عدنان المؤدّب: المُثَقَّفُ”حمّالُ أَلْوِيَةِ” الثّورةِ

– مهما حاولتَ أنْ تكونَ حكيمًا في مواجهةِ حَدَثِ الموت، مُخْفِيًا جَزَعَكَ وفزَعَكَ ومُجمِلاً صبرَكَ ومُستَجْمِعًا كُلَّ ما أوتِيتَ مِنْ قُوَّةِ تجلُّدِكَ، فلن تنْجَحَ. لا سِيَّما إذا كانَ الموتُ مُفاجِئًا وكانتْ حياةُ الفقيدِ موصولَةً بِحياتِكَ إلى آخِرِ نُقطةٍ في زَمَنِ ما قبل الموت، وكانَ حُلمُهُ ثائِرًا مُنطلِقًا نحو أبعدِ نُقطةٍ في أُفُقِ رُؤيتِنا المُمكِنةِ. ولا غرابةَ في ذلك، فقديمًا تصوَّرَ اليونانيّون ومِنْ بعدهم الرُّومان أنّ الحكمةَ مُلازِمةٌ لصيحةِ الفزعِ عند الحروب، وهو ما حدَثَ لأثينا، آلهة الحرب والحكمة وحامية المدينة عند اليونان، عندما خرجتْ مِن رأسِ أبيها زيوس حامِلةً رُمْحًا ودِرْعًا، صائحةً ثائرةً في وجهِ أعداءِ المدينة. فالجزَعُ والحِكمةُ لا يتعارَضانِ كما يبدو لنا في الظّاهِرِ. إنَّ الثّورةَ إعلانٌ صارِخٌ وصوتٌ صادِحٌ، قد يكُونُ مُفْزِعًا ولكنّه يُبشِّرُ بمقدَم الحُكماء.

“عدنان المؤدّب” فنّانٌ وسينمائيٌّ ومُثقَّفٌ تونسيٌّ آمنَ بالثّورةِ منذ نُعُومةِ إدْراكِه، وشَبَّ على ذلك الإيمانِ حتّى شابَ عليْهِ قبلَ أوانِهِ. وتَجشَّمَ عِبءَ أحمَالِها بما ينوءُ بأولي القُوّةِ، وبما لا يتحمَّلُهُ جسَدُهُ المُتطاوِلُ النَّحيلُ. رأى في قيَمِها وشِعاراتِها وألوِيَتِها مَا يَراهُ كلُّ فنّانٍ مُثقَّفٍ حالِمٍ ثائِرٍ غاضِبٍ مُتَمَرِّدٍ. وجهُهُ الغاضِبُ تصدَّرَ الصّفحاتِ الأولَى مِنَ الجرائِدِ والمجلاّتِ العالميّة التي كانت تنقُلُ أخبارَ ثورةِ 14 جانفي. جابتْ صُورَتُهُ مشارِقَ الأرضِ ومَغارِبَها، وتحوَّلَ إلى “أيقونة” وعنوانٍ للثّورةِ التّونسيّة.

2- في ختام جلسةٍ من الجلسات التّأسيسيّة لحركة الأمل المدنيّ التّونسيّة التي اِلتأمتْ بفضاء سيدي عبد السّلام الثّقافيّ بقليبية، جاءَنا نبأُ وفاةِ “عدنان المؤدّب” بعد تعرُّضِه لمشكلة صحّيّة في شاطئ حمّام الأغزاز حيث يُشرف مع مجموعة من الشّبّان التّونسيّين على تحضيرات مهرجان الخيمة الصّيفيّة للصّورة والتّعبيرة الفنّيّة بحمّام الأغزاز.

في الفيسبوك علّق الكاتب التّونسيّ “ناصر الرّديسي” على خبر وفاة “عدنان المؤدّب” قائلاً: “النّوبات القلبيّة لا تصيب إلّا القلوبَ التي تخفق حبًّا وعشقا بجنونٍ لهذا الوطن”.

تُوُفِّيَ عدنان وهو ينقُلُ أجهزةَ الصّوت والصّورة إلى رُكحِ المهرجانِ. تُوُفِّيَ وهو يحمِلُ إلينا رسالةَ الفنِّ والثّورة بالصّوتِ والصّورةِ.

3- يبدُو أنَّ قَدَرَ المُثقَّفِ الحقيقيِّ على مرِّ العُصورِ هو أن يحمِلَ عَنّا هُمومَنا وأحلامَنا الثّقالَ، وفي كثيرٍ مِن الأحيانِ أوهامَنا. يَصَّعَّدُ بها الجِبالَ والأوعارَ والشّعابَ والأودِيةَ صابِرًا صامِتًا مُحتَسِبًا، ونحنُ نتبَعُهُ ونتظاهَرُ بمعرفةِ الطّريقِ وقُربِ وُصولِنا إلى القِمّةِ طمعًا في المَزيدِ مِنْ تحمُّلِهِ وخَوفًا مِنْ يَأْسِهِ وإضرابِهِ. حتّى إذا تبيَّنَ لنا الهدَفُ سرابًا والوُصولُ إليه مُحالاً، خارتْ قُوَاهُ وسقطَ بأحمالِهِ وأحمالِنا. وليسَ سُقوطُ خَفيفِ الحِمْلِ كسُقوطِ المُثْقَلِ.

تعرَّضَ “عبد الفتّاح كيليطو” في كتابِه “بِحِبرٍ خَفِيٍّ” إلى ما سمَّاهُ: “صورةِ المُثَقَّف حمَّالاً”، وهي عبارةٌ استوحاها من كتاب “خارج المكان” للكاتب الفلسطينيّ الأصل “ادوارد سعيد” الذي تحدّثَ كثيرًا عن رحلاتِه بين الشّرق والغرب وتنقُّلِه وهو يحمِلُ أدباشَه فوق ظهرِهِ. وهو ما جعلَ “كيليطو” يستذكِرُ نماذِجَ لحمَّالِينَ أُسطورِيِّين كالعملاق “أطلس الذي حُكِمَ عليْهِ بِحمْلِ الأرضِ” أو سيزيف وصخْرتِه العنيدة، “وكذلك إينِي، بطل الإنيادة لِفيرجيل، الذي فرَّ مِنْ طروادةَ وهي تحترِقُ حامِلاً أبَاهُ على ظهرِهِ” أو السّندباد الحمّال، صاحب السّندباد البحريّ، ويُسمَّى الحمّال لأنَّ شُغلَهُ حمْلُ أسبابِ النّاسِ أي أثقالهم”.[1]

طبْعًا لم تكنْ الخنساءُ تقصِدُ المُثقَّفَ عندما قالتْ في رِثاءِ أخيها صَخْرٍ:

حمَّالُ ألْوِيَةٍ هَبَّاطُ أوْدِيةٍ     ***     شَهَّادُ أَنْدِيَةٍ لِلْجَيْشِ جَرَّارُ

نَحّارُ راغِيَةٍ مِلْجَاءُ طاغِيَةٍ  ***       فَكّاكُ عانِيَةٍ لِلعَظْمِ جَبّارُ[2]

 

لكنّها أوصافٌ يُمكِنُ أنْ نُطلِقَها على المُثقَّف الحقيقيّ بعد أنْ نتأوَّلَ ما يَجِبُ تأَوُّلُهُ ونُسْقِطَ ما لا يستقيمُ سِياقُهُ مع سِياقِ العصر. إنّه مَلْجَأُ المُستضْعَفينَ والمظلُومِينَ في الأرضِ وكهْفُهُمْ المَنِيعُ. يشهَدُ أنديةَ القومِ ويحمِلُ ألويَةَ الحُلمِ.

4- (حوارٌ دار بين أصدقاء عدنان في اللّيل بعد سماع الخبر بساعات)

محمّد: (مُعلِّقًا على كلام ناصر الرّديسيّ) عدنان لم يكن المتوفّى الوحيد (طارق المكي- فوزي بن مراد…). صورة عدنان في وسائل الإعلام أثناء الثّورة التّونسيّة: رمز وأيقونة. والرّموزُ لا تموتُ، فلا خوفَ من الموت.

مزار: الخوف من الموت له سببُهُ، وهو الشّعور بتكرُّرِهِ وبعدم إتمامِ الرّسالة.

شكري: فيمَ الخوفُ من الموت إذا كانت الحياةُ مغامرةً؟ الموت انطلاقة إلى عالم جديد.

محمد: عدنان شحنة من العواطف الجيّاشة التي لا تخضع إلى السّيطرة. عدنان ليس له قيود تاريخيّة أو ثقافيّة. ومن أجل ذلك تقدَّمَ ليكونَ رمزًا.

أمين: ميزة عدنان أنّه يُطلق العنان لخياله وحُلمِه إلى أبعد حدّ: والمشكلة  أنّ الحدّ الأخير للخيال والحُلم هو الموت. وعلى كلّ حال، هو تجرّأ على الموت ونحن لم نتجرَّأ عليه.

محمّد: هو شهيد الثّورة، ثورة العواطف والمشاعر والوجدان. لا يمكن أن تفشل الثّورة بالنّسبة إليه. حتّى ولو كان دونها الموت. الثّورة لم تأتِ له بكُلِّ ما يحلم ويريد. رُبّما أراد أن يختبر الثّورةَ هل هي حقيقيّة أم وهميّة؟ فإذا بالثّورة تفشل في اختبارهِ.

شكري: قلّة قليلة من النّاس يعشقون الثّورة. ليس لنا خيار إلا التّفاؤل. لن نرثيَ موتانا حتّى لا نترك الحياة في أيدي مَن لا يؤمن بالحياة، وحتّى لا نُسلِّمَ مفاتيحَ الثّورة إلى مَن لا يُؤمن بالثّورة. لا مكانَ للرّثاءِ بيننا. لن نأخُذَ من الخنساءِ إلاّ بعضَ ما كانَ يفعلُهُ صخرٌ. أيْ ما هو جديرٌ أن يظلَّ رمزًا.

 

*****

[1]  عبد الفتّاح كيليطو، بِحبرٍ خَفِيّ، الأعمال، الجزء الأوّل، الدّار البيضاء، دار طوبقال للنّشر، ط1، 2015، ص 379.

[2]  نصوص أدبيّة لتلاميذ السّنة الرّابعة من التّعليم الثّانويّ، الجزء الأوّل: في الأدب القديم، إشراف حمّادي صمّود ومحمّد الهادي الطّرابلسيّ، المركز القوميّ البيداغوجيّ، تونس، أوميقا للنّشر، بدون تاريخ، ص 61.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق