تفكيك المركزيّات البطريركيّة (ج1)

من ثنائيّة الذّكورة والأنوثة إلى نِسْيَاقيّة فَصْمِ الذّات والتَّأويليّة المشاعيّة

المُثقَّف أوَّل من يُقاوِم، وآخِر من ينكسِر

غسّان كنفاني.

يعرض كتابُ المُفكِّر الأستاذ جاد الكريم جباعي (فخّ المُساواة _ تأنيث الرجل.. تذكير المرأة) أنموذجاً متقدماً للحفر في الجذور العميقة للاستبداد التي يُرجِعها في طيّات هذا العمل إلى نسيان العلاقة الأصيلة بين جدلية الفرد والنوعمن ناحية أولى، وجدلية الذكورة والأنوثةمن ناحية ثانية، وذلك باعتبار الفرد أو الشخص أنثى أو ذكراً، وأنثى وذكراً من جهة، وتعيُّناً للنوع الإنساني من جهة أخرى، بل هو النوع مُتعيِّناً؛ إذ مثَّلَ الانزياح الزائف لهاتين الجدليتين حِجاباً مُركَّباً لصالح هيمنة مركزية تسلطية بطريركية لطالما مارست سطوتها وعياً ووجوداً على كامل طبقات البِنية الحياتية في سورية بما هي انعكاس لمركزية أوسع سادَتْ في الفكر والفعل العالميين نازعةً فعالية العلاقات الجدلية البناءة التي يُفترَض أن تحافظ على الاستقلال الذاتي للفرد ذكراً أو أنثى لا بوصف ذلك إعادة إنتاج لمركزية مقلوبة تحت شعار المُساواة؛ إنَّما بوصفه انفتاحاً على المُمكِن والمُختلِف والحُرّ في الوجود البشري في العالم.

يرى المُؤلِّف أنَّ سورية قد نالت استقلالها وغدت كياناً سياسياً لم يحقق صفة الدولةلعدم تشكُّل السوريين بوصفهم أمة وشعباً أو مجتمعاً مدنياً، إذ اختلط في اعتقاده مفهوم الدولة بمفهوم السلطة أو الحكومة، ومفهوم السيادة بمفهوم السياسة، حيث شكَّل الانتماء إلى ما يدعوه المجتمع الحكوميآليّة تغوُّل سلطوية كبَحَتْ إمكانيات التحول إلى المجتمع المدني، لتبتلع البِنية السلطوية الفضاء الاجتماعي عبرَ ميلها الطبيعي إلى التوسُّع والشمول والسيطرة، في مقابل ميل ذلك الفضاء الاجتماعي إلى عدم المقاومة والركود السلبي غالباً أمامَ خطابها الوطنيوالتحرري، أو بفعل الطموح إلى الارتقاء الاجتماعي الذي يحققه الالتحاق بها والاندماج في عالمها، أو بفعل الانكفاء المُكلَّل بالفقر والجهل والأُميّة لدى بعض تيارات المجتمع المهمشة، فضلاً عن الخوف من بطش السلطة وانتقامها في حالة مُواجَهة تمدُّدها على حساب الخصوصيات أو الرؤى المختلفة التي كان يمكن أن تقاومها إلى حد كبير .

إنَّ تجربة ما بعد الاستقلال السوري تحتاج إلى مراجعة جذرية شاملة لتفكيك العناصر المكونة للوعي السياسي السوري، ولا سيما في ضوء الإخفاق في بناء دولة حديثة معاصرة، والناجم بشكل أساسي عن انتكاس التحول الديمقراطي، والتحول بدَلاً من ذلكَ _وفي مرحلةٍ لاحِقة_ إلى استبداد السلطة الشمولية التي لطالما كشفَتْ عن فصام حاد بين الشعارات التي رفَعتها، وحركيّة الواقع وتجاربه طوال عقود ماضية، وهي المسألة التي حاولت هذه السلطة ترميمها أو لنقُل ترقيعها باستمرار عبر احتلال الفضاء السياسي العام بالمُطابَقة بينه وبين مفهوم السيادة للقبض على الشرعية المُفتَقدة، ولذلك كان لابد دائماً من إخصاء الاختلاف المجتمعي بتعميم عناوين عريضة ذات نزعة شعبوية مُتَّكِئة على شعارات عروبية وإسلامية تهدف من جانب أوّل إلى استقطاب الشارع العريض بدغدغة وعيه الأوّلي، ومن جانب ثانٍ إلى استقطاب المرجعيات المذهبية وحتَّى السياسية منعاً لإمكانية قيام أيَّة مُعارَضة فاعِلة ومُؤثِّرة، ولافتراس أيَّة فرصة لظهور الاختلاف المُخلْخِل لوَحدة (السلطة _ الدولة _ المجتمع) الشمولية المزعومة.

لعل تسييس العروبة وتسييس الدين كانا مدخلين حاسمين لمصادرة الفضاء الاجتماعي العام في سورية، وذلك بالاستفادة من الوعي التقليدي بما هي استفادة تتأسس على العلاقة الجدلية بين المعرفة والسلطة، والتي لم تحقق عملياً سوى إعادة إنتاج المجتمع البطريركي، الذي يعود في جذوره البشرية القديمة إلى استبدال حكم الأببـِ النظام الأمومي، لتبقى دعوتا الحداثةوالعلمانيةمجرد قشرتيْن منفصلتيْن عن مُحتواهما المَفهومي والعمَلي، ولا سيما في ظلّ تغيب مفهوم المُواطَنةعبر الانقلاب على دولة المجتمع، وإحلال مجتمع الدولةمحلها، والانقلاب على دولة الشعب، وإحلال شعب الدولةمحلها أيضاً، لتكتسب صفتا الحداثة والعلمانية طابعاً حكومياً استبدادياً في الواقع، وإيديولوجياً، في الأذهان، لا ينفصل عن أيديولوجية السلطة أو خطابها، وهو الأمر الذي حالَ دون نمو المجتمع المدني وتشكل دولة وطنية حديثة، تحمل إمكانيّات التحول إلى دولة ديمقراطية. لقد تحولت الحداثة والعلمانية، عندنا، بالفعل، إلى علامتين حكوميتين موسومتين بالتسلط والاستبداد، فضلاً عن طابعها التلفيقي أو الهجين، الذي نحَّى جانباً و نفى فكرة المُواطَنةبوصفها الصيغة السياسية لحرية الفرد وحقوق الإنسان؛ حيث حُذِفَتْ هذه الفكرة إلى هامش الحياة السياسية والثقافة والقانونية، فحلَّت فكرة المُناضِل والمُناضِلة محلّ فكرة المُواطِن والمُواطِنة، وحلَّتِ الامتيازات محلّ الحقوق، فضمر الروح الإنساني، وتآكلت الحياة الإنسانية“.

إنَّ الوعي السياسي الذي سادَ بعد الاستقلال هيمن عليه تياران أساسيان: “تيار ثوري أو انقلابي، عقائدي، تتقاسمه أيديولوجيات قومية واشتراكية وإسلامية، ما فوق وطنية، وأحزاب عابرة للحدود ذات سيماء ريفية و أقلوية. وتيار تقليدي: شبه ليبرالي تخترقه عصبيات جهوية وعشائرية ومذهبية وأقوامية، يشمل القوى المحافظة التي كانت صاحبة النفوذ في المجالين: الاجتماعي _ الاقتصادي والسياسي. فلم تتجذر الوطنية السورية، التي تشكلت نواتها في مرحلة الكفاح من أجل الاستقلال، والمرحلة الليبرالية القصيرة التالية، ولم تعترف النخبة السورية البازغة بشرعية الدولة الناشئة حديثاً، وظلت تعاني نوعاً من شعور بـِ (نقص الاكتفاء الكياني) بتعبير ياسين الحافظ. يُعبِّرُ عن ذلك وصف سورية بأنها (دولة قطرية) و(دولة ما تبقَّى)، وكلتاهما صفتان تحقيريتانتؤكدان أسباب تمدُّد الأحزاب العقائدية وتوسُّعها، في مجتمع حديث النشأة لم يُؤسِّس بعد مجتمعه المدني السوري، أو أمته الحديثة، وهو الأمر الذي مهَّدَ موضوعياً لحركة الثامن من آذار عام 1963، والتي أرسَتْ دعائم حكم الحزب الواحد بطبيعته الشعبوية، والتي تجذَّرَتْ عبرَ عملية تنسيق بِنى المجتمع في المُنظمات الشعبيّة المُصادِرة للفضاء العام، والقائمة على حركيّة إدماج المجتمع في مركزية سلطوية أحادية تُخفي أو تُموِّهُ الاختلاف، ولاسيما بعد الانتقال من حالة الحزب العقائديّ ذات الأبعاد المثالية في مرحلة سيادة المُناخ الليبرالي القصيرة، إلى حالة الحزب التسلطي المُتعالي الذي فرَضَ هيمنته على المجتمع عبر أيديولوجيا شمولية لم تفتأ أن تبتلع الحزب نفسه، وأنْ تُفرِّغه من مضمونه رويداً رويداً بعد انزياح مركز السلطة من التنظيم الحزبي إلى المؤسسة العسكرية _ الأمنية المُستفيدة والمُوظِّفة في آنٍ معاً لصِلاتها العميقة مع البِنية الريفية و الأقلوية، والتي مارست (أي هذه المُؤسَّسة) فعل الانقضاض على الفضاء العام أو تأميم قوة عمل المجتمععبر أداء تسلطي يقوم على الإرهاب والأيديولوجيا والإعلام، ليُسدَلَ الستار على المشهد السياسي في العقود الأخيرة بوصفه انتقالاً من حكم الحزب القائدإلى حكم الرئيس القائد“.

وفي هذا الإطار، يدعو المُؤلِّف إلى أن نبدأ في سورية بنقد الثقافة الكولونيالية، وعلاقة المستعمِر بالمستعمَر، التي أعيد إنتاجها فصامياً في العقيدة القومية، والعقيدة الإسلامية للإسلام السياسي، حيث التبسَ مفهوم الذات الجمعية بمفهوم الهُوِيّة، وغدت العلاقات بين الأفراد والجماعات والأمم والشعوب علاقات هووية؛ أي علاقات بين هُوِيّات ثابتة مُفترَضة قَبْليّاً. ويتجلى ذلك في علاقات السيطرة الفظة والهيمنة الثقافية الناعمة، ومن أكثر أمثلتها بروزاً علاقة المستعمِر بالمستعمَر، التي أنتجت وعينا، هُوِيَّتين شرقية وغربية مشحونتين بالعنصرية، بالطريقة نفسها التي أنتجت الأعلى والأدنى، والمرأة والرّجُل، ذلك أنَّ نمَطَي التمايُز، الجنسي والتمايز الثقافي، ليسا منفصلين أحدهما عن الآخَر في تمثيل الاختلاف، بل إن خطاب الجنسانية وخطاب العرق مُتواشِجان وظيفياً في جهاز السلطة المركزية، ولهذا الفَهم جذره العميق الكائن في علاقة المستعمِر الغربي بالمستعمَر الشرقي، حيث تكون المرأة هي الشرق، والشرق هو المرأة؛ فإذا كان الشرقي مؤنثاً، والمؤنث شرقياً، يمكننا أنْ ندعي أنَّ طبيعة الأنوثة وطبيعة الشرق يجري تصويرهما على أنهما الشيء نفسه، في هذه التمثيلات، لتُطرَح الذات الغربية بوصفها مذكرة: الثقافة الأُخرى هي دوماً مثل (الجنس الآخَر)”.

إنَّ الثقافة البطريركية هي، في الأساس، ثقافة تأنيث الرعايا، مثلما ثقافة المستعمِر هي ثقافة تأنيث السكان الأصليين، وهذه الثقافة تقوم على فكرة العقل الكليالذي يصفه المُؤلِّف بأنه تصور ساذج للكون، وأكبر كذبة فلسفية _ دينية، وأكبر خطيئة فلسفية و دينية، وأكبر إهانة للفرد الإنساني والروح الإنساني. و(العقل العربي) ومقابلُهُ (العقل الغربي) أسوأ مقولة (فكرية)، لأنها إدلوجة تفاضلية لا تمتُّ إلى الفكر بأي صلة، لأن قوامها تنصيب الواحد المستبد عقلاً كلياً وتقديسه، والواحد هنا رمز للسلطة الكليانية المطلقة“. ولذلك يرى الأستاذ جاد الكريم أنَّ نقد المركزية الأوروبية والاستشراق كان صائباً وضرورياً، لكنه لم يفتح ملف الإثنية العربية المضادة، والمركزية الإثنية _ المذهبية العربية الإسلامية، ولم يعنَ بالمركزية الذكورية، والمركزية الأنثوية المضادة، سوى عدد قليل من المفكرين، ولاسيما أن ما يُسمَّى بـِ (الاستغراب) لم يكن سوى فعلاً مقلوباً للاستشراق أنَّثَ بدوره الغرب بوصفه آخَراً للمركزية العربية الإسلامية، لذلك لا مناص عند نقد المركزية الأوروبيةمن نقد المركزية/المركزيات المضادة، واقتران تفكيك مفهوم الغرببتفكيك مفاهيم الشرق والعرب والمسلمين؛ إذ إنه من الضروري أن نعمل على نقد جهاز استقبالنا للفكر الغربي، والكشف عن آثاره المباشرة وغير المباشرة في تشكل ذواتنا، ولاسيما إذا فهمنا أن مركزياتنا العربية المختلفة قد انبثقت في جانب أساسي منها عن سعي ذاتنا الكليةالجريحة إلى القيام بعملية دفاع وهميةاتكأت فيها على الماضي، مُعيدةً إنتاج التمركز الغربي العنصريبإلصاق صفات النقص للآخَر المُختلِف والغريب الغرب، حيث انقلَبَ الشعور بالدونية إلى شعور بالاستعلاء، والرهبة التي تلازم التماهي بالغالِب إلى تبجُّح، فَـ الذات الجوهرية تجوهر الآخَر وتجعل منه نقيضها المطلق، وتجهل أنها تنكر ذاتها و ذاتيتها عندما تنكر ذات الآخَر، وذاتيته“. والخطاب الأحادي المؤسَّس على إنكار الآخَر انفعالياً خطابُ ذاتٍ خاوية متلاشية متهالكة إزاء الآخَر الذي تنكره وتستنكر وجوده، تحتاج إلى شيء من الماضي أو من الخارج يملأ فراغَها ويمنحها قواماً. تأمَّلوا فكرة (الذات العربية) أو (الإسلامية)، التي لا قوامَ لها من دون (الماضي)، أو من دون (التراث)، وما يُسمَّى (التاريخ)، ومن دون قداسة اللغة، ونقاء العرق؛ أي من دون ما يسميه القوميون والإسلاميون (ثوابت الأمة)، التي هي نفسها (ثوابت الملّةَ)”، وهذا العقل الجوهراني الكلي بنظرته الاختزالية للآخَر لا ينمُّ إلا عن إعادة إنتاج وهم العنصرية التأنيثية للاستعماربما هو مضمون الفكر البطريركي الأحادي، والذي لا يتوقَّفُ نفيه للآخَر عندَ ما يدَّعي اختلافه ثقافياً وعرقياً وقومياً ودينياً، إنّما يبدأ هذا الفكرُ فعلَ النفي أصلاً انطلاقاً من نفي المرأة نفسها.

لعلَّ هذا التحليل المُعمَّق للمُؤلِّف يفتتح جملة في المُساءلات والإشارات الضرورية والاقتراحات التي يمكن أن تُغني الرؤى السابقة كما أظن، ولاسيما أنه يتحدث في غير موضع عن أهمية التفريق بين (المنظومة الفكرية) بوصفها منظومة قابلة للمُراجَعة على الواقع والحاملة تاريخ تشكُّلها على أنَّهُ تاريخ أخطائها، والقادرة على مُواجَهة منظومات أخرى والتأثير فيها أو التأثر بها، و(الأيديولوجيا)، بمعناها الشائع بما هيَ (منظومة باردة) مُنغلِقة على نفسها في صيغة مذهب أو عقيدة، وهذا التفريق يدفعني إلى الحديث بادئ ذي بدء عن أهمية إجراء مُراجَعة تفكيكية ضرورية للصلات الوثيقة بين سورية (الدولة _ الأمة) غير المُتحقِّقة، وسورية (العروبة _ الإسلام)، لا بوصف الثنائية الثانية نقيضاً للثنائية الأولى؛ إنَّما بوصفها عاملاً مُهيمِناً لا يمكن الحسم في مدى القطع التام معه في تأسيس سورية (الدولة _ الأمة)، ذلكَ أنَّ قضيتا تسييس العروبة وتسييس الإسلام بما هُما تجربتان أو تجارب (سياسة _ أيديولوجية) صارت جزءاً من التاريخ، وهذا يعني أن نتحاشى فكرة المُطابَقة بينهما وبين العروبة والإسلام بوصفهما جزءاً من الوعي والثقافة السائدة، ويجب ألّا نختزلهما أصلاً في تلك التجارب السياسية، بل ينبغي _كما أعتقد_ أن ننطلق من نقد تلك التجارب وتفكيكها أولاً _كما يفعل الأستاذ جاد الكريم في جانب من كتابه هذا_، وأن ننقل الحوار الوطني السوري في طموحه إلى تأسيس دولة وطنية ديمقراطية حديثة من حقل الأيديولوجيات الجوهرانية المغلقة إلى حقل الثقافة الواسع والمرن والمفتوح؛ إذ إنَّ مُجاوَزة أية تجربة مهما كانت مُخفِقة لا تكون بتوهُّم القطيعة أو الانفصال المطلق الوفي لمفهوم (الحتمية) الذي ينفيه المستوى الوقائعيّ لتجربة الوجود، بقدر ما تكون عبر التفاعل الخلاق و البناء المبدع على ما يُمكن البناء عليه، وهنا تأتي أهمية البحث في مسألة (الفضاءات الثقافية) التي تستطيع أن تتجاوز الثنائية المركزية البطريركية (شرق _ غرب) بأيديولوجياتها التأنيثية النافية للآخَر، وهو الأمر الذي يعني تلازم التفكيكات _كما يدعو المُؤلِّف_، ولاسيما أننا قد نجد أيضاً _كما أرى_ عند هذا الآخَر الغربيجرحاً نرجسياً قديماً ومسكوتاً عنه قد يعود في جذوره إلى قرون غابرة انطوَتْ على صدمته الحضارية إزاء تخلفه في تلكَ العُصور عن الحضارة العربية الإسلامية، وهوِ موضوع مُتراكِب ومُرتبِط بتجاهُل التَّيّار الأعمّ في الغرب لدور تلكَ الحضارة في تقدُّمه الهائل!

ويبدو أنه لا مناص أمام هذين التمركزين المُسَبَّقين من البحث عن أسس لقيام مُقارَنة حيوية تواصليّة وتفاعليّة يدعوها أنور عبد المالك: “الجدلية الأصلية للحضارات“. هذا من جانبٍ أوّل، ومن جانبٍ ثانٍ لابد أن يشمل هذا الفعل أيضاً تفكيكَ كافّة الوَحدات الإثنية والمذهبية والطائفية التي تُوَصف بـِ (الأقليات) بوصفها أنماطاً أصولية ليسَتْ مُتفاصِلة معَ الأصولية الكبرى السائدة، بقدر ما هيَ جزء أصيل من الفضاء الثقافي نفسه في اعتقادي، وذلكَ في إجراء ضروري لفَهم العلاقات الداخلية ضمنَ بِنية الثقافة العامّة، والتي تبدو مُتناقِضة أو مُتصارِعة في السَّطح البصَريّ الخارجيّ، ومُتجانِسة أو مُتحالِفة في السَّطح البصَريّ العميق، وهو الأمر اللازم لتحاشي فكرة الهُوِيّة الكُلِّيّة، فالثقافة انفتاح على بِناها الداخلية المُتراكِبة، وانفتاح على بِنى الثقافات الأُخرى التي تتشابَك معها في مَراحِلَ مُختلِفة وكيفيّاتٍ ليسَ من السَّهلِ تعيينُها.

وفضلاً عمّا سبَق، أعتقد أنَّهُ من الضروري أيضاً إعمالُ الحفر في الحقبة الليبرالية القصيرة التي عرفتها سورية بعد الاستقلال، لتحرِّي و دراسة بِنى المجتمعات المدنيةالتقليدية، والتي تمَّ تطويع معظمها لصالح المركزية السلطوية التي سادَت في العقود الأخيرة، وأحسَبُ أن دواعي هذا البحث راسخة في صلب تجربة السلطة المستبدة؛ إذ كيف يمكن أن نفسِّر مثلاً كيفية انقلاب الصراع على الفضاء المجتمعي العام بين سلطة حازت الدولة وصادرتها، وسلطات المجتمعات التقليدية المُغلَقة الحائزة لجماعاتها عقائدياً، والمُصادِرة لها كذلكَ، إلى تحالف موضوعي عميق الوشائج، وهو الأمر الذي تحقَّقَ بالتأكيد على حساب نبذ أيَّة إمكانية لانبثاق مجتمع مدني يحتفي بالتعدُّد والاختلاف.

ومن القضايا اللافتة في هذا المضمار أيضاً، ذلك التلاقي الموضوعي بين البِنى التقليدية نفسها _التي يُفترَض أنها مُتنافرة أو مُتناحرة أو مُختلفة عقائدياً فيما بينَها_ وذوبانها في مركزية السلطة العليا التي وحَّدت بينها، على الأقل حتى لحظة انفجار الثورة السورية عام 2011. وهنا لابد من الإشارة إلى أنَّ من أهم أساليب تجذير هيمنة البِنية السلطوية البطريركية في سورية تمَّتْ عبر اكتساب الشرعية بفعل المُماهاة بين مفهوم (الدولة) ومفهوم (السلطة)، ليكون هذا التماهي مصدراً من مصادر القوة التي أسست عليها السلطة عملية تأنيث المجتمع ذكوراً وإناثاً، وهو الأمر الذي سنتوسع في مُقاربته في الصفحات الآتية.

إنَّ نقد المَظهر الزائف للحداثة والعلمانية في سورية، ينبغي ألّا ينفصل بحال من الأحوال عن نقد الحداثة الغربية نفسها، تلك الحداثة التي احتفت بسلطة الذات الغربية وقُدرَتِها على التحكُّم بالطبيعة بوصفها آليّة تُمثِّلُ تفوُّقَ مركزية الرجل الأبيض، وتُرسِّخُ نزعتَهُ المُتعالية والقائلة بأحقِّيته بأن يتحكَّمَ بالآخَر الأضعَف (التابع الذي ينبغي تأنيثه في كُلِّ خطاب مركزي)، فالفلسفة منذ عصر التنوير والثورة الصناعية كانت مُوظَّفة لصالح سيادة تقنية العلم بما هي سيطرة مطلقة على الطبيعة والعالم.

ويبدو لي أنَّ تسارُع المعرفة والكشوف المدهشة للعلوم الحديثة والتقانة والأتمتة وثورات تكنولوجيا النانو وفتوحات البيولوجيا والكيمياء الحيويةالتي يتحدَّثُ عنها الأستاذ جاد الكريم، ليست سوى امتداداً يُرسِّخُ هذا الفكر التمركزي الجوهراني الكلي المُناقِض لحرية الفرد سواء أكان ذكراً أم أنثى، والذي هو باعتقادي تمركز شديد الوفاء لمفهوم (الأداتيّة) الذي ينظر لأيِّ آخَرٍ بوصفه موجوداً _تحت_ اليد يتمُّ تمثُّله وإخضاعُه والتحكُّم به، ولذلك أرى أنَّ تفكيك سُلطة الذات بوصفه تفكيكاً لمركزيات الحداثة في العالم، هو المدخل الأساسي للخروج من الفكر السُّلطوي البطريركيّ النّافي للتنوُّع والاختلاف والحرية، وقد قدَّمْتُ اقتراحاً عمَليّاً لمُجاوَزة مركزية سُلطة الذات الحداثيّة الجوهرانيّة في غير مكان، حيثُ دعوْتُ إلى ما اصطلحْتُ عليه بـِ (فَصْم الذّات) على مُستوى (نظرية الشعر)، وبتوسيع هذا المَفهوم، وإسقاطِهِ على نصّ الوجود، أسنطيع أنْ أُعرِّفُ الفَصْمَ أنَّهُ: آليّات وجوديّة إجرائيّة تنطوي على تقنيّات قصديّة مُكتسَبة بالدِّربة، ومُتحوِّلة معَ الزمن والتَّراكُم التَّجريبي وخبرة الوجود إلى قصديّات واعية وغير واعية، يُمارِسُها الإنسانُ المُعاصِرُ عبرَ فعلٍ تخارُجيٍّ جدَليٍّ بينَ مُسَبَّقات ذاتِهِ الوقائعيّة، الأنويّة والموضوعيّة والمَعرفيّة، وذاتِهِ الافتراضيّة المُتباعِدة، التي تطمَحُ إلى التَّملُّص من سُلطة المركزيّات القَبْليّة بما هيَ قَبْليّات تُصادِرُ الانفتاح الحُرّ على العالم والمُستقبَل والمَجهول.

ويُمثِّلُ هذا الاقتراح في زعمي مدخلاً أوَّليّاً للبَحث عن إمكانيّات عصريّة لتبلُغَ كُلُّ ذاتٍ إنسانيّة _ذكراً كانت أم أنثى_ كينونتَها الأصيلة بوصفِها مُجاوَزة للقيود الموروثة والمرجعيّات البالية التي أرى أنَّها قد أعادَتْ التَّوضُّعَ بأشكالٍ مُموَّهة ومُعقَّدة في عصر (العولمة/الليبراليّة الجديدة)، وهوَ الأمرُ الذي يهدفُ إلى خلخلة بِنية العولمة انطلاقاً من المُمارَسة الذاتيّة معَ نفسِها أوَّلاً، ومع مُختلَف الزُّمَر الاجتماعيّة والاقتصادية والسياسية، بما يترابَطُ في نهاية المَطاف، ويُؤثِّر ويتأثَّر بالمُؤسَّسات الكُبرى والسُّلطات المُهيمِنة وكيانات الدول، ويُؤدّي عبرَ مُمارَسة فعل الفَصْم الدَّؤوب إلى تفتيت المركزيّات الجوهرانيّة الطّاغية، وهوَ ما يُطلِقُ الحُرِّيّة من إطار المفهوم النظَريّ التَّجريديّ، أو المَفهوم المُستهلَك عالميّاً في هذه الحقبة، ليكونَ اختراقاً وقائعيّاً للتابوهات والمَحظورات، ومُواجَهةً مُباشَرة وشُجاعة معَ التَّنميط وآليّات التَّشيُّؤ الحالية، ولا سيما بما يخصُّ في قراءتنا هذه فعاليّة المرأة ودورَها الوجوديّ الحيويّ، وكينونتِها المُغيَّبة، وهيَ المسألة التي ترتبط كما أظنُّ بالانتقال من بِنية التحكُّم المركزية (الموجود _تحت_ اليد) إلى بِنية الانفتاح على الجديد والمُختلِف والشاذ والغريب والمُفاجِئ بوصفهم يندرجونَ تحت آليّة نزع أُلفة الوجود عبرَ قصديّة الفَصْم.

لم يأتِ خطاب تحرير المرأةوالدعوة إلى منحها حقوقها ومساواتها بالرجلفي ظل السلطة المستبدة والقمعية في سورية، إلا ليرسخ ذلك التحالف الموضوعي بين البِنى السلطوية التقليدية الإثنية والمذهبية، ومركزية السلطة العسكرية _ الأمنية، في حركة دورانية عبثية عمَّقت تزييف الحداثة والعلمانية المفرغتان من معناهما، إذ تمَّ إدراج المرأة في رأس المال المادي والرمزي (الشركات والتحالفات) إمعاناً في تشييئها، وهو أمر يسير جنباً إلى جنب مع خطاب تحريرها وخطاب المساواة. “فالمرأةُ المُسَلَّعة والصائرة وسيلة تبادل اجتماعي، والتي تُهيَّأ لذلك، هي التي تتظاهر، في الغالب، بأنها المرأة المُتمدِّنة والمُتحرِّرة والمُساوية للرجل“!

ويمكنُ إرجاع خطاب تحرير المرأةو مساواتها بالرجلفي جذوره الأولية إلى سياسات الهُوِيّة الجنسية؛ ذلك أنَّ التحديد الذاتي للهُوِيّة الجنسية لطالما تأسس بدلالة المرأة، فـَ طريق التعريف بالسلب أو بالليْس (مصدر الفعل ليسَ) من أبرز تجليات الثقافة الذكورية: الذكر ليسَ كُلّ ما تتصف به الأنثى، وصولاً إلى أنَّهُ ليسَ أنثى. الذكر إنسان، ولكنه ليسَ أنثى: الإنسان ليسَ أنثى، والأنثى ليست إنساناً. ذلكم هو أساس تجريد الأنثى من إنسانيتها، التجريد التي تتولد منه المركزية الذكورية، ويتحدَّد (الإنسان) اجتماعياً وثقافياً بكونه ذكراً“. والليسيّة في هذا الإطار بوصفها نفياً لكل ما يتصف به الآخَر المُختلِف تُولِّد النرجسية الذكورية ومركزية الذات _ الرَّجُل التي تُحدِّد الآخَر بأنه دالَّة ، وتابعة منطقياً، مثله مثل المرأة، وفي الحاليْن: (نفي الآخَر المُختلِف _ ونفي المرأة) تكونُ الذاتُ ذكراً، والموضوعُ أنثى؛ أي يتمُّ تأنيثُ الآخَرِ رمزياً، بسبب اختلافه الجذري، وصولاً إلى تجريده من إنسانيته.

إنَّنا لا نستطيع فَهم سياسات الهُوِيّة الجنسية المُؤسَّسة بدلالة المرأة من دون فَهم علاقات القوة؛ حيث لا ينكشف السحر، ولا يتحدد معنى القوة، إلّا إذا علمنا أن القوى الاجتماعية ليست سوى أشكال انتظام القوى الروحية؛ أي المعرفية والثقافية والأخلاقية لأفراد تُراهِنُ السلطات الاجتماعية على جهلهنَّ أو جهلهم. يتضمنُ الجهلُ، هنا، معنى التسليم بحقائق ثابتة، وهذه الحقائق لا تعترف بأن الهُوِيّة كينونة مؤنثة ومذكرة، ناتجة وصائرة، تنتج ذاتها، في بيئتها ومحيطها، وتختار حياتها ومصيرها، وتُحدِّد غاياتها بإرادتها الحرة، وهذا اللا_اعترافيقوم على عملية صورنة و نمذجة، وهيَ ليست عملية تجريد وتعميم انطلاقاً من تفريد مَنسيّ، فقط، بل عملية اختزال وتقليص، تُخفي الفروق والتباينات في الحالات الواقعية، وهيَ حالات فردية أساساً، حتَّى عندما نتحدَّث عن مجموعات وجماعات تُعرِّف نفسها بصفة أو أكثر، أو تختصّ بوظيفة خاصة أو عامة، كالجماعات الإثنية والمذهبية، أو الجماعات المهنية وفِرَق العمل والنشاط وجماعات الضغط ومنظمات المجتمع المدني، ولهذا يبدو أن لا مناصّ من نقد العُمومية التي لا تتعيَّن في خصوصيات تحترمُها العموميةُ نفسها وتقرُّ باختلافها، ما يُرسي الدستور والقوانين العامة على مبدأ التشارك الحر لا على مبدأ الغلبة والقهر“.

وهكذا يبدو أنه من البديهي أن يكون ثمة تواشجاً بين الميل إلى السيطرة على الآخَر، أو استعباده، وتأنيثه رمزياً. ومن ثمَّ فإنَّ خطابَ السلطةِ خطابٌ مُجَنْسَنٌ، في أعماقه، والجنسانيّة هيَ قاعه أو عمقه اللاوعي أو اللاشعوري. كما أن تمثيل الآخَر المُختلِف الغريب أو العدو، (وهو مُذكَّر لفظاً)، هو تمثيل مُجَنْسَن، ينطوي على تمييز جنسي غير واع وغير ملحوظ، فما بالكم بتمثيل المرأة المؤنثة معنىً ومبنىً، وهيَ من تتشكَّل ذاتية الرجل وهُوِيَّته بسلب خصائصها أو نفيها“. ويبدو لي أنَّ فعل تفكيك علاقات القوة التي ينطوي عليها هذا الخطاب المُجَنْسَن قد تغتني كثيراً باعتماد أدوات (نقديّة ثقافيّة) تهتمُّ بتفكيك النسق الظاهري المركزي عبر كشف النسق المُضمَر والمَنسيّ بما هو نسق ينمُّ عن نسيان الوجود الفردي الأصيل للذكور والإناث على حدٍّ سواء.

لا يستطيع المجتمع الحكومي أن يكونَ مجتمعَ ذكورٍ صرفاً، لأنه يحتاج إلى ما يُعرِّف به ذاته ويثبت ذكوريته السلطانية، ابتداءً من الذكور الأدنى منزلة، وانتهاءً بالإناث، حيثُ كان لابد من تبني شعار تحرير المرأةوشعار المُساواةوفقاً لمصلحته التي تهدف أولاً وأخيراً إلى السيطرة على جميع القوى الاجتماعية، لهذا احتبست الحركة النسوية السورية في تنظيمات حكومية أو شبه حكومية، وفي أحزاب مُعارِضة ليست أحسن حالاً، لتكون مُشارِكاً ضرورياً في العطالة الاجتماعية عبر عقود، خاسِرَةً _هيَ والذكور على حد سواء_ خصوصيّة الاختلاف في ظل عدم الاعتراف بالخبرات المعرفية والعلمية والفكرية والعمَلية الخاصة بالكائن الفرد. وهنا بدا تسييس النساء قائماً عبر عملية تذكيرهنَّ بوصفهنَّ تابعات لبِنية ذكورية مركزية وتسلطية تدَّعي التقدمية، لكنها لا تعمل إلا على إدماج المرأة المُذكَّرةفي حركة النضال اللفظي لا لتحقيق حريتها واستقلالها؛ إنَّما لتكون وفية لشعارات السلطة والمعارضة في آنٍ معاً، وليغدو المجتمع السوري أمام أنموذجين للمرأة هُما: الأنموذج التقليدي ، والأنموذج المُحدَث سلطوياً بوصفه انحرافاً عن المجتمع التقليدي من جهةٍ أُولى، وعن المجتمع المدني الحديث من جهةٍ ثانية؛ وبمعنى آخر: بوصفها ديكوراً تجميليّاً _إذا صحَّ تعبيري_ مَوَّهَ الخروج من المجتمع التقليدي بالدخول في المجتمع الحكومي لا المدني.

وهكذا، استُتبِعَت المرأة عبر شعارات تحريرها ومساواتها بالرجل بالبنية التسلطية الذكورية من جديد، وأعادت من حيث لا تدري ولا تريد إنتاج المركزية الذكورية ، هذه المركزية التي لم تعمل إلا على الوفاء لمفهوم العصبية الخلدونيّانطلاقاً من توضُّع جديد للمرأة المُذكَّرةلا يختلف في حقيقته عما كانت محكومة به من العصبيات العائلية والعشائرية والإثنية والدينية والطائفية، فهي لم تتحرر من هذه العصبيات إلا شكلياً، مُلتحِقةً _بوصفها حسَب اصطلاح المُؤلِّف بنت الحكومة“_ بعصبية سياسية مُحدَثة نواتها سلطة مركزية مَجْنوسة تقوم على تأنيث المحكومين، وتأنيث المعارضة، ذلكَ أن هذه السلطة لا تقدم عبر مجتمعها الحكومي سوى مجتمع اللامُساواة القائم على مبدأ حقّ الأقوىالذي يُترجَم عمَلياً إلى احتكار واستبداد وزبانة سياسية وامتيازات، وهذه العصبية المركزية السلطانية بوصفها من أهمّ العقبات المُمانِعة للتحول الديمقراطي، قد أحيَتْ في حركيَّتها الاحتوائية للمجتمع العصبيات العائلية والعشائرية والإثنية والدينية والمذهبية والجهوية التي كان يُفترَضُ أنها كانت في المرحلة الليبرالية القصيرة في سورية في طريقها إلى التفكك والتفسخ باتجاه تشكُّل مجتمع مدني ما.

وبهذه الصورة تمَّ توظيف حضور المرأة في الفضاء العام _الذي ابتلعه المجتمع الحكومي_ ليكون أشبه بقناعٍ يُخفي غياب المجتمع المدني؛ ذلك أن هناك فرقاً نوعياً عميقاً بين الأنا الطبيعيةالتي حافظت عليها ورسَّختها بعمق السلطة المركزية، والأنا المدنيةالتي لطالما كانت مُطارَدةً لكونها تمثل قطيعة واعية مع الأنا الطبيعيةالتي هي أنا أنانيّةضد الغيريّة، تعمل على إذابة الفرد في الجماعة، و تُماهِي التّابِع والتّابِعة بالمَتبوع، والعبد والعبدة بالسَّيِّد، وتُماهِي المحكوم بالحاكم، وتُجذِّر التفاصُل الهُوِيّاتي، وتُعمِّق العصبيات الأوَّلية العائلية والعشائرية والدينيةإلخ، على العكس من الأنا المدنيةالتي تنهَضُ على غيرية تبادلية مُعتدِلةتحتفي بالاختلاف والتَّواصُل، وتُؤسِّس للسلم الأهلي والتَّشارُك الحُرّ.

إنَّ لهذا التضاد القائم بين الأنا الطبيعيةوالأنا المدنيةصلة وثيقة بالفرق النوعي أيضاً بينَ الوعي الذاتي على خلفية (المجتمع) وأعرافه وعاداته وتقاليده و(ثقافته) و(تاريخه) و(تراثه)، والوعي الذاتي على خلفية الوجود الإنساني، وهو الأمر الذي يُعيِّن الفرق بين التبعيّة والاستقلال الذاتي، ذلكَ أنَّ استقلال الفرد أو يقظة الروح الإنساني الحر، يعني أو تعني رفض أي تبعية أو خضوع، ولاسيما خضوع الضمير لجماعة أو مجتمع أو مذهب كلي أو مبدأ مفارق. امتياز شخصية المرأة واستقلالها الروحي معيار امتياز شخصية الرجل واستقلاله. الاستقلال الذاتي مُرادِف للفردية والفرادة أو التفرد“. ولهذا يكون تحقيق الذات هو نفي اغتراب الإنسان عن ذاته واستعادة شخصيته الذائبة جزئياً أو كلياً من سديم الجماعة. وهو نقيض العزلة والتجنُّب، وشرط للفاعلية أو التأثير الإيجابي، والانفعال أو التأثر الإيجابي، الواعي والهادئ، وهي المسألة التي تُفسِّر مدى انهمام السلطة المركزية البطريركية بطرد الفرديةبوصفها اختلافاً يُؤصِّل الحريةبما هيَ علة الاختلاف التي لا تظهر إلا في معلولها؛ فَـ الاختلاف هو الشكل الواقعي الذي تتجلى فيه الحرية مادياً وروحياً وفكرياً، ومن هذه البؤرة ينشأ إحساس السلطة الاستبدادية بالخطر، وتبدأ حربها مع كُلِّ مُختلِف لمحوه و تدجينه واستتباعه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. طحنون المسند

    بينما “كتار”- كما يلفظها اليهود- هي نتاج دولة مكتملة الأركان كما هو حال فرنسا.
    يا خبثاء، يا سفلة ماذا تفعلون بنا!؟

أضف تعليق

Share This