الغريب (ج2)

حكاية منفيّ دون منفى

بدعوته لي للكتابة في هذا الموضوع طلب مني معهد نيكسوس[i] الشهير أن أذكر شيئاً عن تجربتي الشخصية في المنفى وعما يعنيه لي أن أكون منفياً ولاجئاً:  « in which you reflect on your experience and the meaning of being an exile or refugee » ” وعليّ لأقوم بهذه المهمة الصعبة أن أجري ببعض التمييزات الدلالية والمفاهيمية لأشرح رؤيتي الشخصية لمصطلحات مثل: منفي، لاجئ، و غريب وأي من هذه الدلالات تشبهني أكثر أو ربما أشبهها أقل.

بعيداً عن التعريفات القانونية والقاموسية الكثيرة جداً لمصطلحات المنفى واللجوء، فإنني أود أن أعيد تعريفهما انطلاقاً مما سأُسميه هنا تعاكساً في الاتجاه والقصد والطريق. وبكلمات أُخرى، أريد هنا أن أضبط وجهتيهما، ومسارهما؛ نقطتي انطلاقهما ونقاط وصولهما من خلال ميكانيزمات قوتيهما اللتين افترض تعاكسهما في بحيث تدفعهما وتجذبهما للأمام وللخلف. بالبحث عن معنى كلمة exsĭlĭo اللاتينية تعطينا مجموعة متنوعة من القواميس الإنجليزية والفرنسية والإيتمولوجية التعريفات التالية: القفز إلى الخارج، الانبثاق، الانقذاف، الإبعاد، الإخراج، الهجوم، الارتماء على، الإسراع إلى، الخ. ولنلاحظ هنا جهة الحركة من الداخل إلى الخارج كما لو كان هناك قوّة قادرة على قذف وانتزاع وطرد أحدٍ ما من أرض(ﻪ). وبشكل أكثر دقة أقول أنني أريد هنا التأكيد في هذا المقام على قوّة النفي والنبذ والطرد التي يتضمنها لفظ “المنفى” وعلى التأكيد على أن هذه الطاقة النابذة خارجة عن إرادة الشخص الذي لم يكن لديه الخيار ليرحل فخضع لقانون تلك القوّة التي تقتلعه وترميه “خارج المكان”. بهذا المعنى الذي أحاول ابتكاره هنا، لا يُمثِّل المنفى بنظري سوى نقطة الانطلاق ولا يُعتبر كذلك إلا من موقع البلد الذي يُجبر المرء المُهدد فيه على مغادرته.

وعلى العكس من المنفى، فإن مُصطلح “اللجوء” يصف اتجاه قوةً معاكسةً لتلك التي للمنفى. فلفظة rĕfŭgĭum  اللاتينية تعني أيضاً بالمعاني القاموسية: الخلاص، والمكان الذي نجد الأمان فيه. انطلاقاً من هذه المقدمات نخلص إلى أن المنفى وراءنا واللجوء أمامنا. وأنه في حال كان المنفى ماضٍ على نحوٍ مؤقت أو دائم، فإن اللجوء هو الحاضر المباشر وربما المستقبل. فبالاتجاه المعاكس للمنفى الذي يمارس قوة طرد ونبذ وإقصاء من الداخل نحو الخارج، يجذبُ اللجوء من يُجبر على ترك أرضه هرباً من خطرٍ مُحدقٍ به باحثاً عن الأمان. وبهذا المنحى، نصف اللجوء بوصفه كذلك بالنسبة لبلد الاستضافة أو الاستقبال وليس بالنسبة لبلد المغادرة. إذن المنفى هو نقطة الانطلاق بينما اللجوء هو نقطة الوصول. وعليه فالمنفي هو من يغادر ويرحل هارباً من خطرٍ ما يُحدق به، بينما اللاجئ هو من يصل باحثاً عن الأمان. لكن علينا هنا أن ننتبه أنه لا يمكن للمرء أن يكون لاجئاً دون أن يكون منفياً، في حين يمكن أن نكون منفيين دون أن نكون لاجئين في أي مكان أو مُستضافين من قبل أحد، وهذا بأحد المعاني وضعي الخاص كما سأشرحه.

L’Êtrenger[ii] donc je suis (كوجيتو الغريب: الغريب الذي هو أنا)

أنتمي بحكم الولادة (دون أن انتمي يوماً) إلى ما يُسمى بإحدى الأقليات السوريّة والمقصود هنا الطائفة الدرزية. ولكني حقيقةً لم أشعر يوماً واحداً أنني درزي. فمثلاً حين ساندت الكتلة الأكبر لهذه الطائفة نظام الأسد ما أن انطلقت الثورة ضده حتى كنتُ أنا مع الثورة في سوريا منذ بدايتها في تونس. ولعل كُل ما بقي من هذه الطائفة في نفسي، وربما قابعاً في لا وعيي، هي تلك المشاعر القلقة بأنك لستَ في بيتك أو أرضك أو وطنك وأنك مستعدٌ دوماً للأسوأ، أي للمنفى. ومع أني كنتُ أشعر دائماً بالاختناق في تلك الجماعة المنغلقة جدّاً على نفسها وفق مقاييسي الخاصة، إلا أنني قد ورثت منها كأقلية ذلك الشعور بكوني غريباً في أرضي. مع بداية الثورة السورية وجدتُ نفسيّ منقاداً بمشاعر الثورة والتحرر والديمقراطية والحلم بسوريا مدنية، علمانية وعادلة. هكذا فقد لبيت النداء حين وّجه إليّ لتأسيس المجلس الوطنيّ السوريّ. ومع ترددي في ذلك إلا أنني شعرت بذلك كواجب أخلاقيّ وكمهمة وطنية والتزام مثقف بقضايا مجتمعه ولكي لا تُترك الساحة للقوى الظلامية لتقود البلد. في تلك الفترة كانت الثورة لا تزال سلمية، ثم وبعد بضعة شهور من ذلك وجدتُ نفسي غريباً تماماً عن ذلك الكيان المعارض فانسحبت منه نهائياً ومن كل تمثيل سياسيّ وبخاصة عندما هيمن الإسلاميون على المعارضة وعندما حملت الثورة السلاح. بعد خيبة الأمل تلك وبعد كل ما حصل وما يزال يحصل في سوريا، فقدتُ ذلك الإحساس بالانتماء للوطنية السوريّة أو للقومية العربية بالمعنى الذي انتقد به القومية بوصفها أصل تعيين الآخر وكراهيته.  ومن حينها وأنا لا أرى في القومية سوى كامن خطير لكره الآخر وعدائه ونفيه.  كفّت جاذبية الأرض في بلد(ي) عن ممارسة أي قوة تأثير عليّ أو على روحي. لم تعد الأرض قوّة جذب، ولا أعتقد أن تكون سوريا بعد اليوم ملجأً لي. سوف لن أعود أبداً لأكون لاجئاً في الموطن الذي شهد ميلادي ولا أريد أن أُدفن في أي مكان على الأرض. وبهذا المعنى أتفهم تماماً تصريح حنا أرندت حين قالت: “أوروبا في المرحلة ما قبل الهتلرية؟ إنني لا أندم عليها، كونوا على يقين من ذلك”. وأنا كذلك، إنني لا آسف على سوريا الأسد ولا سوريا المُتأسلمة ولا حتى سوريا الإسلامية المُرادة من قبل بعض القوى السوريةّ، والعربية والتركية والإيرانية. أقول هذا رُغم كل تلك المشاعر بالتضامن التي أحملها تجاه الشعب السوريّ االمنكوب والمتروك لوحده وللموت اليوميّ، وعلى الرغم من كل تلك الهواجس التي تتملكنيّ تجاه مستقبل ذاك البلد.

أني وإن كنتُ لم أجد نفسي في سوريا، فإنني لا أشعر أيضاً أنني في بلدي في فرنسا. إذ رُغم كل ما يمكن أن يُقال عن حقيقة كوني اخترتُ كتابة هذا المقال باللغة الفرنسية[iii] وليس بالعربية لغتي الأم وحقيقة كوني أعيش في فرنسا منذ أكثر من عقد من الزمن، إلا أنني بالعمق أشعر أنني غريب في هذا المكان. لا أُريد للحظة هنا أن أكون جاحداً بحق هذا البلد الذي منحني الحماية والذي أحيا فيه منذ سنوات عديدة، لكنني وبالعودة إلى الوراء أجد أن مشاعر الاغتراب هذه ليست ذاتية فقط، وإنما موضوعية أيضاً. لا أعتقد أنني أُعيّن نفسي بالغريب بالمعنى الذي نجده عند ألبير كامي على سبيل المثال فهو يحمل قدراً عالياً من عداء الآخر، وإنما أجدني قريباً هنا من الغريب بالمعنى السُّقراطيّ الذي نجدهُ بخاصة في محاورة السفسطائيّ لأفلاطون. فبقدومه من مكان آخر، يثير هذا السفسطائيّ الأجنبي الغريب والوافد، الذي لا يتكلم كالآخرين، وإنما يتحدث بلهجة مختلفة تشي بعدم نشوئه هنا، أقول يثير هذا السفسطائي القلق عند المضيف. إنه يتجاوز حدود الضيافة ويطرح على مُضيفه سؤالاً مُزعجاً، بل وقاتلاً يشكك فيه بنظرية المعلم والأب بارمنيدس صاحب المكانة والمكان كما نقرأ ونستنتج من بين سطور ذلك الحوار الأفلاطوني الأشهر. لا شك أن هذا الغريب مزعج وهو لا يبقى “مسالماً في مكانه” كما كان لكانط أن ينصحه. ولكون هذا الغريب مشاكساً لا يضبط لسانه، فإنه سجازف بإثارة حنق الزعيم الذي سيحرمه من صفة الفيلسوف. كيف لا وهو سيد المكان وقوانينه هي القوّة.

