول منشيء الرجز، فالأغلب العجلي – فيما يقرر ابن سلام- هو “أول من رجز”[xxix]، لكن ابن رشيق يخالفه في ذلك محتجا بأن الأغلب هذا عاش في عهد الرسول (ص) و”الرجز أقدم من ذلك”[xxx].

والظاهر أن قدم هذه الأنواع جعل من الصعوبة بمكان، إن لم نقل استحالة، تعيين المنشيء الأول للنوع. وقد ترتب عن ذلك أن تخفف القدماء من نزعة “تحقيق الأصل” والتوجه، بدلا من ذلك، إلى تحديد المبدع الثاني الذي بلور النوع وطوره. فإذا كان ابن رشيق قد نفى “ريادة” الرجز عن الأغلب العجلي، فقد أثبت للعجاج، نقلا عن أبي عبيدة بلورة النوع وتطويره (تقصيد القصيد): “العجاج أول من أطاله [الرجز] وقصده […] فكان في الرجاز كامرئ القيس في الشعراء”[xxxi]، وإن كان ابن قتيبة ينسب هذا الدور للأغلب العجلي[xxxii].

ونفس التوجه [العناية بتحديد المبدع الثاني] نجده عند ابن خلدون في محاولته تأصيل الموشحات في الفصل الذي عقده لهذا النوع من “مقدمته”، فقد نص على أن “مخترعها” هو مقدم بن معافر الفريري وابن عبد ربه أخذ عنه ذلك، لكن “أول” من برع فيها هو عبادة القزاز[xxxiii]. غير أن هذا المسلك في التأصيل ليس ينفي أنه قد ينعقد إجماع النقاد، ممن عنوا بتأصيل الأنواع وتحقيق منشئيها، على تعيين منشئ أول للنوع كما هي الحال في “المقامة” مثلا التي عقدت ريادتها للهمذاني.

وقد دفعهم التشديد على “الأصل الأول” إلى تحقيق الزمن الأول الذي “تخلق” فيه النوع. وهذا الضرب من البحث هو بحث في “البدايات” المحفوفة دوما بالغموض والملتبسة بالأساطير. وإذا اقتصرنا على تحقيقهم الزمن الأول الذي تخلق فيه جنس الشعر، وجدنا أبا زيد القرشي مثلا يروي في “جمهرته” أشعارا لآدم وإبليس والملائكة والعمالقة وعاد وثمود[xxxiv]. بما يفيد أن هؤلاء، عنده، هم “المنشؤون الأول” لجنس الشعر، فهم من فصل قواعده وأنشأ تقاليده حتى استقر جنسا أدبيا مخصوصا. وإذن، فقد تخلق “الشعر”، حسب الشاهد، في  “الزمن الأول” أيام “كل شيء قد كان يعرف وينطق”[xxxv]. أما الجمحي فيرى أن الشعر لم يقصد إلا في عهد هاشم بن عبد مناف، وأن زمن نشأة الشعر لا يتجاوز مائة ونيف وخمسين سنة قبل مجيء الإسلام[xxxvi]. وقد عبر الجاحظ عن نفس الرأي حينما اعتبر الشعر حديث السن لا ينجاوز مائة وخمسين أو مائتين وخمسين عاما على الأكثر قبل الإسلام[xxxvii].

وعلى الجملة، فإن مسألة تحقيق زمن تخلق النوع تبقى نسبية ومحكومة بمعايير ترجيحية، لأن النوع لا يتخلق، إلا فيما ندر، فجأة ودفعة واحدة بحيث يمكن تحديد زمن مضبوط لتخلقه كما هي الحال في المقامة مثلا، التي ظهرت مع الهمذاني ثم احتذاه فيها آخرون. ومع ذلك فإن بعض المحدثين من النقاد لا يسلم بذلك وإنما يعقد ريادتها لابن دريد أو من قبله[xxxviii].

وإلى ذلك نصادف عند القدماء عناية في بعض الأحيان بتحديد المكان الأول لنشأة النوع مما يظهر في شكل إشارات مقتضبة إلى المدينة أو البلدة، التي شهدت تخلق بعض الأنواع. من ذلك إشارة ابن خلدون إلى أن الأندلس كانت المنشأ الأول لجنس الموشح[xxxix]. لكن النقاشات التي أثارتها محاولات تعيين المنشأ الأول لم ترافقها سجالات حادة مثل تلك التي رافقت تحديد الزمن الأول لتخلق النوع.

والملحوظ أن عناية القدماء بتأصيل الأنواع لم تشمل جميع الأنواع الأدبية المتداولة، إذ لا نصادف جهودا تذكر فيما يتصل بتأصيل أجناس النثر مثل النوادر والأخبار مثلا.

النوع – الأصل:

استند القدماء، كما يظهر من السجالات والمناظرات التي عقدوها للمفاضلة بين الأنواع، إلى اعتبارات عدة لترجيح نوع على نوع. ومن أهم هذه الاعتبارات تعيين “النوع الأول” الذي يفضل سائر الأنواع الأخرى باعتباره “الأصل” الذي منه تفرعت الأنواع وتولدت، استنادا إلى تصورات من طبيعة ميتافيزيقية تعتبر “الأصل أشرف من الفرع، والفرع أنقص من الأصل”[xl].

وقد اختلفت آراء النقاد بصدد النوع الأسبق الذي سيعتبر “أصلا” اشتقت منه الأنواع الأخرى، فقد مال ابن سينا في شرحه شعرية أرسطو إلى تقرير أسبقية الشعر على سائر الأنواع النثرية، حجته في ذلك أن الناس كانوا يتوسلون في البداية، قبل أن تظهر الخطابة، بالشعر لتقرير الاعتقادات في نفوس مخاطبيهم، ومن ثم كان “التخييل”، عند ابن سينا، سابقا على “التصديق”. يقول:

“… فإن الأولين إنما كانوا يقررون الاعتقادات في النفوس بالتخييل الشعري، ثم نبغت الخطابة بعد ذلك، فزاولوا تقرير الاعتقادات في النفوس بالإقناع”[xli].

وهذا الرأي يتعارض مع آراء نقاد آخرين يميلون إلى إعلان النثر “أصلا” للأنواع. جاء في “الإمتاع والمؤانسة” أن “النثر أصل الكلام والنظم فرعه”[xlii]، لأن “جميع الناس في أول كلامهم يقصدون النثر، وإنما يتعرضون للنظم في الثاني بداعية عارضة وسبب باعث وأمر معين”[xliii].

إن هذا الشاهد صادع بأن النثر هو “أصل” جميع الأنواع الخطابية بما فيها الشعر، الذي لا يعدو، عند أصحاب هذا التصور، أن يكون “نوعا” متفرعا عن جنس – أصل هو “النثر”. وهذا التصور مستند، في إعلانه النثر أصلا للأنواع الأدبية، إلى اعتبارات دينية وفلسفية تجعل النثر “إلهي بالوحدة” و”طبيعي بالبدأة”[xliv]. وإلى هذا الرأي ذهب ابن رشيق عندما قرر أن “الكلام كان كله منثورا”[xlv]، ولم يظهر الشعر إلا في مرحلة تالية عندما دعت الحاجة إليه.

يثير حرص القدماء على البحث في منشأ الأنواع وتأصيلها أسئلة لا تخلو، في تقديرنا، من أهمية: هل يتخلق النوع دفعة واحدة فيظهر، حين يظهر أول مرة، ناضجا ومكتملا؟ أم أنه يتولد في البداية غير ناضج ولا مكتمل ليتدرج عبر الزمان ويتطور؟ ثم من الذي يأخذ مبادرة إنشاء النوع: المبدع أم المتلقي؟

– تخلق النوع:

إن من يستعرض آراء القدماء الخاصة بمسألة “تخلق النوع” يستخلص موقفين متمايزين:

يميل الموقف الأول إلى أن النوع ينشأ ويتخلق مكتملا ودفعة واحدة. وهو ما يفصح عنه نسبتهم، كما سبق التنويه، لامرئ القيس “تقصيد القصيد”؛ أي وضع أصول النوع وتثبيتها، ونسبتهم للهمذاني إنشاء المقامة جنسا أدبيا مكتملا. في حين نقف في المدونة النقدية العربية على تصور آخر يرى أصحابه أن النوع يولد غير مكتمل، ولا يكتسب شكله النهائي إلا بتعاقب مبدعين عدة، يضطلعون جميعا ببلورة التقاليد النوعية الخاصة به. فالقصيد، حسب هذا التصور، لم يتولد دفعة واحدة في صيغته المكتملة مع امرئ القيس، ولكن سبقته مراحل جنينية يمثلها شعراء سابقون على امرئ القيس، ففي هذه المرحلة لم يكن جنس الشعر قد استقر نظاما أدبيا مكتملا وإنما “رجزا وقطعا”[xlvi]. والمقصود بالرجز هنا الصورة الأولى التي كان عليها الرجز عندما كان لا يتجاوز “البيتين والثلاثة ونحو ذلك”[xlvii]، يقول ابن قتيبة: “ولم يكن لأوائل الشعراء إلا الأبيات القليلة يقولها الرجل عند حدوث الحاجة”[xlviii].

يتحصل مما سبق أن القدماء ربطوا تخلق النوع بظروف طارئة، رافعين عنه بذلك القصدية الإبداعية، والراجح أن طغيان المقصد الوظيفي النفعي على منتج “أوائل الشعراء” هو الذي وجههم هذه الوجهة في التفسير والتعليل.

– النوع بين مبدعه ومتلقيه:

كيف يظهر النوع ويتخلق؟ هل بمبادرة فردية من المبدع؟ أم أن النوع إنما يظهر استجابة لحاجات العصر ومصالح جماعة التلقي؟

يمكن أن نميز في المدونة النقدية القديمة، فيما يتصل بهذه المسألة، مواقف ثلاثة متباينة:

موقف أول: يجعل إنشاء النوع وقفا على المبدع – الفرد، وهو ما تفصح عنه تقريراتهم:

– أول من قال الشعر…

– وأول من رجز…

– وأول من قصد القصيد…

– وأول من أنشأ المقامة…

– وأول من أبدع الموشح…

ينزع هذا الموقف النقدي إلى اعتبار الأنواع الأدبية بنيات وقوالب جاهزة، تنشأ دفعة واحدة على يد مبدع – فرد، فالنوع، حسب هذا التصور، مكتمل وثابت، تحددت تقاليده النوعية في مرحلة سابقة، وكل المبدعين الذين يتعاقبون على النوع بعد مبدعه الأول يخضعون بشكل مطلق للتقاليد النوعية التي أنهجها لهم. إن المبدع الأول لا يمنح للنوع شكله المتميز فقط، وإنما يحدد له أيضا أسلوبه وبلاغته؛ أي “تقاليد النوع” بما هي “قواعد” لا ينبغي أن يخرج عنها من يجيء بعده. لتوكيد هذا الفهم لدور المبدع – الفرد في إنشاء النوع وترسيخ تقاليده النوعية نثبت هنا موقفهم من امرئ القيس، الذي نظر إليه أصحاب هذا التصور بوصفه “أول من فتح الشعر واستوقف وبكى الدمن ووصف ما فيها، ثم قال دع ذا رغبة عن المنسبة، فتبعوا أثره، وهو أول من شبه الخيل بالعصا واللقوة والسباع والظباء والطير، فتبعه الشعراء على تشبيهها بهذه الأوصاف”[xlix].

[i] – أرسطو: الخطابة، ، تح. عبدالرحمن بدوي، دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد ط2- 1986ص: 36.

[ii] – نفسه، ص: 37.

[iii] – رشيد يحياوي: مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية، ص: 48.

[iv] – عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة، ص: 18.

[v] – شكري عياد: مشكلة التصنيف في دراسة الأدب، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، جامعة الكويت، ع 43 ربيع 1993، ص: 114.

[vi] – جيرار جونيت: مدخل لجامع النص، ص: 60.

[vii] – نفسه ، ص: 17.

[viii] – نفسه، ص: 16.

[ix] – نفسه ، ص: 26.

[x] – نفسه، المقدمة التي خص بها المؤلف الترجمة العربية لكتابه، صص: 9-10.

[xi] – نفسه، ص: 76.

[xii] – جيرار جونيت: مدخل لجامع النص، ص: 77.

[xiii] – نفسه، ص: 74.

[xiv] – نفسه، ص: 83.

[xv] – نفسه، ص: 82.

[xvi] – نفسه، ص: 94.

[xvii] – نوروثروب فراي: تشريح النقد، ترجمة: محيي الدين صبحي، الدار العربية للكتاب، 1991، ص: 24.

[xviii] – نفسه، ص: 25.

[xix] – تودوروف: مدخل إلى الأدب العجائبي، ص: 32.

[xx] – أرسطو: فن الشعر، ص: 9.

[xxi] – نفسه، ص: 9.

[xxii] – فراي: نشريح النقد، ص: 49.

[xxiii] – عبد العزيز شبيل: نظرية الأجناس الأدبية في الثرات النثري – جدلية الحضور والغياب، دار محمد علي الحامي- تونس ط 1 – 2001، ص: 8.

[xxiv] – نفسه، ص: 481.

[xxv] – نفسه، ص: 482.

[xxvi] – “قال عنه عمر بن الخطاب: “سابق الشعراء – خسف لهم عين الشعر”- الشعر والشعراء، تح. أحمد محمد شاكر، مطبعة التراث العربي، ط3 – 1977 ج 1، ص: 133، وانظر في ريادته، ج 1، ص: 139 من نفس الكتاب.  

[xxvii] – “ويقال: إنه أول من قصد القصائد وفيه يقول الفرزدق “ومهلهل الشعر ذاك الأول” الشعر والشعراء، ج 1، ص: 303 وانظر العمدة، ج 1، ص: 87.

[xxviii] – “وزعم الرواة أن […] أول من قصده [الشعر] مهلهل وامرؤ القيس” العمدة، ج 1، ص: 189 / الحيوان، ج 1، ص: 54.

[xxix] – ابن سلام الجمحي: طبقات فحول الشعراء تح، محمود محمد شاكر، مطبعة دار المعارف، القاهرة، (د.ت). ج 2، ص: 737.

[xxx]ابن رشيق، العمدة  في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تح محيي الدين عبد الحميد دار الجيل – بيروت ط5 – 1981ج 1، ص: 90.

[xxxi] – نفسه، ج 1، ص: 90.

[xxxii] – ابن قتيبة: الشعر والشعراء، تح. أحمد محمد شاكر، مطبعة التراث العربي، ط3 – 1977 ج 2، ص: 617.

[xxxiii] – ابن خلدون، المقدمة،، دار القلم – بيروت، ط 6 – 1986 ص: 584.

[xxxiv] – أبو زيد القرشي: جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، تحقيق: علي محمد البجاوي، مطبعة نهضة مصر، 1981، ص: 30.

[xxxv] – الجاحظ: الحيوان، ج 4، ص: 82.

[xxxvi] – ابن رشيق: العمدة، ج 1، ص: 189.

[xxxvii] – الجاحظ: الحيوان، ج 1، ص: 54.

[xxxviii] – زكي مبارك: النثر الفني في القرن الرابع، دار الجيل، بيروت (د.ت) ج 1، ص: 243.

[xxxix] – ابن خلدون: المقدمة، ص: 583.

[xl] – أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة، الإمتاع والمؤانسة، تح. أحمد أمين، أحمد الزين، المكتبة العصرية، بيروت (د.ت) ، ج 2، ص: 132.

[xli] – ابن سينا، شرح  كتاب الشعر ضمن فن الشعر لأرسطو، ص: 179.

[xlii] – أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة، ج 2، ص: 132.

[xliii] – نفسه، ج 2، ص: 132.

[xliv] – نفسه، ج 2، ص: 133.

[xlv] – نفسه ج 1ص:20

[xlvi] – ابن رشيق: العمدة، ج 1، ص: 189.

[xlvii] – نفسه، ج 1، ص: 90.

[xlviii] – ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج 1، ص: 110.

[xlix] – نفسه ، ج 1، ص: 134.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق