أرشيف هيئة الحقيقة والكرامة وحفظ الذَّاكرة الوطنيَّة

لكلّ مرحلة تاريخية مصادرها ولعلّ أهم مصادر تاريخ تونس في العهد المعاصر تتمثل في الأرصدة الأرشيفة الموجودة في أكثر من مركز ولدى المؤسسات والعائلات والأفراد. وما يهمنا في هذه الورقة هو مصادر تاريخ الزمن الحاضر باعتباره تاريخ لا يزال فاعلوه وشهوده على قيد الحياة[1] ويتطابق مع العهدين الدستوريين عهد بورقيبة وعهد بن علي. وهما الفترتان اللّتان تغطيهما العدالة الانتقالية مع زيادة سنة قبل انتصاب الحكم الدستوري وسنتين بعد انتهائه (جويلية 1955 إلى 31 ديسمبر 2013). ومن البديهي أنّ هذه المصادر مشتتة وأكثرها غير معروف فضلا عن كون الأرشيف الرسمي ما يزال في طوري الأرشيف الجاري والوسيط وهما طوران يسبقان الطور النهائي عندما ينتقل الأرشيف إلى مؤسسة الأرشيف الوطني ويصبح متاحا للعموم من أجل الإطلاع عليه[2]. ولا ننسى أنّ الكثير من الوثائق أتلفت أثناء ثورة 17 ديسمبر 2010/14 جانفي 2011 وبعدها وسيكون لذلك تأثير سيء على حفظ الذاكرة الوطنيّة وعلى سير العدالة الانتقاليّة.

وقد فتح قانون عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 يتعلّق بإرساء العدالة الإنتقالية وتنظيمها إمكانية جمع أرصدة أرشيفية جديدة من منظور ثوري أي غير مقيّدة بقانون الأرشيف. وهي مسألة على غاية من الأهمية خصوصا وأنها تثير زوبعة من النقاشات بين مدافع عن العدالة الانتقالية وبين رافض لها.

وهذا ما حثّنا على التساؤل حول مكانة أرشيف هيئة الحقيقة والكرامة في حفظ الذاكرة الوطنية.

وحتى أفي بالإجابة على هذا التساؤل سأتولى أوّلا التعريف بالإطار القانوني للهيئة وسأسعى ثانيا إلى إبراز أهمية الأرشيف الذي تقوم بجمعه وتنظيمه وأخيرا سأبدي بعض الملاحظات حول مستقبل أرشيف هيئة الحقيقة والكرامة.

وسأعتمد في ذلك على النصوص القانونية وعلى منشورات الهيئة[3] وما يحتويه موقعها من وثائق ومعطيات ومداخلات أعضاء الهيئة وخاصة مداخلة سهام بن سدرين أمام نواب مجلس الشعب يوم 7 ديسمبر 2016 وعلى ملاحظاتي الشخصية باعتباري كنت واحدا من الضحايا وقدمت شهادتي في جلسة استماع سريّة.

 

أوّلا- الإطار القانوني لهيئة الحقيقة والكرامة

يجدر البدء بالقول أنّ منظومة العدالة الانتقالية أقرّها دستور 2014 في فصله 148 الفقرة 9 التّي جاء فيها أنّ الدولة تلتزم بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحدّدة بالتشريع المتعلق بها. ومنح الدستور صلاحيات واسعة واستثنائيّة للعدالة الانتقالية بحيث أنّها لا تراعي القواعد التّي يأخذ بها القضاء العادي مثل عدم رجعية القوانين او وجود عفو سابق او سقوط الجريمة او العقاب بمرور الزمن الخ. ونشير منذ الآن أنّ هذه الصلوحيات تنعكس بالضرورة على الأرشيف مثلما سنرى.

وفي الواقع فإنّ هيئة الحقيقة والكرامة بعثت قبل صدور الدستور بمقتضى قانون عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 الذي يتعلق بإرساء العدالة الإنتقالية وتنظيمها. وهي الهيئة التّي عهد لها الإشراف على مسار العدالة الإنتقالية بمختلف مراحلها.

وللهيئة مهام عديدة سنتعرّض في هذه الورقة إلى تلك التّي لها علاقة بالأرشيف والتّي عهد بها إلى لجنة البحث والتقصّي ولجنة حفظ الذاكرة الوطنيّة. فهي تتلقّي الشكاوى والعرائض والشهادات المتعلّقة بالانتهاكات المندرجة ضمن صلاحياتها والتحقيق فيها. وهي تحقّق في انتهاكات حقوق الإنسان. كما انّها تعنى بعقد جلسات استماع سرّية أو علنيّة لضحايا الانتهاكات وبإحداث قاعدة بيانات وسجلّ موحّد لضحايا الانتهاكات. وأخيرا فهي مطالبة بإعداد تقارير سنوية وتقرير ختامي تقدّم إلى الرؤساء الثلاث وتوضع على ذمّة العموم بعد نشرها بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية. وعلاوة على ذلك فهي تحدّد المسؤوليات وتعدّ ملفات الانتهاكات قبل أن تحيلها للدوائر القضائية المتخصصة حسب القانون.

وتجدر الملاحظة أنّ صلوحيات الهيئة في مجال الأرشيف المنصوص عليها في الدستور كانت محل جدل بل قل خلاف خاصة عندما تعلّق الأمر بأرشيف رئاسة الجمهوريّة التّي سعت الهيئة إلى نقله يوم 26 ديسمبر 2014 ولكن لم تمكن من ذلك بتدخل مباشر من ممثلى نقابة أعوان أمن رئيس الدولة والشخصيات الرسمية[4].

وقد تدخّل المدير العام للأرشيف الوطني الأستاذ الهادي جلاب في هذا الجدل وناقش صلوحيات الهيئة في مجال الأرشيف فحصرها في الاطلاع فحسب على الملفات التّي تعنيها، على عين المكان وأنكر أن يكون لها الحق قانونيا في نقل أرشيف مؤسسة رئاسة الجمهورية باعتباره من مشمولات مؤسسة الأرشيف الوطني[5].

ولا شك أنّ هذا الجدل بين النظرة الثوريّة والنظرة المؤسساتيّة مهم للغاية ولكن ليس هنا مجال للتوسّع فيه. وفي النهاية فقد توصّل الطرفان الأرشيف الوطني والهيئة إلى حلّ الإشكال وتم الاتّفاق على أن يتولّى الطرف الأوّل حفظ الأرصدة الأرشيفيّة وإتاحتها للطرف الثاني حتى يستغلها بما يساعده على القيام بمهامه[6].

 

ثانيا- أهمية أرشيف الهيئة

 

وللقيام بمهامها بما في ذلك المهام التوثيقية أحدثت الهيئة شبكة من المكاتب الجهويّة علاوة على المقرّ الرئيسي بتونس. وتتوزّع هذه الفروع على صفاقس وسيدي بوزيد والقصرين وقفصة وقابس ومدنين والكاف وجندوبة وسوسة. وبطبيعة الحال فهذه الفروع ستضاعف من قدرة الهيئة على تكوين الأرشيف لأنّها تقرّبها من ضحايا الانتهاكات.

يشتمل أرشيف الهيئة على جزء تنشئه بنفسها ويتكوّن من لأوراق المطلوبة من الضحايا لتكوين الملف وهي الاستمارة التّي توفرّها مكاتب الاستقبال بمقر الهيئة بالعاصمة أو بإحدى المقرات الجهوية و نسخة من بطاقة التعريف الوطنية أو جواز سفر ساري المفعول وكل وثيقة تثبت وقوع الإنتهاك مثل نسخة من الشهادة في العفو ونسخة من الأحكام القضائيّة والشهائد الطبيّة والمرافعات وتقارير المحامين والهيئات الحقوقية ووثائق من المستشفيات تتعلق بحالات التشريح والاختفاء القسري والجرائد والبيانات والرسائل والشهادات الشفوية الخ. كما تحصلت الهيئة على نسخ من وثائق من أرشيف وكالة الاتّصال الخارجي ورئاسة الجمهورية والداخلية الخ. وبالطبع لا يخفى على أيّ كان الكم الهائل من المعلومات التّي تحتويها هذه الوثائق.

ومن ناحية أخرى تعتمد الهيئة على مفهوم واسع لضحايا الانتهاكات. فالضحية حسب التعريف الذي تستند إليه هي كل من لحقه ضرر جراء تعرضه لانتهاك لحقوقه بصفة مباشرة أو غير مباشرة خلال الفترة المذكورة  سواء كان فردا أو جماعة أو شخصا معنويا. ويشمل تعريف الضحية أفراد الأسرة الذين لحقهم ضرر لقرابتهم بالضحية على معنى قواعد القانون العامّ وكذلك كل شخص حصل له ضرر أثناء تدخّله لمساعدة الضحية أو لمنع تعرضه للانتهاك وكل منطقة تعرّضت للتهميش أو الإقصاء الممنهج. ولم تغفل العدالة الانتقالية عن صنف من الضحايا غير المقصودين بالانتهاكات ولكنهم يتحملون تبعاتها رغما عنهم وتكون هذه التبعات قاسية ودائمة في الكثير من الأحيان، وهم كبار السن والنساء والأطفال المعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى والفئات الهشة. وبذلك فإنّ عدد المعنيين بنشاط الهيئة كبير. وهذا من شأنه أن يؤثر إيجابا على كميّة المعلومات التّي سيتم جمعها وتوثيقها. ويتاكّد هذا التوجّه من خلال عدد الملفات المودعة لدى الهيئة إلى حدّ الساعة 62327. ومن الجدير التنبيه إلى أنّ العدد الحقيقي أكثر من ذلك لأنّ الكثير من اليساريين والنقابيين لا يهتمون بموضوع العدالة الانتقاليّة.

ولا شكّ أنّ جلسات الاستماع التّي عرضتها القنوات التلفزية أو التّي ستعرضها تكون أكثر غنى من الناحيّة الأرشيفيّة لو وقع توجيه الضحايا إلى الكشف ليس فقط عن الجلادين بل أيضا وخاصّة عن منظومة الاستبداد والفساد الممثّلة في أجهزة الدولة أو في المجموعات أو الأفراد الذين تصرفوا باسمها أو تحت حمايتها وفي المجموعات المنظمة وهي عديدة مثل الأحزاب والميليشيات الخ.

 

ثالثا- مستقبل أرشيف هيئة الحقيقة والكرامة

يمثّل الأرشيف الذي تجمعه هيئة الحقيقة والكرامة منجما للباحثين في التاريخ المعاصر. وفي الواقع لا نعرف إلى حدّ الآن كيف سيتم التعامل معه وهل سيتاح للباحثين أم لا. والرأي عندي انّه سيسلّم إلى مؤسسة الأرشيف الوطني بعد حلّ هيئة الحقيقة والكرامة وسيخضع حينئذ إلى قانون الأرشيف. ومعلوم انّ هذا القانون ضبط المدّة القصوى للإطّلاع على الأرشيف بثلاثين سنة بداية من تاريخ إنشائه واستثنى بعض الحالات التي تتعلق بمعطيات شخصية ولا تتاح للعموم لمدة 60 ستة وملفات الموظفين ودفاتر العدول فهي لا يسمح بالإطلاّع عليها الا بعد 100 سنة. لكن بطبيعة الحال خوّل القانون للباحثين الحقّ في الإطّلاع على وثائق الأرشيف العام قبل انقضاء الآجال المحدّدة بعد استشارة الإدارة التّي أنشأتها وشريطة احترام الطابع السرّي للحياة الشخصيّة ومراعاة سلامة الوطن. ويطبّق في هذه الحالة مرسوم عدد 41 لسنة 2011 المؤرخ في 26 ماي 2011 المتعلّق بالنفاذ إلى الوثائق الإداريّة للهياكل العموميّة الذي يخوّل لكلّ شخص طبيعي أو معنوي الحقّ في النفاذ إلى الوثائق الإداريّة سواء كان ذلك بإفشائها بمبادرة من الهيكل العمومي أو عند الطلب من الشخص المعني. وتجدر الإشارة إلى أنّ الهياكل العموميّة مطالبة بإتاحة الحقّ في النفاذ إلى الوثيقة أو الوثائق مهما كان تاريخها.

حاليا تتوفّر بعض الوثاق المتاحة منها الشهادات الشفوية. وحسب رأيي فإنّ الباحث مطالب بملازمة اليقظة في التعامل معها. فحسب ما استمعت إليه خلال مشاهدة جلسات الاستماع العلنيّة تتّجه الإدانة إلى المباشرين للتعذيب ويقع تناسي السلطة بجميع من فيها إلى جانب المسؤولين الذين يعطون التعليمات لتنفيذها أو يعملون على وضعها موضع التنفيذ والقضاة الذين يطبقّونها.

وقد لاحظ مشاهدون أنّ بعض الشهادات تفتقد إلى التلقائية وأنّ أصحابها يراجعون أوراق معدّة مسبقا وقد يكونوا وقع تدريبهم على إلقاء كلماتهم قبل الدخول إلى جلسة الاستماع. ولعل بعضهم ركّز على إثارة مشاعر الحاضرين والمشاهدين فجاءت شهادته وكأنّها غير صادقة واستدرارا للعطف.  فضلا عن أنّ هناك من أخذ تعويضا عن المحنة التّي تعرّض لها. وفي هذا الصدد يرى بعض المشاهدين أنّه فقد الحق في جلسة استماع علنيّة.

وقد لاحظت أنّ بعض الذين أدلوا بشهادتهم يتستر عن هويته السياسية ويسعى الى اعتماد هوية أخرى. فكيف يمكن مثلا أن يخطأ عون سجون حول هوية سجين من سجناء النهضة ويحسبه من المدافعين عن حقوق الإنسان. أعتقد انّها انتحال صفة.

وفي بعض الأحيان يخفي صاحب الشهادة ما حفّ بسلوكه من ضعف أمام المحقق أو الجلاد وما اضطر إليه من تنازل، وينسى في هذه الحالات يعود اللوم أساسا على منظومة الاستبداد وعلى الجلاد الذي سلك سلوكا غير إنساني لانتزاع اعترافات في قضايا لا وجود فيها لجريمة. وبذلك فإنّ الفائدة المنتظرة من مثل هذه الشهادات محدودة.

وعلى الباحث في التاريخ المعاصر أن يستند على العلوم المساعدة للتدقيق في المعطيات التّي تدلي بها ضحيّة الانتهاكات والتّي تبدو غامضة. وإنّي أذكر مثالا عن ذلك: سوء المعاملة في مخافر الأمن حيث يستعمل التعذيب لاقتلاع الاعترافات وسوء المعاملة في السجن حيث يستعمل التعذيب للعقاب والتشفي.

ورغم كلّ ذلك فإنّ هذه الشهادات المقدّمة هامة جدا وما ذكرناها لا ينقص في شيء من حجم الانتهاكات والآلام التّي تعرّض لها كلّ من يقع بين أيدي أعولن الأمن السياسي.

 

الخاتمة

من اليسير أن نلاحظ حدّة الخلاف حول هيئة الحقيقة والكرامة وما تثيره من تحفظ لدى الكثير من التونسيين. لكن لا يمكن، حسب رأيي أن يختلف الباحثون في التاريخ المعاصر حول أهميّة العمل الذي تقوم به في مجال القيام بوظائفها وكذلك في مجال حفظ الذاكرة الوطنية. ومن مزايا الأرشيف الذي تنشئه هذه الهيئة الدستورية أنّه يمثّل إضافة على غاية من الأهمية للأرصدة الموجودة. ونشير إلى أنّ التعامل معه ليس أمرا يسيرا لعدة أسباب منها ما ذكرناه ومنها أيضا قرب الأحداث وصعوبة أن نتجنب التأثّر وأن نتحلّى بالموضوعيّة إلى جانب ما تتعرّض له ذاكرة الضحيّة من انتقائيّة ونسيان.

وحتّى تصبح الاستفادة الكاملة من هذا الأرشيف ممكنة لا بدّ من استغلال الأرصدة الأرشيفية الأخرى المتفرّقة على عديد المراكز والإدارات والمنظّمات ومن توسيع دائرة الشهادات الشفويّة.

*************

[1] – ليسير، فتحي، تاريخ الزمن الراهن عندما يطرق المؤرّخ باب الحاضر، دار محمد علي للنشر، 2012، ص 44.

[2] – عرفاوي، خميس، « حكّام العدلية من خلال وثائق إدارة العدلية«، جماعي، الأرشيف وتاريخ الإدارة وأعوان الدولة في تونس خلال الفترة الحديثة والمعاصرة، تونس، 2010، ص 59- 63.

[3] – هيئة الحقيقة والكرامة، التقرير السنوي 2015.

هيئة الحقيقة والكرامة، النصوص القانونية المتعلقة بالعدالة الانتقالية في تونس، تونس، 2015.

[4] – أنظر ردّ الهيئة على حادثة “الأرشيف الرئاسي” في: هيئة الحقيقة والكرامة، التقرير، مصدر مذكور، ص 52 وما بعدها.

[5]https://www.achahed.com/مدير-عام-الارشيف-الوطنيقانون-العدالة/, visité le 6/12/2016

[6] – هيئة الحقيقة والكرامة، التقرير، مصدر مذكور، ص 84

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق