وداعا صادق جلال العظم..

فوجئنا في موقع الأوان ونحن نستعدّ لإحياء الذكرى العاشرة لتأسيس موقعنا بتدهور  صحّة الفيلسوف العربي الكبير صادق جلال العظم ثمّ وفاته، والعظم كان أحد المبادرين بتأسيس موقع “الأوان” ومن الثلّة التي وقّعت البيان الداعي إلى تأسيس رابطة العقلانيين العرب منذ 1997 وأن يكون دور الرابطة أساسا “تفسير الخراب العربي بأدوات عقلانية، والسعي، في موازاة ذلك، إلى إعادة بناء ما تخرَّب بوسائل عقلانية”..

وكان العظم منذ إطلالته على القارئ العربي بكتابه نقد الفكر الديني منارة لفئة عريضة من الشباب العربي كان يهولها “سيطرة اللاعقلانية على العالم العربي اليوم في مجالات السياسة والقانون والاقتصاد والتعليم والموروث والقيم الثقافية الإنسانية إلخ..” مع “إلغاء الحريات المختلفة، وتبرير الجهل والتخلف، وتوسيع الاستبدادَين السياسي والدِّيني، وصولاً إلى المجانسة بين الشعب المهزوم والسلطة القروسطية”..

وكان صادق جلال العظم في كلّ ما كتبه وما أسّسه من منابر بحثية وإعلامية حريصا أشدّ الحرص على إيلاء العقل المكانة التي يستحق مع التأكيد على الحرّية باعتبارها قيمة ثابتة لا تقبل التجزئة ولا التأجيل، وباعتبارها ركيزة للحداثة وباعتبارها أساسا للعلمانية التي لا يمكن تلخيصها في مسألة الإيمانأو عدم الإيمان، بل لا علمانية إذا لم تكن هناك مواطنة، ولا مواطنة إذا غابت حقوق الإنسان الفردية والجماعية، من حق الحياة وحق التعبير والتنظم والتنقل إلى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية إلى الحقوق البيئية وحقوق الأجيال القادمة..

يوجعنا أن تغادرنا يا صادق، ونحن بعد في بدايات الطريق، بل بدايات التأسيس، فالعالم العربيّ ما زال بعيدا عن العصر، وما زالت المواطنة فيه ضغثا من أضغاث الأحلام، والعقلانية ظلّت إلى اليوم محاصرة بين تقديس الماضي وتقديس الحكام، والعقل العربي مازال عاجزا عن الاشتغال بعيدا عن الآليات القديمة، والفكر الديني ظل عاجزا عن التفكير في نفسه ومكوناته فضلا عن القدرة على تفسير العالم ونقد الفكر الديني باعتباره ضلعا مهما من أضلاع العقلانية المنشودة تراجعت مساحات فعله رغم كلّ ما قمت به ورغم أنك أحد روّاده..

يوجعنا أن تغادرنا، وعزاؤنا أنك غادرت هذا العالم ولم تبخل يوما بفكرة أو موقف دونما اضطراب ولا إخلال بمسارك الذي ارتضيته لنفسك، وعزاؤنا أنّك لم تركن يوما إلى حاكم ولم ترضخ قط للخطوط الحمراء، ولم تتراجع يوما عن مبدأ..وعزاؤنا الأكبر أنّك بقيت طيلة عمرك معلّما كبيرا، كبيرا بعلمك وثقافتك وإيمانك بالشعب لا بالجموع والقطعان، وكبيرا بتواضعك الجمّ، وقربك من الناس.. وعزاؤنا أيضا أنّك ستبقى في ذاكرة من عرفوك ومن سيعرفونك من خلال كتبك وأفكارك رائدا وقائدا ومعلّما ومنافحا من أجل أن تسود العقلانية والديمقراطية وقيم المواطنة هذا الجزء من العالم.

وداعا صادق جلال العظم..كنتَ أعظم ممّا وهبتنا هذي الحياة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق