المتعة ما بين نظام الحاجة ونظام الرَّغبة (1)

“إن للكاتب بطبيعة الحال، أفراحا من أجلها يعيش ووحدها تكفيه إشفاءً لغليله “ألبير كامي

 

إننا اليوم مع هذا الكتاب أمام إشكالات فلسفية حقيقية. وهي بالطبع إشكالات تعود أولا إلى الجرأة التي عادة ما تنقص العديد من المفكرين، حتى ولو كانوا من طراز كانط ونظرائه؛ مثلما تعود من ناحية ثانية، إلى قدرة صاحب المجرى الأنطولوجي على التأويل الفلسفي على نحو مدهش. وهي لعمري خصالٌ قَلَّما تَجْتَمِع في شخص واحد. إذ عندما تَحضُر الجُرأة تَغِيب المقدرة على التفلسف وعندما تحضر المقدرة على التفلسف غالبا ما تغيب الجرأة. لكن وفي ذات السياق، لا بأس من التوكيد على أن الإشكالات المشار إليها هنا، هيّ إشكالاتٌ تتعلق بالفلسفة ذاتها والغاية من تعاطيها، مثلما تتعلق أيضا بمفهوم الإنسان عموما، ما يَكُونُه وما الذي يُحَدِّدُه؟ وكيف يمكنه التعامل مع زمانه حتى يعيشه على نحو مُتعوي؟.ليس هذا فحسب بل إن صديقي الفيلسوف يمضي بعيدا حدّ التساؤل عن العلاقة القائمة ما بين الإنسان والزمان. فهو كما يقول يروم من خلال هذا العمل “أن يُعيد موقعة الأمور من جديد، أن يُخرِج الأبدية من سياقها الاقتصادي ليعيدها إلى تربتها الحقة وحقلها الفعلي الذي هو الجسد”[1] ؛على هذا النحو يتبدى واضحا أن الرجل يقصد ما يقول. فهوّ لا يتفلسف من أجل أن يتفلسف، وعدوُّه إنْ كان لا بد له من عدو، فإنما هو مَنْ يكتب الفلسفة فقط ليغدو فيلسوفا؛ لكي يَنْعته الآخرون بهذه الصفة، فيلوذ بلقب عديم الجدوى، لقب تافه طالما لا أثر له في حياة صاحبه. وقوفا عند هذا التحديد الذي به يستهل الكباص تقديمه، أرى أن الذين أساؤوا للفلسفة بالفعل، إنما هم أولئك الذين يجهلون طعم الأفكار، ولا يتذوقون روعة الفكر، لأنهم ببساطة لا يحيون الفلسفة بل يحيون مِنَ الفلسفة.

أُورِد هذا الكلام لأنه بالضرورة يضعنا على عتبة فهم ما نحن بصدد طرقه من إشكاليات. إذ ما الذي يجمع مثلا لا الحصر بين هيجل الأستاذ صاحب اللغة المزيج، الملفوفة بالغموض والمتربع على كرسيه الجامعي بـ”يينا” ونيتشه المهووس بإلهاماته الفلسفية، أمام الفضاء المذهل المطل على خليج “بورتوفينو” الصغير. إن الفيلسوف إذا كان هو من يختبر حماسته في الوجود، ويعيش أحاسيسه بل أفكاره على نحو تنساق فيه ذاته وِفْقَ قُوّةٍ لاشعورية تشتغل فيه كنافورة ماء في يوم حار؛ فذلك ليس إلا لأنه هوّ الشاهد الأول والأخير على ذاته كمفكر؛ مادام أنه هو لا غيره من يعيش حياة فلسفية؛ أما الأستاذ فهو بخلافه، يعيش على نحو انتهازي على أنقاض عمل الفيلسوف. يوضّح الكباص هذه القضية قائلا: “إننا لا نكتب الفلسفة لنبني خطابا يكون غاية في حد ذاته. في الفلسفة الخطاب ليس هو الغاية وإنما الحياة”[2]. بعيدا إذن، عن الحشو البلاغي وتقنيات المجاز، وفي منأى عن الكلمات الرنانة والألفاظ الفضفاضة ينهج الكباص أسلوبا مُحرِّرا للأحاسيس والحواس على حد سواء. أسلوب يضع الفيلسوف الحقيقي على محك الفزيولوجي وفَوْق بركان الأنطولوجي؛ ذلك أن الحقائق عند صديقي الفيلسوف لا نَتَحَصّل عليها عبر استنتاجات عقلية مجردة بل عبر انخراط فعلي، وجداني وشهواني جسدي، في الحياة. فما من طاولة ممسوحة،بنظره، نُقيم عليها افتراضاتنا، بل شعريةٌ تنساب من أجزاء الجسد كما من المعاش و التجارب الحية. إلى هذا الحد، هل أنا بحاجة للتوكيد هنا مرة أخرى بأن حجة الفيلسوف هي حياته على نحو ما سبق لـ”أنفراي” أن قال؟ هل أنا بحاجة للقول بأن لا فلسفة لمن لا حياة فلسفية لديه؟ ذلك أن تأليف كُتبٍ في الفلسفة شيء و أنْ تغدو فيلسوفا شيء آخر.آيتي في ما أقول، هي نموذج سقراط، و”ابكتيت” اللذان بالرغم من أنهما لمْ يكتبا كتبا، فإنهما مع ذلك عاشا الفلسفة واستحقا أن يحملا لقب الفيلسوف؛لكن ثمة  مَنْ ضاهى الأوائل حياة فلسفية ،و كان أنْ خَلَّفوا أثرا إبداعيا خالدا ، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، “ديوجين” الكلبي المنبوذ في “يينا”، مَعقِل الهيجيلية، لا لشيء إلا لأنه لا يفرش الورود للعقل المطلق الهيجلي، كما لا أنسى “أبيقور” صاحب الرسائل، و”مارك أوريل” الإمبراطور الفيلسوف ،صاحب كتاب “الأفكار” وغيرهم كثر. إنّ هؤلاء كلُّهم مَسْرَحُوا أفكارهم إلى درجة غدت فيها موشومة على الأجساد لا الورق فحسب. كيف لا وهم الذين، أفلحوا في قطع نهر الحياة دونما عنف، سيما بعدما أدركوا أن السعادة والمتعة كلُّها أمورٌ تتوقف على تفاصيل صغيرة، لا يتلقَّفُها إلا من اختبر فرحة الأفكار. بعد هذا كله، لابدّ من الإشارة أيضا إلى ذلك النزوع الأبيقوري الذي لمسناه عند الكباص، حيث يُلِحُّ في تقديمه للكتاب بأن: “ليس هناك من شرف تستحقه الحقيقة ولا سمو يظفر به المفهوم، إلا في ارتباطه بالحياة، وبالتحفيز الذي يباشرانه من أجل العيش على نحو جميل، أي على نحو ممتع ولذيذ.”[3]قُلتُ أبيقوري، لأن الرجل هو من يمضي بعيدا في هذا التصور حدّ تشخيصه الراهني لمعضلتنا في المجتمعات العربية مؤكدا على أنَّ مُعضِلة العرب إن كانت تعود إلى شيء فإنما تعود إلى “أن الكثير منهم يعتقد أن مشكلته الحقيقية مع الحاكم، وأن هذا الأخير هوّ المصدر الوحيد للاضطهاد الذي يعانيه، دون أن ينتبه إلى الاضطهاد الذي يمارسه النظام الثقافي الذي يستولي على عقول الناس ويسيطر على حياتهم.”[4]وهو في هذا الطرح يكشفُ علاوة على ما سلف، على نزوعه التحرري المنفلتِ من كل سعي مذهبي. نزوعٌ أشبه ما يكون بنزوع “باكونين” المفكر الهامشي الذي ظل طيلة حياته يُقَدِّم منظورا سياسيا مخالفا لماركس، دون أن يُنصَفَ في زمانه. لقد كان “باكونين” للذكر يؤكد على أن المشكلة السياسية، إنما هي مشكلة السلطة بالأساس، وكيف نَحُلُّ التناقض القائم بين مَنْ يسود ومَنْ يخضع؟ ذلك أن صعود البروليتاريا واستيلائها على السلطة ليس حلا بنظر باكونين، مادام أن المشكل سيظل قائما، والاستبداد سيستمر بذرائع و شعارات أخرى لا غير. لكن تصور “باكونين” والحالة هاته سيعرف ألقه تاريخيا، سيما مع مجيء تحليلات فوكو، الذي أوضح بأن السلطة تسكن الجميع ولا مركز لها، بل هي لا تأتي دائما وكما نَخالُ مِنْ فوق. لذلك يكون الكباص مُحِقا، في طرحه السياسي، حيث يلح داركا لما يقول، بأن معضلتنا، والنار التي مازلنا نَكتوي بها إنما هي نار النظام الثقافي السائد، والمُهَيمِن الذي ما فتئ يصنع  الجموع. “إنه النظام الثقافي الذي يوظف الناس ضد حريتهم الخاصة، وضد أجسادهم وضد ما يستحقونه من متعة ولذة وبهجة”[5].هكذا يتضح أن للفلسفة مرة أخرى، أدوارا، وهي أدوار لخصها “دولوز” ذات مرة في عبارته الشهيرة والتي مفادها أن دور الفلسفة إنما هو “مناهضة الغباء”. لكن ما الغباء؟ مع العلم أن المجتمع مليء بالأغبياء أو الأجلاف بتعبير رابليه. إن مفهوم الغبي هو بشكل من الأشكال ما يطابق مفهوم البرجوازي عند “فلوبير”. لكن البرجوازي هنا لا يُحيل إلى أية مرتبة اجتماعية كما قد نخال، بل هوّ مَنْ يُفكِّر بدناءة. سيرا وراء هذا النهج، نلفي عند فيلسوف آخر تحديدا مشابها لكنه يُقرِّبُنا أكثر ما يمكن من مقصدنا؛ يتعلق الأمر بطبيعة الحال، بالتحديد الذي سبق لـ”ألبير كامي” أن وضعه للغبي. لكن لا بدّ لي قبل الإتيان به، أن أصرٍّح لكم بأني ما كنتُ لأنتبه لهذا التعريف لولا صديقي الفيلسوف عبد الصمد الكباص، الذي هاتفني ذات صباح، بعدما سرَّته قراءة مقالٍ لي، بمجلة نزوى العمانية، “حول كامي”، مُنبِّها إيّاي إلى روعة هذا التعريف الذي بموجبه يتحدَّد الغبي عند كامي باعتباره “هوّ كل من يخشى الاستلذاذ”. لنقل إنه بالأحرى مَنْ يقاوم المتعة وينهض ضد الفرح وينزع نزوعا عدميا. إنه من يروم أن “يعيدنا إلى مستوى الحاجة، أي أن نغدو مجرد أجسام تتحرك بموجب منطق النقص و الضرورة.”[6].ضد هذا التصور الميتافيزيقي يقترح الكباص تصورا بديلا، هو التصور نفسه الذي دافع عنه في أكثر من كتاب، حيث يميز بين الجسم والجسد، باعتبار الأول نظاما للحاجة بينما الثاني نظاما للرغبة. الأول يقوم على النقص و ينسجم تاريخيا مع التحديد الأفلاطوني للرغبة من حيث هي “ما يتولد عن نقص ويسمح بالسير قُدُما نحو المعرفة”. ولا داعي هنا للتوكيد أنه التصور الذي سكن الفلسفة المثالية منذ “أريستوفان” حتى “لاكان”. أما الثاني فهو ما يعكس ذلك الجهد الواعي الذي ينبغي علينا أن نبذله حالما أردنا الظفر بمتعة تليق بنا ككائنات إنسانية. ولعل هذا “المجهود الذي يتغيا صياغة بناء جمالي للحظة، هو ما يُترجَمُ في الأناقة وفن الطبخ الذي يسعى إلى توفير إحساس لذيذ للذوق و ليس إشباع نقص الجوع”[7].

على هذا النحو إذن يتبدى لنا أن ثمة نوعين من المتعة: المتعة الشعبوية والمتعة الأرستقراطية. وإذا كانت الأولى هي ما يقوم على نظام الحاجة ولا يتطلب إلا امتلاك جثة هامدة تُدعى الجسم؛ فالثانية هي ما يقوم على نظام الرغبة وتتطلب جسدا يُبنى. تبعا لذلك، يمكننا القول، بأن المتعة بدون منظور مستحيلة. لكن المنظور لا يكون وليد اللحظة، أكثر مما هو ما يستدعي المران الدؤوب، كما التعلم والقراءة. وههنا نلمس مرة أخرى أهمية الفكر والفلسفة، بحيث أنها ما يجعلنا نتعافى من شتى الأمراض، سواء كانت هذه الأخيرة تأمّلات أو رؤى تُعرقل فينا إرادة القوة و تَحُول دون تعاملنا مع الحياة باعتبارها ظاهرة جمالية على حد توكيد نيتشه. لكننا هاهنا أيضا نستشعر قيمة، كل فلسفة حية، سواء كانت مِن شاكلة الأبيقورية التي يكفيك أن تستوعب علاجها الرباعي، لتضحى سعيدا وتتخلص من الخوف من الآلهة وكذا الموت، أو من شاكلة  الرواقية التي علَّمتنا ضرورة التمييز بين ما يتوقف علينا و ما لا يتوقف علينا، أو من طِرازِ الكلبية التي أسَّسَتْ فعليا لفن المقاومة، وأعطتنا درسا لن ينسى  لدرء العفونة السياسية.

إلى هذا كله يبقى لي أن أضيف، أنَّ ميزة أخرى تُميز هذا الكتاب عن باقي كتب عبد الصمد، وهي ما يتصل أساسا بذلك الأسلوب الصامت، الذي ظل يطغى على مجمل فصول وفقرات الكتاب، بحيث أنه ضد الجدال والنقاش يسبك تصوراته تماما كمبدع يدرك على أن الإبداع الحقيقي هو ما يتطلب مِنّا أن نبتكر ثم نَصْمُت. وهو صمت أحِسُّه عند صاحبي مرارا سيما عندما نعلم أنه مَنْ يرفض المشاركة في الندوات الفكرية والحضور في الطاولات المستديرة، مفضلا بالأحرى حفلات الأصدقاء والارتماء بين أحضان الطبيعة، مُنتشيا بزرقة سماء مراكش وروعة ليلة قمرية ببحيرة بين الويدان وثلوج “أوكايمدن”، وتَرَنُّحات خنازير “تمكرت” المسائية، وغروب الشمس مِنْ على المنظر البانورامي الجميل لـ”توفليحت”. الحاصل أن ثمة أمورا كثيرة اشتغلَتْ في جوانية الفيلسوف، فكان لا بدّ لها أن تُوَرِّطَهُ أيما توريط في إنجاب هذا الكتاب الذي أعتبره شخصيا، نقلة نوعية في تاريخ الكتابة الفلسفية العربية التي ماتزال للأسف، تقبع تحت رحمة المثقف المتنفذ والموظف الكبير، عاجزة عن المساهمة في تحرير تلك الإرادة الكفيلة بدفع الإنسان إلى استعادة أمله في الحياة والانفلات من سطوة العدمية. آيتي في ذلك، كونه مؤلفا جاء دونما مواربة ،فاضحا لثقافة الارتكاس وغريزة الانحطاط ، مُتوجِّها ليس إلى العقل فحسب ،بل إلى كلية الجسد باعتباره الحريةَ[8](جسدي حريتي )بتعبير الكباص والعقل الأكبر بتعبير نتشه .

 **********

 أنظر ظهر غلاف الكتاب.[1]

 عبد الصمد الكباص،الرغبة و المتعة،مرجع مذكور،ص.5.[2]

 نفسه،ص.5.[3]

نفسه ،ص.105.[4]

نفسه ،ص.105.[5]

نفسه ،ص.105.[6]

نفسه ،ص.41.[7]

نفسه ،ص.100.[8]

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق