هيغل لا يريد أن يتركنا بسلام

فكتوريا فاريلد(*)

العنوان: قراءة هيغل

                                   المؤلف: مجموعة كتاب

                                   الناشر: تانكه كرافت – ستوكهولم

أتفرج على مسلسل تلفزيوني أمريكي وأسمع فيه هذا الحوار:

“أنا الرئيس هنا، وأنت لا شيء!”

“حسن، هذا يجعل منك فقط رئيساً للا شيء!”

فأدرك كيف يصور هذا الحوار، بشكل مكثف، الوصف الذي قدمه فيلسوف القرن التاسع عشر الألماني فريدريك هيغل في عمله العظيم “ظواهرية الروح” الصادر عام 1807: بما إنني معتمد كلياً على الآخر لكي أعرف نفسي فان إنكار الآخر هو في الوقت نفسه إنكار لنفسي. أو بعبارة هيغل المشهورة: أن أجعل من نفسي سيداً عن طريق جعليمن شخص آخر عبداً هو أمر محكوم بالفشل، ذلك بأن ما يفعله السيد بحق العبد سيعود عليه ويصيبه هو نفسه.

حتى محدودو المعرفة بأفكار هيغل تراهم عادةً يعرفون المقطع الشهير في “ظواهرية الروح” حول السيد والعبد والكفاح من أجل الاعتراف، على الأقل من خلال استحضاره مرات كثيرة في النقاش الفكري الأوروبي في القرن العشرين. ففي الثلاثينيات والأربعينيات، تلك الحقبة التي أنهكتها تجارب الحرب، استخدم هذا المقطع من قبل جان هيبوليت وألكسندر كوجيف في تأملاتهما حول حضور العنف والصراع في العلاقات البشرية،وحول الحرية، والعزلة، وحول إمكانية نهاية  الصراع الطبقي واللاعدالة الاجتماعية.وسوف تطبع محاضرات كوجيف جيلاً بكامله من المفكرين الفرنسيين بطابعها وتساهم في أن تصبح الفلسفة الفرنسية في فترة ما بعد الحرب، الى درجة كبيرة، ذات علاقة مثمرة بأفكار هيغل.

عندما عادت فلسفة الاعتراف الهيغلية الى الحضور في النقاشاتحول السياسة الاجتماعية في أوروبا وأمريكا الشمالية خلال العقد الأخير من القرن العشرين، بعد سقوط حائط برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي وفي ضوء الجدل المتنامي حول التعددية الثقافية وسياسات الهوية، كانت مشحونة بمحتوى جديد. فمن خلال أعمال أكسل هونيث وتشارلز تايلور وفرانسيس فوكوياما صار كفاح هيغل من أجل الاعتراف يحمل معه وعداً بالمساواة والمصالحة، وهذه المرة في هيئة اتحاد ممكن بين الحرية الفردية والمشاركة المجتمعية. فأصبح ديالكتيك الاعتراف تعبيراً عن عملية دمقرَطة المجتمع الليبرالي وفي نهاية المطاف تعبيراً عن تحقّق الديمقراطية الليبرالية.

أن يكون لكل جيل “هيغله”، يستحضره ليواجه مسائل عصره الملتهبة، لهو شيء كان من الوضوح بمكان منذ موت هيغل في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. ومنذ ذلك الوقت كانت فلسفته ميداناً لصراعات عميقة حول تفسيرها: فهل يشكل فكر هيغل نظاماً محدداً ومغلقاً يقرره عصر معين، وفكرةً كنا قد خلفناها وراءنا، أم هي نظام يحمل في ثناياه المبادئ التي تجعله متفوقاً بذاته ولذلك يخاطبنا بطرق مختلفة على الدوام؟ الجواب، وفي ضوء العلاقة متعددة المعاني بين الأجيال القادمة وهيغل، ينبغي أن يكون: كلاهما! فهيغل هو المحافظ الذي أنشأ هذا النظام، وهو فيلسوف الرغبة الذي لا يهدأ، في شخص واحد. هناك كثيرون ممن يعتبرون أن مؤسسي الحداثة، بمن فيهم كارل ماركس وفريدريك نيتشه، كانوا مشغولين بمحاولة التفوق على نظام الفكر الهيغلي. وحتى بين ممثلي ما يسمى بفلسفة ما بعد الحداثة، على غرار ما بعد الهيغلية، مثل ميشال فوكو وجاك دريدا، نجد فكر هيغل حقلاً لتوتر لا مفر منه.

هذه العلاقة الاشكاليةالتي نجدها اليوم مع أفكار هيغل هي نقطة الانطلاق للمختارات التي صدرت في ستوكهولم حاملة عنوان “قراءة هيغل” (دار تانكه كرافت، 422 صفحة) متضمنة عشر قراءات مؤثرة لأعمال هيغل، مترجمة من نتاجات البيئة الفلسفية الألمانية والفرنسية والأمريكية الشمالية. فهنا تجتمع باقة من أبرز المفكرين الطليعيين: تيودور أدورنو، هانس – جورج غادامير، يورغن هابرماس، كوجيف، دريدا، جورج باتاي، جوديث بتلر، سوزان باك – مورس، فريدريك جيمسون وسلافوج زيزيك.

يعبر هؤلاء الكتاب، كل بطريقته، عن الامتزاج الذي يسم علاقة عصرنا الراهن بفكر هيغل، هذه العلاقة التي وصلت الى درجة أننا بتنا ندرك أن “هيغل لن يتركنا بسلام”، كما يكتب المشرفان على هذه المختارات في المقدمة. إن فكرة استحالة اتباع فكر هيغل واستحالة التخلص منه في الوقت نفسه، نجد صدى لها في مقولة فوكو الشهيرة عن عدم جدوى محاولة التهرب من هيغل. وفوكو هنا يستخدم أسلوباً مشوقاً لوصف التعامل مع إرث فلسفي، عندما يستخدم مفردات تذكّر برهاب الاحتجاز: حيث يحتل هيغل المسرح وليس ثمة طريق للهروب، ونحن نتقلب كالأسماك في شبكة الديالكتيك مدركينبأن الطريقة الوحيدة للتفكير ضد هيغل هي بالاستعانة به!

مهما كان هذا التوصيف على درجة كبيرة من التناسب فهناك نماذج مشابهة عديدة في سياق هذا الحب الممزوج بالكراهية لهيغل. أذكر أنني كنت في ندوة مع سلافوج زيزيك قبل بضع سنوات وطرحت إحدى الشابات سؤالاً مباشراً: ألم يحن الوقت للخلاص من هيغل لصالح الجميع؟ وأجابها زيزيك بنفس المباشرة بأنه يفضل الخلاص من الواقع على الخلاص من هيغل! وبصرف النظر عن المبالغة الظاهرة في رده فانه يشير الى حاجة عصرنا الى هيغل ويبين أنه ليس هيغل هو الذي يوجد حيثما ولينا وجوهنا وإنما نحن الذين نبتكره من جديد دائماً. على الأقل هذا ما يشهد به زيزيك في كتابه الصادر حديثاً وهو مرافعة دفاع عن هيغل تقارب الألف صفحة تحمل عنوان: ” Less than nothing: Hegel and the shadow of dialectical materialism”.

بدلاً من التوقف عند وجوب اتفاقنا مع هيغل بارداتنا أم بدونها، ينبغي علينا التساؤل: ما الذي يجعلنا بحاجة إلى هذا الفيلسوف، حتى بوصفه “عدونا المحبوب”؟ هنالك شيء في فكر هيغل يجعلنا نعود إليه جيلاً بعد جيل، شيء يجعلنا “لا نكتفي من قراءة وإعادة قراءة هيغل” على حد تعبير دريدا. ان القراءات التي تضعها هذه المختارات بين أيدينا يمكن أن نعدها أجوبة ممكنةعن تساؤل: لماذا نتصور أننا نصفي حسابنا مع هيغل من خلال إعادته الى الحياة ثانية؟إن هيغل، سواء اعتبرناه حليفاً أمعدواً، يساعدنا في أن ننظر الى أنفسنا كما أصبحنا عليه، من خلال تأمل للذات هو في الوقت نفسه تأمل نقدي للتاريخ الذي جعل وجودنا ممكناً.

يركز الكتاب المشاركون في هذه المختارات على جوانب مختلفة من الفكر السياسي لهيغل. ان النقد الذي وجهه هيغل لمنطلقات الليبرالية الكلاسيكية جعلته يعد العدة لنقد الليبرالية بنوعيها المحافظ والراديكالي. فقد انتقد النظرة التجريدية للحرية وللفردية لدى روسو وكانْت، وتوجه الى أفكار التنوير العملية حول الكونية. وقلب رأساً على عقب ذلك المفهوم عن الفرد الذي نجده عند هوبز ولوك، عندما اعتبر الفرد نتاجاً للدولة والمجتمع وليس – كما ذهبا –نقطة الانطلاق للدولة والمجتمع. وقد استخدمت هذه الفكرة كمبدأ معياري حول: كيف يَكون الفرد في المجتمع، وكيف يشكل جزءاً عضوياً فيه. لكنها تم سحبها الى ناحية نقدية أيضاً مما فتح الباب لنقاش حول الوضعية السياسية للفرد من النواحي المعيارية والتطبيعية.

أدار عديد من الكتاب المشاركين في هذه المختارات فكرة أن (قسماً من) الفكر الهيغلي لم يمت بموت هيغل. فماذا عند هيغل ليقدمه للفكر النقدي الاجتماعي في عصرنا؟ وبأي شكل يمكننا أن نكون هيغليين اليوم؟ بكل تأكيد نكون هيغليين من خلال أن نكون في بعض النقاط لا هيغليين، من خلال استفادتنا من فكر هيغل وسحبه الى اتجاهات لم يأخذها هو بشكل واضح.

تظهر هذه المختارات كمالتأثير العميق الذي كان للفكر الهيغلي، وما يزال، في عالم الفكر في عصرنا. ونحن سنواصل البحث عن أجوبة جديدة لتلك الأسئلة التي صاغها هيغل. لكن تظهر هذه المختارات أيضاً، وبشكل ممتاز، كيف تساعدنا فلسفة هيغل في أن نفكر بأسئلتنا نحن وإن لم تكن بالضرورة أسئلته. إنه يساعدنا في أن نحبس عصرنا في الأفكار – على حد تعبيره الشهير. من هنا تأتي حاجتنا، رغم كل شيء، الى مواصلة التفكير ضد هيغل.. مستعينين به!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)أستاذة في تأريخ الفكر – جامعة ستوكهولم

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This