مسألة النَّوع الأدبي (4)

إن عبارات مثل “فتبعوا أثره” أو “فتبعه الشعراء” التي تتكرر في جميع المصادر النقدية القديمة  كاشفة عن أن هذا المنزع النقدي يعتبر أن تقاليد النوع (البناء، وعدد الأبيات، والأغراض، والموضوعات)، قد تحددت مع امرئ القيس وتحولت إلى معيار تقاس استنادا إليه مختلف الإبداعات المؤطرة ضمن نفس النوع، فما طابقه حاز المقبولية واعترف لصاحبه بالإجادة، وما خالفه اعتبر رديئا وشاذا، ولا يحوز شرف الانتساب إلى دوحة النوع.

إن النوع، بهذا الفهم، “مؤسسة”: تفرض على من ينتمي إليها ويبدع داخلها الامتثال لقوانين النوع، كما فصلها المبدع الأول بما هو “مؤسس”، فقد “سبق” إلى “ابتداع” تقاليد النوع فأنهجها ووطأها لمن يأتي بعده. يقول ابن سلام الجمحي حاكيا عمن احتج لتقديم امريء القيس:

“فاحتج لامرئ القيس من يقدمه قال: ما قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها واستحسنتها العرب واتبعته فيها الشعراء: استيقاف صحبه والبكاء في الديار، ورقة النسيب، وقرب المأخذ، وشبه النساء بالظباء والبيض، وشبه الخيل بالعقبان والعصي وقيد الأوابد، وأجاد في التشبيه وفصل بين النسيب وبين المعنى”[i].

إن من يتدبر هذه السمات التي “سبق” إليها امرؤ القيس و”تبعته” فيها الشعراء يجدها تشمل مختلف مكونات جنس الشعر البنيوية والموضوعية والأسلوبية، مما يؤشر على أن أصحاب هذا النظر النقدي يجعلون سلطة إنشاء النوع في يد المبدع – الفرد الذي ينشئ النوع، في فهمهم، دفعة واحدة، فيأتي ناضجا مكتملا وثابتا.

لقد نظر إلى امرئ القيس، عند أصحاب هذا التصور، باعتباره علما وعلامة على “مرحلة الاكتمال”: اكتمال اللغة (عصر الاستشهاد)، واكتمال النوع (كل اللاحقين له “متبعون” للقوانين النوعية التي أصلها)، يدل على ذلك أن جميع محاولات “شق عصا الطاعة” التي قادها الشعراء في مراحل مختلفة من تاريخ الأدب العربي، لم تطل “جوهر” النوع فاعتبرت، لذلك، مجرد “تجاوزات” أو “خروقات”، إن مست “الأطراف” فقد ظلت، على الدوام، موقرة لـ “المركز”.

وفي ذلك تأشير على أن هذا التصور النقدي، وإن قصر سلطة إنشاء النوع على المبدع الأول، فإنه يسمح للمبدعين اللاحقين بإحداث بعض التعديل في تقاليد النوع بمبادرة فردية، شريطة ألا تمس هذه التعديلات سوى العناصر المعتبرة ثانوية في النوع. وقد رصد القدماء بعض التعديلات، التي رادها مبدعون بصفتهم الفردية، كما يمكن أن نستبين من المعركة النقدية التي دارت رحاها حول شعر أبي تمام، الذي “خرق” الكثير من التقاليد الشعرية الموروثة[ii].

كما يمكن للمبدع اللاحق أن يدخل تحويرات على النوع في مستوى تداوله وتلقيه، من ذلك ما ذكره ابن رشيق في “العمدة” من أن العادة كانت عند العرب ألا تتكسب بالشعر وإنما “يقال فكاهة أو مكافأة[iii]، فلما نشأ النابغة “تحول بالشعر من الفكاهة والمكافأة إلى طلب المكافأة”[iv]، كما يروي ابن رشيق في كتابه أن الأعشى “أول من سأل بشعره”[v].

إن هذا الانحراف بوظيفة الشعر من الفكاهة والمكافأة إلى السؤال بالشعر وطلب المكافأة، إنما تأتى بمبادرات فردية وليس بجهد جماعي. وبالإضافة إلى ذلك يمكن للمبدع اللاحق أن يدخل تحويرات على العناصر الثانوية بما يمكنه من الاستقلال بـ “منزع” خاص به يميزه من طريقة غيره من الشعراء. يقول حازم في “منهاجه”: ” ومنهم من اختص بمنزع يتميز به شعره من شعر سواه، نحو منزع مهيار ومنزع ابن خفاجة”[vi]. لكن هذه التحويرات والإضافات يشترط فيها أن تنضبط لقواعد النوع وتذعن لمقتضياته، بحيث لا تطول عناصره الجوهرية، وإنما تمس “جهة” من جهاته، ويمثل حازم لهذا المنزع بـ “المأخذ” الذي اختص به المتنبي، والمتمثل في “توطئة صدور الفصول للحكم التي يوقعها في نهايتها”[vii].

– جماعة التلقي وصناعة النوع:

يتميز هذا التصور النقدي بمسلكه النازع إلى سحب سلطة إنشاء النوع من المبدع – الفرد لتركيزها في يد جماعة التلقي، حيث “تخلق النوع”، من هذا المنظور، إنما يأتي استجابة لـ “أفق انتظار” جماعة التلقي، التي تملك سلطة تكريس النوع وترسيخه ضمن نظام الأجناس المتداولة، بالاستجابة له على صعيدي التداول والتلقي، أو نفيه خارج دائرة الأجناس المعترف بها، عبر الإعراض عنه واستهجانه بما يفضي إلى تلاشيه واندثاره.

إن سلطة جماعة التلقي على استمرار الأنواع وتلاشيها ظاهرة في مقررات القدامى أن تعديل النوع وتحويره إنما يتحققان في تساوق مع رغبات ومصالح القراء المعاصرين للعمل، وهو ما يستفاد من قول ابن رشيق إن “طريق العرب القدماء في الشعر قد خولفت إلى ما هو أليق بالوقت وأشكل بأهله”[viii].

إن الأنواع لا تتخلق أو تتطور أو تتعدل إلا في إطار العلاقة التفاعلية بين الأنواع من جهة، وجماعة التلقي من جهة  مقابلة، وتتمثل هذه العلاقة التفاعلية في مختلف وضعيات التواصل، التي تحف بالنوع على مستوى التلقي والتداول؛ أي “عوائد التلقي” التي تتأثر بالظروف الاجتماعية والأسباب اللغوية، بل وحتى المواقع الجغرافية التي يتنزل فيها النوع. كل هذه اعتبارات تؤثر على “اختيارات” متداولي النوع فتوجههم إلى تكريس سيادة نوع بعينه وإهمال ما عداه، فقد ينشأ النوع من استجابة لظروف اجتماعية تفرض ظهوره، إذ كان الكلام، فيما يقرر ابن رشيق، كله “منثورا” في المبتدأ، ولما ظهرت عند جماعة التلقي الحاجة إلى نوع أدبي جديد يعبر عن تطلعاتها نشأ الشعر. يقول ابن رشيق:

“… وكان الكلام كله منثورا فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم أخلاقها، وطيب أعراقها، وذكر أيامها الصالحة، وأوطانها النازحة، وفرسانها الأنجاد، وسمحائها الأجواد، لتهز أنفسها إلى الكرم، وتدل أبناءها على الشيم، فتوهموا أعاريض جعلوها موازين الكلام، فلما تم لهم وزنه سموه شعرا”[ix]. وقد ينشأ النوع من ممارسة معيشية مثل الرجز الذي انبثق من نشاط يومي هو السقي، وحاجة اجتماعية مثل التشاتم والمفاخرة،  فقد كان الرجل من العرب يرجز إذأ خاصم أو شاتم أو فاخر[x].

ومثلما ينشأ النوع استجابة لحاجة اجتماعية أو ممارسة معيشية ينشأ كذلك لأسباب لغوية، فقد أشار ابن خلدون في المقدمة إلى ظهور أنواع أدبية جديدة فضل أصحابها ترك الإعراب، واللافت أن ذلك لم يمنع ابن خلدون من الاعتراف لها بالبلاغة الفائقة[xi].

إن النوع، من منظور هذا المنزع النقدي، لا ينشؤه مبدع- فرد، ولكنه ينشأ استجابة لتطلعات جماعة التلقي وحاجاتها الاجتماعية والثقافية. وهو ما عبر عنه أحد المعاصرين بالقول: “إن الأنواع الأدبية القديمة سواء كانت شعرا أو نثرا، تستمد قوتها واستمراريتها من مقتضيات التلقي بالدرجة الأولى، وهذا يعني أن لا فضل لنوع على آخر في ذاته، وإنما التفاضل بين الأنواع في مدى استجابتها لرغبات جماعية”[xii].

إلى جانب التصورين السابقين يصادف الباحث رأيا نقديا ثالثا مؤداه أن مبادرة إنشاء النوع ليست مرتدة إلى المبدع – الفرد، ولا إلى جماعة التلقي، ولكنها مرتدة إلى “جماعة المبدعين”، فالموشحات، عند ابن رشد مثلا، استنبطها “أهل هذه الجزيرة [الأندلس]”[xiii] و”أهل الأمصار” أنشأوا أنواعا جديدة يذكرها ابن خلدون[xiv]، و”المتأخرون من أهل الأندلس” استحدثوا الموشح[xv].

إن النوع، من هذا المنظور، لا يتخلق دفعة واحدة على يد مبدع – فرد، ولكنه ناتج جهود جماعية. فالمنشئ الأول يقتصر دوره على وضع اللبنة الأولى في صرح النوع، ثم يأتي بعده من المبدعين “جماعة” يتعاقبون على النوع ويضيفون إليه لبنات أخرى حتى يستقر بناء سامقا له أسس وقواعد تشكل “تقاليد النوع”، فإذا أخذنا الموشح مثلا نجد “مخترعه”، فيما يذكر ابن خلدون، هو “مقدم بن معافر الفريري ثم أخذ ذلك عنه ابن عبد ربه، لكن عبادة القزاز هو أول من برع فيه”[xvi].

إن تقاليد النوع تبلورها جماعة من المبدعين المتعاقبين، فإذا استقرت وجب على المبدعين اللاحقين، الذين يبدعون داخل نفس النوع أن يمتثلوا لهذه التقاليد، ولا يسمح لهم بالخروج عنها “… وقد يشبه الشعراء والعلماء والبلغاء الإنسان بالقمر والشمس والغيث والبحر وبالأسد والسيف وبالحية وبالنجم […]، وسموا الجارية غزالا وسموها أيضا خشفا ومهرة وفاختة وحمامة وزهرة […] وليس هذا مما يطرد لنا أن نقيسه وإنما نقدم ما قدموا ونحجم عما أحجموا وننتهي إلى حيث انتهوا”[xvii].

لقد قصر الجاحظ، في هذا الشاهد، ابتداع التشبيهات على طبقة الشعراء المتقدمين، ولم يرخص بذلك للمتأخرين الذين يقتصر دورهم على احتذاء التقاليد النوعية التي أنهجها لهم المتقدمون.

مشكلة التصنيف:

تهتم نظرية الأجناس الأدبية بدارسة تكون الأشكال الأدبية المختلفة، يحدوها في ذلك  طموح إلى رصد تحولاتها، وتحديد العلاقات التي تربط الأجناس بعضها ببعض، وإن كان تدقيق النظر في هذه المسألة يقتضينا التنبيه إلى أن الأعمال التي تدرس الأجناس، في استقلال عن بعضها البعض، ليس مما يدخل في نظرية الأجناس الأدبية، وإنما هو داخل في نظرية الأدب عامة ( الشعرية العامة)، ونظرية الجنس المدروس خاصة( الشعرية الخاصة). فالدراسة التي تبحث الشعر مثلا تدخل في نظرية الشعر، والتي تفحص الرواية تدخل في نظرية الرواية، وكذلك الدراسات التي تتناول أجناسا أدبية متباينة مثل الشعر والقصة والرواية والمقالة والرسالة بطريقة مفردة، تجعل كل جنس مستقلا عن الآخر، فهذا الضرب من الدراسة إن دخل في نظرية الأجناس الخاصة، فإنه لا يدخل في نظرية الأجناس العامة، لأنه يبحث المكونات الأنواعية في كل نوع على حدة ولا يفحص  العلاقات التي تربط الأجناس بعضها ببعض من حيث تكوينها البنائي والأسلوبي.

لهذه الاعتبارات  كان الحديث عن نظرية للأجناس، في السياق العربي، منطو على كثير من الإرباك والإحراج. ومن هنا كانت الحاجة ماسة إلى تضافر جهود مختلف الاختصاصات المتصلة بعلوم اللسان والإنسان من أجل وضع الأسس الملائمة لاستئناف القول في أجناسية الأدب العربي القديم، في مسعى لتصنيفه ونمذجته، واستخلاص شبكة العلاقات التي تجمع أو تفرق أنواعه، بما يتيح رصد تحولاتها عبر الحقب الفنية المختلفة.

لقد ترك القدامى اجتهادات مهمة في مجال الدراسة الأجناسية لأنواع الكلام العربي، وإن بقيت محاولاتهم عبارة عن معالجة غير مكتملة ولا نضيجة، فهي أقرب إلى “الخطرات” التي تعرض للإنسان عفوا منها إلى التأمل النقدي الواعي بصفته وتسميته، ذلك ما يمكن تبينه من الاجتهادات النقدية المأثورة عن القدامى في مجال تجنيس أشكال القول العربي وتصنيفها.

لقد جاءت التصنيفات المأثورة عن القدامى مختلفة ومتباينة تبعا لاختلاف المقاصد التي ينشدها الباحث، والمرجعية التي يصدر عنها، كما يمكن أن نستبين من مراجعة التصنيفات المقدمة من طرف النحويين واللغويين والبلاغيين والمناطقة والأصوليين. وقد كانت نتيجة هذا التنوع في المقاصد والمشارب أن زخرت كتب النقد والبلاغة العربية بمادة غزيرة في هذا المجال متنوعة.

ونظرا لغزارة المادة المتصلة، من قريب أو بعيد، بهذا المطلب فقد رأينا أن نقتصر، من اجتهادات القدامى، على بعض النماذج التصنيفية، مكتفين بدلالة التمثيل. فلم يكن من وكدنا مضاعفة الأمثلة. وقد راعينا في اصطفاء  النماذج التمثيلية أن تكون مسعفة لنا فيما نروم من مقاصد: الاستئناس بأنظار النقاد القدامى لتقديم صورة عامة عن أقسام الكلام العربي، وهو عمل نعتبره مدخلا أوليا في أفق التأسيس لنظرية خاصة بأجناس الكلام العربي عامة.

وردت عند القدماء تصنيفات لأجناس الكلام العربي عديدة، من ذلك التصنيف المأثور عن ابن المقفع وقد سئل ما البلاغة؟ فأجاب:

“البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة؛ فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون خطابا، ومنها ما يكون رسائل”[xviii].

يحصر ابن المقفع أصناف البلاغة، حسب  الشاهد، في:

السكوت، والاستماع، والإشارة، والاحتجاج، والجواب، والابتداء، والسجع، والخطب، والرسائل.

وهو تصنيف يتداخل فيه، كما هو بين، السلوك غير اللغوي (السكوت، والاستماع، والإشارة) بالسلوك اللغوي (أنواع شعرية ونثرية). وليس من شك في أن هذا الجمع الذي يقيمه ابن المقفع بين الشعر والنثر والسكوت والاستماع كاشف عن وعي بقضية الأجناس غير دقيق، مأتاه تصور يرى في البلاغة “اسما جامعا” تندرج تحته جميع مظاهر التخاطب والإبلاغ، بقطع النظر عن وسائل تحققها. ولسنا نملك أمام هذا الخلط سوى الاحتفاظ بأنواع ثلاثة نراها موافقة لمقررات نظرية الأجناس، هي الشعر والخطب والرسائل. أما الجواب والابتداء فهما، فيما نقدر، مجرد تنويع على الرسالة، إنهما، إذن، للترسيل صنفان، وكذلك السجع فهو، فيما نتصور، ظاهرة أسلوبية وسمة إيقاعية متحققتان في بعض ضروب النثر، خاصة بعد اختفاء النوع الذي كان يمثله وهو “سجع الكهان”، وإن كنا نصادف إشارات واردة عند القدماء تجعل “السجع” نوعا قائم الذات، فقد جاء في “البيان والتبيين” مثلا: “وقد يكون له [الكاتب] طبع في تأليف الرسائل والخطب والأسجاع”[xix].

وقل نفس الشيء بالنسبة للاحتجاج فهو لا يمثل نوعا أدبيا مستقلا، ولكنه صفة لكل خطاب يتقصد الإقناع، شعري أو نثري، وإن كان بالأنواع الشفاهية ألصق. فهو أكثر حضورا في خطاب “المواجهة الشفاهية” مثل المنافرات والخطب والمناظرات.

لعل الجاحظ أن يكون أبرز أديب عربي وعى بمسألة الأنواع الأدبية وعيا واضحا وجليا، جسدته إشارات عديدة مبثوثة في تضاعيف كتبه المختلفة[xx]. وهي إشارات تكشف، عن وعي دقيق تحصل للجاحظ بضرورة الترتيب والتصنيف والتنظيم، فقد اعتبرا ذلك شرطا للمعرفة العالمة رئيسا، ومطلبا لتحفظ الحكمة والعلم أساسا. يقول:

“إن لكل شيء من العلم ونوع من الحكمة وصنف من الأدب سببا يدعو إلى تأليف ما كان فيه مشتتا، ومعنى يحدو على جمع ما كان منه متفرقا، ومتى أغفل حملة الأدب وأهل المعرفة تمييز الأخبار، واستنباط الآثار، وضم كل جوهر نفيس إلى شكله، أميت الأدب ودرس مستور كل نادر”[xxi].

غير أن اللافت في موقف الجاحظ ما يصدع به من أنه، في حثه على تمييز أجناس القول، إنما يواصل تقليدا علميا متوارثا، وسنة أدبية راسخة، درج عليهما الأوائل إذ “لم يخل زمن من الأزمان، في ما مضى من القرون الذاهبة، إلا وفيه علماء محققون، قد قرؤوا كتب من تقدمهم، ودارسوا أهلها، ومارسوا الموافقين لهم، وعانوا المخالفين عليهم، فمخضوا الحكمة وعجموا عيدانها، ووقفوا على حدود العلوم فحفظوا الأمهات والأصول، وعرفوا الشرائع والفروع، ففرقوا ما بين الأشباه والنظائر، وصاقبوا بين الأشكال والأجناس، ووصلوا بين المتجاور والمتوازي […] فوضعوا الكتب في ضروب العلم وفنون الآداب”[xxii].

إذا كان الجاحظ لم يقدم تصنيفا جامعا لأنواع النثر، فقد كان مدركا أن أقسام الكلام عند العرب أكثر مما لدى الأقوام الأخرى وأوفر:

“والدليل على أن العرب أنطق، وأن لغتها أوسع، وأن لفظها أدل، وأن أقسام تأليف كلامها أكثر…”[xxiii].

إن هذا الوعي الذي يكشف عنه الجاحظ بوفرة الأنواع في كلام العرب، يجعلنا نزعم أن تقديم تصنيف جامع لأنواع النثر العربي لم يكن ليتأبى عليه، لو رامه أو كان من مقاصده، عمدتنا في ذلك أنه ذكر عديدا من أنواع النثر وفيرا، مع توافر قصد التعداد كما يشهد لذلك قوله في “البيان والتبيين”:

” قد ذكرنا، أكرمك الله، في صدر هذا الكتاب من الجزء الأول، وفي بعض الجزء الثاني كلاما من كلام العقلاء والبلغاء، ومذاهب من مذاهب الحكماء والعلماء، وقد روينا نوادر من كلام الصبيان والمجرمين من الأعراب، ونوادر كثيرة من كلام المجانين وأهل المرة من الموسوسين، ومن كلام أهل الغفلة من النوكى وأصحاب التكلف من الحمقى، فجعلنا بعضه في باب الهزل والفكاهة”[xxiv].

لقد أورد الجاحظ في هذا الشاهد تصنيفا لضروب من النثر متغايرة من وجوه عدة منها:

– القصد من الاستعمال (الهزل والفكاهة).

– اعتبارات تلفظية (حكاية نوادر الحمقى والمغفلين كما تلفظوها من غير تعديل)

وإلى ذلك يمكن أن نستخلص من تواتر مصطلح “الكلام” في هذا الشاهد وفي مواضع عديدة من كتب الجاحظ، أنه يعتبره “جنسا أعلى”، عنه تتفرع أجناس من القول وأنواع، وإن كنا نلحظ بعد أن الجاحظ يقايض، في مواضع أخرى، مصطلح “الكلام” بعبارة “أصناف البلاغة”، كما هو حاصل في هذا الشاهد الذي نجتزئ من “البيان والتبيين”:

“ونحن، أبقاك الله، إذا ادعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيد والأرجاز، ومن المنثور والأسجاع، ومن المزدوج فمعنا العلم على أن ذلك لهم شاهد صادق، من الديباجة الكريمة والرونق العجيب، والسبك والنحت، الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم، ولا أرفعهم في البيان أن يقول مثل ذلك إلا في اليسير والنبذ القليل”[xxv].

فما دلالة هذه المقايضة؟ هل يشغل الجاحظ مصطلح “البلاغة” بديلا لمصطلح “الكلام”؟ أم أن البلاغة لا تعدو أن تكون، عنده، فرعا للكلام وقسما من أقسامه؟

يبدو أن البلاغة عند الجاحظ، إن أحسن الفهم عنه، لا تعدو أن تكون مرتبة من مراتب الكلام “البليغ”، عمدتنا في ذلك أنه يجعل البلاغة “أصنافا”، في حين يقصر الكلام على “التأليف”، كما يتبين من إشارته، في معرض التمهيد للجزء الثاني من كتابه “البيان والتبيين”، إلى أنه سيذكر فيه “أقسام تأليف جميع الكلام وكيف خالف القرآن جميع الكلام الموزون والمنثور، وهو منثور غير مقفى على مخارج الأشعار والأسجاع، وكيف صار نظمه من أعظم البرهان وتأليفه من أكبر الحجج”[xxvi]. وبالإضافة إلى ذلك يصرح بأن أقسام الكلام عند العرب أكثر منها عند الأقوام الأخرى:

“والدليل على أن العرب أنطق، وأن لغتها أوسع، وأن لفظها أدل، وأن أقسام تأليف كلامها أكثر، والأمثال التي ضربت فيها أجود وأسير…”([xxvii]).

بهذا الفهم، وتأسيسا عليه، يصبح “الكلام البليغ”، عند الجاحظ، “جنسا أعلى” يتفرع عنه جنسان كبيران هما الشعر بقسميه القصيد والرجز، ثم المنثور بأقسامه الثلاثة: السجع والمزدوج وما لا يزدوج. وتتنزل هذه الأقسام من جنس المنثور منزلة الأنواع الكبرى التي تتفرع، عند الجاحظ، إلى ضروب من النثر مختلفة تتجاور في مؤلفاته وفق تراتب عقدي:

“ومتى خرج من آي القرآن صار إلى الأثر، ومتى خرج من أثر صار إلى خبر، ثم يخرج من الخبر إلى شعر، ومن الشعر إلى نوادر، ومن النوادر إلى حكم عقلية، ومقاييس سداد، ثم لا يترك هذا الباب، ولعله أن يكون أثقل والملال إليه أسرع، حتى يفضي إلى مزح وفكاهة، وإلى سخف وخرافة، ولست أراه سخفا، إذ كنت إنما استعملت سيرة الحكماء وآداب العلماء”[xxviii].

وإذا كان الجاحظ يعدد في هذا الشاهد عديد أنواع يؤشر عليها باصطلاحات أنواعية خاصة، فإن المصطلح النقدي لم يكن يسعفه دائما في توصيف أصناف من الكلام، إن شعر بتمايزها وتغايرها، فقد قعدت به الاصطلاحات عن الوفاء بنعتها وتسميتها، كما يمكن أن نستبين من قوله في “البيان والتبيين”:

“وأنا ذاكر بعد هذا فنا آخر من كلامه صلى الله عليه وسلم، وهو الكلام الذي قل عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجل عن الصنعة ونزه عن التكلف […] ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا، ولا أقصد لفظا، ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح معنى، ولا أبين فحوى، من كلامه صلى الله عليه وسلم”[xxix].

من الواضح تماما أن الجاحظ مهما أجهد نفسه في تعديد الصفات التي وسمت هذا “الصنف من الكلام”، فإنه قد اعتاص عليه توصيفه فتركه من غير تسمية. وفي ذلك تأشير على “عجز اصطلاحي” ما فتئ الجاحظ يعانيه ويكابده كما هو ظاهر في عديد مواضع، يطلق فيها الجاحظ تسميات على أصناف من الكلام من دون أن تفلح في تحديد هويتها تحديدا دقيقا. من هذه التسميات نرصد:

– المنثور غير المقفى[xxx].

– ما لا يزدوج[xxxi].

– ما ضارع وشاكل كلام النوكى[xxxii].

وإلى ذلك يمكن التمييز في تصنيفات الجاحظ مستويين اثنين: مستوى الاكتمال حيث ترد الأنواع كاملة (خطبة كاملة، ورسالة كاملة، ودعاء كامل…).

ومستوى الاجتزاء حين يقتطع الجاحظ جزءا من نوع ما مؤشرا على ذلك باصطلاحات خاصة تفيد أن النص “جزء” من “كل”. مثل:

“الفقر المستحسنة والنتف المتخيرة والمقطعات المستخرجة”[xxxiii].

وقد يستخدم الجاحظ اصطلاحي “صدر” و”جملة” للدلالة على حجم النص “المقتطع” مثل:

“وقد ذكرنا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطبه صدرا وذكرنا من خطب السلف جملا”[xxxiv].

وفي اصطلاحي “قصار” و “مقطعة” أيضا ما يفي، عند الجاحظ، بالمقاصد نفسها. فهما اصطلاحان ينصرفان، عنده، إلى التأشير على أنواع بعينها من خصائصها القصر:

“وذكرنا من مقطعات كلام النساك، ومن قصار مواعظ الزهاد، وغير ذلك مما يجوز في نوادر المعاني وقصار الخطب”[xxxv].

رغم وعي الجاحظ بتغاير ضروب الخطاب في عصره، وتمايز بعضها من بعض قياسا بوعي معاصريه ومجايليه، فإن هذا الوعي يبقى، عند التدقيق، غائما وملتبسا ليس يسلم من شوائب التشويش والخلط بين الأجناس والأنواع. وهي ظاهرة شائعة في مصنفات الجاحظ مجلاها الأبرز والأظهر إجراء “اصطلاحات الفنون” من دون ضابط أو تدقيق، كما هو حاصل في هذا الشاهد الذي تمتزج فيه أشكال الخطاب الأدبي (بالمعنى الضيق) وغير الأدبي:

“وإني ربما ألفت الكتاب المحكم المتقن، في الدين والفقه والرسائل والسيرة والخطب، والخراج والأحكام وسائر فنون الحكمة…”[xxxvi].

كما يظهر التداخل والخلط واضحين في تسميات الأنواع، كما هو ظاهر في هذا الشاهد، الذي يخلط فيه الجاحظ بين الحديث والخبر والقصة:

“ومن هذا الحديث ما خبر به عن بابويه صاحب الحمام، ولو سمعت بقصصه في كتاب اللصوص، علمت أنه بعيد من الكذب والتزيد وقد رأيته وجالسته، ولم أسمع هذا الحديث منه، ولكن حدثني به شيخ من مشايخ البصرة”[xxxvii].

هذا بالإضافة إلى الالتباس الذي يثيره، في ذهن القارئ، مصطلح “نوادر” الذي يتراوح، في تشغيل الجاحظ، بين الدلالة على الهزل والجد[xxxviii]، بل ويضم الشعر والنثر إذ يكون أحيانا “نوادر أشعار”[xxxix] ويكون في أخرى “نوادر المعاني”[xl].

ولعل ذلك أن يرتد، فيما رجح عندنا، لا إلى تمييزات وعاها الجاحظ بين أصناف الكلام العربي فجسدتها التسميات، ولكنه محمول بالأساس على “فتنة البيان”، التي اقتضت ازدواج العبارة. وهي طريقة في التعبير أثيرة عند أبي عثمان المفتون بـ “سحر البيان”، من ذلك ما ذكره في مفتتح الجزء السادس من “الحيوان” من أنه وشحه وفصل فيه بين الجزء والجزء “بنوادر كلام وطرف أخبار وغرر أشعار مع طرف مضاحك”[xli].

إن هذا التداخل في الاصطلاحات والخلط في التسميات ليؤشران على أن وعي الجاحظ بالتمايز والمغايرة بين صنوف المخاطبات غائم، ملتبس وغير نضيج. وقد نرى في بعضها مجرد تنويع في التسمية أملاه على الجاحظ تولع متأصل فيه بالازدواج والترادف.

يمثل كتاب “نقد النثر”، فيما أراد له صاحبه، مشروعا في البيان يستدرك به على مشروع بياني آخر كان الجاحظ قد حاوله في كتاب له شهير هو “البيان التبيين”، الذي اعتبر عند المشتغلين بقضايا البلاغة العربية، جدد وقدماء، أنضج محاولة لتأسيس “البيان العربي”[xlii]، فيما رأى فيه صاحب “نقد النثر” مشروعا، في البيان العربي، غير نضيج شابته عيوب ونقائص، لكونه “ضم أخبارا منتخلة، وخطبا منتخبة، ولم يأت فيه [الجاحظ] بوصف البيان، ولا أتى على أقسامه في هذا اللسان، وكان عندما وقفت عليه غير مستحق لهذا الاسم الذي نسب إليه”[xliii].

من الواضح أن المؤلف يرى في كتاب الجاحظ نقصا انتدب نفسه لتداركه بتصنيف هذا الكتاب، الذي كانت تسميته الأصلية، فيما يرجح محققه، “كتاب البيان” بما يؤكد أن المؤلف قصد به إلى معارضة كتاب الجاحظ مضمونا وتسمية[xliv].

إن قراءة الكتاب تكشف عن تولع متأكد بالتقسيم والتفريع، فبعد أن قرر صاحبه في معرض حديثه عن المعرفة العقلية بطريقة تذكر بطريقة الجاحظ، أن “العقل حجة الله على خلقه والدليل لهم إلى معرفته والسبيل إلى نيل رحمته”[xlv]. قسم العقل قسمين: موهوب ومكسوب[xlvi].

ولما كان البيان، عند المؤلف، ترجمان العقل ودليلا عليه، فقد انقسم، عنده، إلى وجوه أربعة:

1/ بيان الأشياء بذواتها: وفي هذا الصنف من البيان تتجلى حكمة الخالق وآثار صنعته، لأن الأشياء، وإن كانت صامته جامدة، فهي “ناطقة بظاهر أحوالها” وفي ذلك مدعاة إلى “الاعتبار”.

2/ بيان يحصل في القلب: ولأنه يحصل في نفس المتفكر من دون غيره اختص باسم “الاعتقاد”.

3/ بيان بنطق اللسان: وهو بيان يشترك فيه الإنسان مع غيره، وقد اصطلح عليه المؤلف بـ “العبارة”.

4/ بيان بالكتاب: يتجاوز الشاهد ليطول الغائب.

بعد هذا التفريع لأقسام البيان يعقد المؤلف بابا وسمه بـ “باب تأليف العبارة” رصد فيه أقسام ما يسميه “سائر العبارة في كلام العرب”، فحصرها في ثنائية المنظوم والمنثور. وهي القسمة التقليدية التي رسخها النقد العربي منذ أطواره الأولى. يقول:

“واعلم أن سائر العبارة في كلام العرب إما أن يكون منظوما وإما أن يكون منثورا، والمنظوم هو الشعر والمنثور هو الكلام”[xlvii].

يسترعي انتباه الناظر، في هذا الشاهد، انطلاق صاحبه، في مسعاه التصنيفي، من تصورات مباينة تماما لتصورات النقاد العرب القدامى الذين ينطلقون ، في الغالب، من اعتبار الكلام، والكلام البليغ تخصيصا، جنسا أعلى يتفرع إلى أجناس وأنواع، لكن صاحب “نقد النثر” يقصر الكلام على “المنثور” مثلما يقصر المنظوم على “الشعر”، وإن كنا نجده يعدل من هذا الموقف لاحقا كما نفهم من إشارة وردت عنده، وهو بصدد تحديد البلاغة، التي يعرفها بالقول:

“… وحدها [البلاغة] عندنا أنه القول المحيط بالمعنى المقصود مع اختيار الكلام وحسن النظام وفصاحة اللسان”[xlviii].

والإشارة المقصودة في هذا الشاهد عبارة “اختيار الكلام” التي تحيل، من غير شك، على “المنثور” الذي لا يعني هنا، بأية حال من الأحوال، “الكلام العادي”، وإنما “الكلام البليغ”، لأن عبارة “اختيار الكلام”، في هذا السياق، دالة على مبدأ فني وجمالي مرتبط بعملية “الاختيار”، التي يمارسها المبدع حين يصطفي من الكلام ما يتوافق وشرائط البلاغة.

لكن اللافت في هذا الكتاب أن صاحبه ما إن يقدم هذا التحديد للبلاغة حتى يشرع في حديث مطول عن الشعر، ليس له من مبرر في كتاب اختصه صاحبه بـ “نقد النثر”، غير أن هذا الإجراء من المؤلف يسعفنا في تبين مقصوده من عبارة “تأليف العبارة” التي وسم بها هذا الباب، إذ وضح أنها منصرفة، عنده، لتعني اسما جامعا للكلام البليغ عموما، نثره ونظمه. يرجح ذلك أن المؤلف ينتقل مباشرة بعد حديثه عن الشعر وأقسامه إلى بسط القول في النثر وأنواعه، فقد عقد لهذا الغرض بابا وسمه بـ “باب فيه المنثور وما جاء فيه”، حيث حصر في المنثور أقساما أربعة هي الخطابة والترسيل والاحتجاج والحديث. يقول:

“وليس يخلو المنثور من أن يكون خطابة أو ترسلا أو احتجاجا أو حديثا”[xlix]، ولكل واحد من هذه الأقسام موضع يستعمل فيه:

1- الخطب: تستعمل في إصلاح ذات البين، وإطفاء نائرة الحرب، وحمالة الدماء، والتسديد للملك، والتأكيد للعهد في عقد الأملاك، وفي الدعاء إلى الله عز وجل، وفي الإشادة بالمناقب.

2- الترسيل: يستعمل في الاحتجاج على المخالفين من أهل الأطراف، وذكر الفتوح وفي المعاتبات والاعتذارات.

3- الجدل: يقصد به إلى إقامة الحجة فيما اختلف فيه اعتقادا المجادلين، ويستعمل في المذاهب والديانات وفي الحقوق والخصومات، والتنصل في الاعتذارات، ويدخل في الشعر وفي النثر.

4- الحديث: ما يجري بين الناس في مخاطباتهم ومناقلاتهم.

يتصل، بموضوع بحثنا من هذا التقسيم، أمران هامان:

تعيين مصطلح “النثر” صيغة جامعة لأصناف من التواصل الأدبي (الأنواع الأدبية)، وغير الأدبي (التواصل اليومي العادي)، ثم امتزاح الشفاهي بالكتابي، حيث يمزج المؤلف بين الفنون النثرية الشفوية (الخطابة – الحديث)، والفنون المكتوبة (الترسيل)، وإن كنا نلحظ هيمنة ظاهرة للأنواع الشفاهية على المكتوبة، فإذا اعتبرنا الاحتجاج (الجدل) أقرب من حيث مجالات استعماله، إلى الشفاهة لم يتبق لدينا من الأنواع الداخلة في المكتوب إلا “الترسيل”.

اختص ابن عبد الغفور الكلاعي “النثر” بكتاب قصد فيه إلى “إحكام صنعة الكلام” وهذا المسلك من ابن عبد الغفور جدير بالتدبر والاعتبار، ففي هذا الكتاب يعلن الرجل عن انتصاره للكلام المنثور على حساب المنظوم، ذاهبا إلى أن النثر، في الممارسة الإبداعية أصل الشعر “فرع تولد منه”[l]. ورغم أولوية النثر، فيما يقرر ابن عبد الغفور، وأسبقيته على الشعر، فإن الدارسين ذهلوا عن قوانينه فتركوها من غير إحكام، وغفلوا عن أفانينه فتركوها من غير حصر، لكل ذلك انتدب الكلاعي كتابه لإحكام صنعة النثر مبررا انصرافه عن الشعر بما ناله من حظوة لدى الدارسين لم تتوافر لصنوه “النثر”.

بعد أن بسط الكلاعي أسبابه في تفضيل صناعة النثر على الشعر، توقف عند أصناف النثر (يسميها “ضروبا”) فجهر ببعض هذه الأصناف وسكت عن بعض:

“وتأملت – أدام الله توفيقك- النثر فوجدت فيه من أنواع البديع ما في النظم، فأغفلت ذكرها في هذا الكتاب، لأن كثيرا من العلماء عنوا بهذا الباب، وجعلت أبحث عن ضروب الكلام فوجدتها على فصول وأقسام منها: الترسيل ومنها التوقيع ومنها الخطبة ومنها الحكم المرتجلة، والأمثال المرسلة، ومنها المورى والمعمى، ومنها المقامات والحكايات، ومنها التوثيق ومنها التأليف، وتأملت – أكرمك الله- الأسجاع فوجدتها على ضروب وأنواع…”

  • .

    إن التصنيف عند الكلاعي، كما يمكن أن نستبين من الشاهد، عملية بحث مقصودة، فهي لا تأتي عفوا أو عرضا، ولكنها مستندة إلى وعي تصنيفي تحصل للكلاعي فصدع به ومارسه بعد “تأمل” في أقسام النثر “بحثا” عن “ضروب الكلام”.

    ومما يدل على أن عملية التصنيف، عند الكلاعي، واعية بحدودها وصفتها وضوح التصور المنهجي عنده لموضوعه وأدواته، فقد أقصى الشعر من دراسته لأسباب فصلها كما أقصى بديع النثر لأن غيره تكفل ببحثه وتقصيه. وإذن، فالكلاعي ينصرف عامدا عن الشعر وبديع المنثور ليتوجه قصدا إلى بحث ضروب النثر، التي شكلت نقطة البحث في دراسته.

    وقد وقف الكلاعي في تدبره تجليات الممارسة النثرية عند قطاعات أربعة هي:

    1/ الشعر                                   2/ بديع النثر

    3/ ضروب الكلام                         4/ الأسجاع

    وقد أسلمه تقليب النظر في هذه القطاعات الإبداعية إلى رسم دائرة تصنيفية تضم أنواعا نثرية ثمانية هي بعض، وليس كل، ما يمكن أن تنقسم إليه “ضروب الكلام”.

    وإذا تأملنا هذه الضروب النثرية المرصودة من قبل الكلاعي وجدنا بعضا منها قد جاء مفردا، فيما جاء بعض آخر مزدوجا.

    تتمثل الأنواع المفردة في:

    1/ الترسيل: ويختلف باختلاف الأزمنة.

    2/ التوقيع: يكون على الرقاع في آخر الرسائل.

    3/ الخطبة: تقوم عند العرب على كلام منظوم له بال.

    4/ تأليف الكتب: ويدخل فيه الكلاعي كتب النقد والإبداع وكتب المختارات وكتب الاختصارات والشروح.

    5/ التوثيق: من اختصاص ديوان الإنشاء ويتعلق بالمحاضر والسجلات والوصايا والعقود.

    أما الأنواع المزدوجة فتضم:

    6/ الحكم المرتجلة والأمثال السائرة: ويجعل الكلاعي الأمثال على ضربين:

    أ- ما روي في الخطب والرسائل.

    ب- ما يأتي جوابا مرتجلا للسائل.

    7/ المورى والمعمى: سمي كذلك لأن باطنه على غير ظاهره وهذا الضرب موجود في المنثور والمنظوم.

    8/ المقامات والحكايات: يربط المقامات بالهمذاني، أما الحكايات فيمثل لها بكتاب “كليلة ودمنة” لابن المقفع وكتاب “القائف” للمعري.

    أما الأسجاع فقد جعلها محطة لهذه “الضروب” تالية فهي، عنده، قابلة للتصنيف حسب الصورة التي تتحقق بها في النصوص، لأنه بعد انقراض النوع الكلامي الذي يمثلها وهو “سجع الكهان”، فقد تحولت الأسجاع إلى صفة إيقاعية في الكلام، متحققة في بعض ضروب النثر.

    من الملاحظ التي يمكن أن يسلم إليها تدبر هذا التصنيف أن الأنواع المفردة داخلة كلها، باستثناء الخطبة، في الكتابة، وإن اختلفت بعد في خصائصها الأسلوبية والبنائية. أما الأنواع المزدوجة فبينها تماثل وتشاكل؛ فبين الحكم والأمثال أكثر من آصرة نسب، وبخاصة مرجعيتهما المرتبطة بالتجارب الإنسانية المشتركة، وكذلك المورى والمعمى اللذان يتفقان في الدلالة على ضرب من الكلام ظاهره مختلف عن باطنه. ويدخل فيه الكلاعي التورية واللغز والكناية وغيرها مما يكون لامتحان  الذهن. أما الجمع بين المقامات والحكايات فلسنا نعثر على أي إشارة تدل على وعي تحصل للكلاعي باشتراكها في خاصة السرد أو البناء، فقد اكتفى الكلاعي في الباب الذي عقده لهذين النوعين بسوق نماذج مقامية للبديع، وفي الحكايات ساق أنموذجا من “القائف” للمعري، وعدا الإشارة إلى تفضيل “القائق” على “كليلة ودمنة” لا نعثر على أي تفصيل لخصائص الأنواع السردية، بل إن موقفه المعلن من السرد يستبطن الكثير من السلبية كما يمكن أن نستبين من وصفه “كليلة ودمنة” و”القائف” بأنهما “من الحكايات المختلقة والأخبار المنمقة”[lii].

    يصدر الباقلاني في كتابه “إعجاز القرآن” عن خلفية إعجازية واضحة، جعلته لا يرخي لقلمه العنان عند الخوض في قضايا النص الشعري، فقد كان يفلح دوما في كبح جماحه للتركيز على موضوعه الأصلي الذي انتدب إليه كتابه: بيان “إعجاز القرآن” وإثبات تفوقه على سائر الإبداعات اللفظية التي أنتجها “العربي”. وقد كان بدهيا أن تتأثر مناولة الباقلاني لمختلف الأنواع الأدبية التي يضمها سجل الكلام العربي إقصاء واحتواء، ترتيبا وتصنيفا، بخلفيته الإعجازية التي وجهت نظره النقدي والبلاغي إلى اعتبار القرآن نصا نموذجيا متعاليا.

    يقول الباقلاني في مقدمة كتابه محددا مقاصده من تأليف الكتاب التي يحصرها في وصف متصرفات الخطاب، وترتيب وجوه الكلام وأقسامه من “شعر ورسائل وخطب وغير ذلك من مجاري الخطاب، وإن كانت هذه الوجوه الثلاثة أصول ما يبين فيه التفاصح وتقصد فيه البلاغة، لأن هذه أمور يتعمل لها في الأغلب ولا يتجوز فيها، ثم من بعد هذا الكلام الدائر في محاوراتهم والتفاوت فيه أكثر، لأن التعمل فيه أقل إلا من غزارة طبع أو فطانة تصنع وتكلف”[liii].

    نستبين من هذا الشاهد أن الكلام يتفرع عند الباقلاني إلى أقسام ثلاثة يسميها “أصولا”، وهي الشعر والرسائل والخطب. ومما يسترعي انتباه الناظر في هذا التقسيم الذي يسوق الباقلاني، عدم اقتصاره على الأقسام الثلاثة التي قررها “أصولا” لأجناس الخطاب، ولكنه يشير إلى أن هناك “أصولا” أخرى غير هذه كانت متداولة في عصره كما يمكن أن يستفاد من قوله: “وغير ذلك من مجاري الخطاب”، وكذلك “الكلام الدائر في محاوراتهم”، وإن كان الباقلاني لا يظهر أدنى عناية بحصر هذه الأنواع أو تفصيل القول فيها. وهو أمر مرتد إلى أن هذه الأنواع لم تتوافر لها مقومات “الأدبية” بخلاف “الأصول” الثلاثة التي توافرت لها شرائط الكتابة الفنية، إذ “يبين فيها التفاصح ويقصد فيها البلاغة”. أما المحاورات وغير ذلك من “مجاري الكلام” فإن الباقلاني يخرجها من دائرة اهتمامه، فلا يعنى بتقصيها وتصنيفها، لأنها لم تنتج وفق القواعد التي تحددها “الصناعة”. وإذا كان قد اتفق لها من السمات ما تلتقي فيه بالأصول الثلاثة، فإن ذلك مرتد فيها إلى “الطبع” و”الفطانة” وليس “القصد” و”التعمل”. وبهذا الاعتبار فإن هذه “الأصول” لا ترقى إلى مستوى “الصناعة”.

    نستفيد مما سبق أن الباقلاني لم يستطع تجاوز مقولة “الإعجاز” التي شكلت أسا أدار عليه كتابه؛ فانشغاله بإبراز تميز النص القرآني وتفوقه جعله لا يعتني من الأنواع إلا بتلك التي تقترب في تكوينها البلاغي والأسلوبي من النص – الأنموذج (القرآن الكريم). ومن هنا كان قبول الأنواع الخطابية أو رفضها مرتهن، عند الباقلاني، إلى حظها من الفصاحة والبلاغة، ذلك ما نتبينه من العبارة التالية التي يوردها الباقلاني في معرض مرافعته عن فكرة تفوق النص القرآني على “الأصول” الثلاثة، التي قررها من قبل أجناسا خطابية توافرت لها شرائط “القول البليغ”:

    “من كان قد تناهى في معرفة اللسان العربي […] فليس يخفى عليه إعجاز القرآن كما يميز جنس الخطب والرسائل والشعر”[liv].

    إن تخصيص هذه الأجناس الثلاثة بالعناية إنما يرتد إلى اشتراكها في “التعمل” و”الصناعة”، وبذلك يستقيم للباقلاني المقارنة بينها والقرآن ابتداء، ليخلص – انتهاء- إلى إثبات تفوق النص القرآني على هذه الأنواع جميعا في مقاييس الفصاحة والبلاغة.

    وإلى ذلك نعثر عند الباقلاني في المواضع التي يختصها بالحديث عن “إعجاز القرآن” وبلاغته ذكرا لأقسام  الخطاب غير الأصول الثلاثة، إما بشكل صريح أو ضمني يفهم من صيغ القول التي يستعمل للدلالة على أنواع أدبية مثل أخبر (الخبر) وضرب (المثل) وذكر (قصة) يوسف…

    ومما يسترعي انتباه الدارس أن أجناس الخطاب في القرآن، فيما يرصد الباقلاني، وفيرة تتوزع ما بين خبر ومثل وقصة وموعظة… وهي أجناس لم يتضمنها تقسيم الباقلاني لأجناس الكلام العربي. وهو أمر يمكن أن يرتد إلى الخلفية الإعجازية التي حكمت هذا الباحث ووجهته لأن يعتبر جميع الأجناس الخطابية، التي تضمنها القرآن مستحقة للذكر والتنويه، لما حازت من فصاحة وما انطوت عليه من بلاغة. أما كلام العرب فلم تتوافر شروط البلاغة إلا لأجناس منه ثلاثة هي الشعر والرسائل والخطب. وقد استحقت، بمقتضى ذلك، الاعتراف بها أجناسا أدبية. أما الأصناف الخطابية الأخرى مثل المحاورات والشعر القصصي فلم تتوافر له هذه الشروط فكان أن أسقطها الباقلاني من خطاطته  التصنيفية.

    لقد اعتمد الباقلاني “مقولة الإعجاز” عيارا في الحكم على حظ الأنواع الأدبية من الفصاحة والبلاغة، الذي يستند إليه في تحديد قيمتها “الأدبية”، وبالتالي صلاحيتها للتداول من عدمه. وهو إجراء يجليه موقفه المعلن من جنس “القصة” الذي اتسم بازدواجية واضحة؛ فهذا الجنس يحظى عنده، من جهة، بالاعتراف والمقبولية عندما يرد في القرآن الكريم إذ يعتبرها، في هذه الحال، نوعا من الخطاب ساميا توافر له من شرائط البلاغة ما استحق معه أن يدرج ضمن الأنواع الخطابية الأخرى التي استوعبها النص القرآني مثل الموعظة والمثل والخبر، لكن موقف الباقلاني من هذا الجنس يختلف تماما عندما يرد، من جهة مقابلة، في الشعر، حيث يكون حظه من البلاغة، في زعمه، منعدما. ولذلك توجب إخراجه من دائرة الأغراض الشعرية المعترف بها مثل المدح والفخر والرثاء…

    وقد عبر الباقلاني عن هذا الموقف الرافض للقصة نوعا خطابيا في جنس الشعر في معرض مفاضلته بين بلاغة السرد القصصي في النص القرآني والنص الشعري، حيث يقرر أن أي سورة من سور القرآن “تتضمن من القصص ما لو تكلفت العبارة عنها بأضعاف كلماتها لم تستوف ما استوفته […] وإن أردت أن تتحقق ما وصفت لك فتأمل شعر من شئت من الشعراء المفلقين، هل تجد كلامه في المديح والغزل والفخر والهجو يجري مجرى كلامه في ذكر القصص، إنك لتراه إذا جاء إلى وصف واقعة أو نقل خبر عامي الكلام سوقي الخطاب، مسترسلا في أمره متساهلا في كلامه، عادلا عن المألوف من طبعه”[lv].

     

    يمكننا الانتهاء، من هذا الاستعراض لآراء النقاد والبلاغيين العرب القدامى حول مسألة تصنيف الخطابات الأدبية، إلى أن غالب هذه الآراء جاء متفقا في الكثير من القضايا المتعلقة بتصنيف الكلام العربي، إذ نصادف عندهم نفس التصنيف لبعض التجليات النصية بالنظر إلى وجود قيم ثابتة وقارة. وهو ما يظهر جليا في حديثهم عن “النوع الأدبي” بوصفه صيغة جامعة تستوعب مختلف الممارسات اللفظية التي توافرت لها شروط “الأدبية”، وحظيت بالقبول والتداول، فمعظم المقترحات التصنيفية يتفق في تقسيم الكلام إلى جنسين كبيرين هما الشعر والنثر، اللذين ظلا حاضرين باستمرار على امتداد تاريخ الأدب العربي.

    وإذا كانت آراء النقاد قد جاءت متفقة فيما يتصل بـ “أجناس الكلام”، فقد تباينت عندما تعلق الأمر بتقديم مقترحات تصنيفية للأنواع التي تتفرع إليها الأجناس، فإذا كنا نجد اتفاقا بين النقاد، يصل حد التطابق والتواتر فيما يتصل بالأنواع “الثابتة”، مثل تفريع جنس الشعر إلى نوعين هما القصيد والرجز، وجنس النثر إلى رسالة وخطبة، فإن الاختلافات ما تلبث أن تظهر عندما يتعلق الأمر ببعض الأنواع التي يمكن نعتها بـ “المتحولة”، مثل الخبر والحكاية والدعاء والحديث.

    إذا كانت هذه النظرات النقدية المأثورة عن القدماء كاشفة عن وعي بمسألة الأنواع الأدبية، فإنه يصعب، عند التدقيق، اعتبارها مصادر في تجنيس الكلام العربي، لأن الوعي الذي تعبر عنه غائم وفي بداياته. إن وعى ضمنا بالظاهرة، فقد بقي عاجزا عن حصرها وضبط حدودها، فكان أن جاءت الأحكام المأثورة عن القدماء انطباعية ومعيارية في الأعم الأغلب، رغم عمقها أحيانا.

     

     

     

    [i] – ابن سلام الجمحي: طبقات فحول الشعراء، ج 1، ص: 55.

    [ii] – انظر أطرافا من ذلك في “الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري”  للآمدي حيث أبو تمام مطرود من جنة الآمدي لأن شعره لا يشبه أشعار الأوائل ولا على طريقتهم لما فيه من الاستعارات البعيدة والمعاني المولدة.

    [iii] – ابن رشيق: العمدة، ج 1، ص: 80.

    [iv] – نفسه، ج 1، ص: 80.

    [v] – نفسه، ج 1، ص: 81.

    [vi] – حازم: منهاج البلغاء وسراج الأدباء تح. محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي ط 3 – 1986ص: 366.

    [vii] – نفسه ، ص: 366.

    [viii] – ابن رشيق: العمدة، ج 1، ص: 301.

    [ix] ، نفسه ج 1، ص: 20.

    [x] – نفسه، ج 1، ص: 20 / الشعر والشعراء، ج 2، ص: 617.

    [xi] – ابن خلدون: المقدمة، ص: 583.

    [xii] – أبلاغ محمد عبد الجليل، شعرية النص النثري، مقاربة نقدية تحليلية لمقامات الحريري، شركة النشر والتوزيع، المدارس، البيضاء، ط 1، 2002، ص: 28.

    [xiii] – ابن رشد: تلخيص كتاب أرسطو طاليس في الشعر ضمن فن الشعر، ص: 203.

    [xiv] – ابن خلدون: المقدمة، ص: 582.

    [xv] – نفسه، ص: 583.

    [xvi] – نفسه ، ص: 584.

    [xvii] – الجاحظ: الحيوان، تح . فوزي عطوي، دار صعب – بيروت ، ط 2 – 1978  ج 1، ص: 128.

    [xviii] – الجاحظ: البيان والتبيين، ج 1، ص: 78.

    [xix] – نفسه ، ج 1، ص: 130.

    [xx] – ترصد حمادي صمود أطرافا من هذا الوعي عند الجاحظ في مقالة موسومة بـ: “الوعي بالأجناس الأدبية في كتاب الحيوان للجاحظ” حوليات الجامعة التونسية، ع 45- 2001، ص: 199، وانظر كذلك يوسف الصديق في بحث له موسوم بـ “مدى وعي الجاحظ بأجناس المنثور من خلال رسائله”، حوليات الجامعة التونسية، ع 43- 1999، ص: 157.   

    [xxi] – الجاحظ: رسالة الحنين إلى الأوطان ضمن رسائل الجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون، ج 2، ص: 232.

    [xxii] – الجاحظ: رسالة في فصل ما بين العداوة والحسد ضمن رسائل الجاحظ، تح. عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي ـ القاهرة ـ 1964، ج 1، ص: 338.

    [xxiii] – الجاحظ: البيان والتبيين، درويش جويدي، المكتبة العصرية –  بيروت 2005ج 1، ص: 222.

    [xxiv] – الجاحظ: البيان والتبيين، ج 2، ص: 338.

    [xxv] – نفسه، ج 3، ص: 426.

    [xxvi] – نفسه ، ج 1، ص: 222.

    [xxvii] – نفسه، ج 1، ص: 222.

    [xxviii] – الجاحظ: الحيوان، ج 1، ص: 65.

    [xxix] – الجاحظ: البيان والتبيين، ج 2، ص: 244.

    [xxx] – نفسه، ج 2، ص: 413.

    [xxxi] – نفسه، ج 3، ص: 426.

    [xxxii] – نفسه، ج 3، ص: 595،

    [xxxiii] – – نفسه ، ج 3، ص: 413.

    [xxxiv] – نفسه، ج 2، ص: 265.

    [xxxv] – نفسه، ج 3، ص: 548.

    [xxxvi] – الجاحظ: فصل ما بين العداوة والحسد، رسائل الجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون، ج 1، ص: 350. 

    [xxxvii] – الجاحظ: الحيوان، ج 2، ص: 299.

    [xxxviii] – الجاحظ: البيان والتبيين، ج 2، ص: 338.

    [xxxix] – نفسه ج 3، ص: 561.

    [xl] – نفسه ، ج 3، ص: 548.

    [xli] – الجاحظ: الحيوان، ج 6، ص: 395.

    [xlii] – انظر في ذلك أطروحة حمادي صمود –أحمد المفتونين بالجاحظ عن “التفكير البلاغي عند العرب أسسه وتطوره إلى القرن السادس، منشورات الجامعة التونسية، مجلد  21 ـ 1981حيث قسم أطروحته تقسيما لا يخلو من دلالة واعتبار فقد ركبها على: ما قبل الجاحظ- الحدث الجاحظي- ما بعد الجاحظ ،  في إشارة واضحة إلى مركزية مساهمة الجاحظ في “التفكير البلاغي عند العرب”. 

    [xliii] – قدامة  بن جعفر: نقد النثر، ص: 3.

    [xliv] – يؤكد ذلك أن صاحب “نقد النثر” ما يفتأ يحين الفرص للاستدراك على الجاحظ والتنبيه على القصور الذي وسم مشروعه البياني فلم يسلم له حتى بتحديده البلاغة الذي رأى فيه قصورا استدركه عليه مقدما تحديدا بديلا رآه أكثر وفاء بحد البلاغة:

    “وقد ذكر الناس البلاغة ووصفوها بأوصاف  لم تشتمل على حدها وذكر الجاحظ كثيرا مما وصفت به وكل وصف منها يقصر عن الإحاطة بحدها وحدها عندنا…” – نقد النثر، ص: 76.

    [xlv] – قدامة ابن جعفر: نقد النثر ، تح. عبد الحميد العبادي، دار الكتب العلمية – بيروت1995 ص: 6.

    [xlvi] – نفسه، ص: 6.

    [xlvii] – نفسه ، ص: 6.

    [xlviii] – نفسه ، ص: 76.

    [xlix] – نفسه، ص: 93.

    [l] – ابن عبد الغفور الكلاعي: إحكام صنعة الكلام، تحقيق: رضوان الداية، عالم الكتب، ط 2- 1985، ص: 40.

  • – نفسه، ص: 102.

    [lii] – نفسه ، ص: 204.

    [liii] – أبو بكر الباقلاني: إعجاز القرآن، تحقيق: عبد المنعم خفاجي، دار الجيل، بيروت، 2005، ص: 54.

    [liv] – نفسه ، ص: 165.

    [lv] – ، نفسه ص: 235.

     

     

    قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

    أضف تعليق