إن قصة هذا السفسطائي الغريب هي قصتي أيضاً على نحوِ ما. فقد جئت فرنسا باحثاً فيها عن ملجأ لمستقبل فيلسوف، لكن حدود الحلم الفرنسي ضيقةٌ جدّاً. وللحق أقول أنني لم أشعر يوماً بغربة قدر تلك الغربة التي شعرتُ بها في الوسط الجامعيّ الفرنسيّ. فبين تلك الضيافة الكريمة التي قد تتلقاها كطالب أجنبيّ وبين تلك العداوة التي لا تخفي نفسها وتكشر عن أنيابها حين تسعى لأخذ وظيفة أستاذ في الجامعة فرق شاسع يشعرك أنك لست إلا غريباً أو بالأحرى«hostis » بما تتضمنه هذه اللفظة اللاتينية من أصل مشترك لكلٍ من الضيافة l’hospitalité و العداوة  l’hostilitéاللتين ليستا في النهاية سوى أختين توأمتين تلبس أحدهما لبوس الأخرى وتتنكر بهويتها دون أن نشعر بذلك.  

في النظام الجامعيّ الفرنسيّ المركزيّ والمغلق على نفسه وفي بعض الاختصاصات قليلة الوظائف كالفلسفة تجد نفسك بالكامل غريباً ومقصياً ومنفياً يمارس ضدك أبشع أنواع التمييز. أنت قادمٌ من مكان آخر؟ وأنت لا تتحدث مثلهم وتفكر بطريقة مختلفة؟ حسناً، أنت لن تكون بالنسبة لهم أجنبياً فقط وإنما شخصاً غريباً. بهذا المعنى أجد نفسي في كل كلمة قالها جاك دريدا اليهوديّ القادم من الجزائر الذي رفضوا منحه، وهو من هو، منصب أستاذ جامعيّ (كما حصل مثلاً في فضيحة رفض تعيينه في جامعة نانتير باريس 10) والذي كان ينعت نفسه بأنه “الغريب في فرنسا” حين يقول: “إنك شكاك، نسبوي، عدمي، إنك لستَ فيلسوفاً جدياً! وإن استمررت، سوف نضعك في قسم للبلاغة أو للآداب. وستكون الإدانة والمنفى حكمين أخطر إن أصررت وسوف نسجنك في خانة السفسطة لأن ما تقوم به في الحقيقة ينتمي للسفسطائية والتي ليست في النهاية بعيدةً أبداً عن الكذب، وعن الحنث باليمين وشهادة الزور. إنك لا تؤمن بما تقول، إنك تحاول تضليلنا. ثم تأتي الآن لتلعب ورقة المنفيّ أو العامل المهاجر لتحرك مشاعرنا وتكسبنا لقضيتك…” [iv]

آه أيها الغريب، لن يحسب في هذا الوسط لك حساباً فعلياً ولن يحملك أحد على محمل الجد. بأفضل الحالات فإنك تلميذ جيد في نظرهم وهم يفهمونك غمزاً ولمزاً دون أن يقولوا ذلك مباشرةً: “لقد أنهيت دراستك للدكتوراه؟ برافووو هذا جيد بالنسبة لك وهذا كل ما يمكن أن تأمله منا. ولكن لا تحلم أبداً أن نعترف بك كفيلسوف ولا بأن تحصل على وظيفة جامعية عندنا. بالأصل وظائف الفلسفة نادرة وثق بنا، إنه لأمر صعب حتى بالنسبة لطلابنا الفرنسيين فكيف بالنسبة للغريب. ثم أن الفلسفة والفكر ليسا من شأنكم أنتم اللاغربيون. فنحن الغربيون من نوزِّع بطاقات الفلاسفة، وبكل أسف عليكم أنتم أيها الغرباء، إن هذه البطاقات محجوزة لنا. ارضخ للأمر الواقع وإن أردت البقاء هنا فجد لنفسك وظيفة مهاجر، عامل في مطعم على سبيل المثال أو عد إلى أرضك”. لكن لا أرض لي…

في محاولةٍ مني لأضع حداً لقلق وهواجس الغريب التي تسكنني تقدمتُ بطلب الجنسية الفرنسية منذ سنتين ولم تعطَ لي. وفي وجه هذا الإخفاق الجديد في أن أجد وطناً أو في أن أهدّئ الخوف من منفى جديد يلوح في الأفق، كان عليّ أن أرضخ للواقع مردداً لنفسي: “إنه ليس إلا وهماً. ليس لك ملجأ. إن منفاك يسكنك، إنه فيك وهو هويتك وظلك. إن الغريب هو اسمك الشخصي الذي تعرف به. اصحَ، آه أيها الغريب، أنت الذي تدعي أنك فيلسوف: ألا ترى ذلك الرابط الأنطولوجيّ فالغريب هو وجودك الذي هو ليس فقط أصل منفاك، وإنما أيضاً قدرك، البداية والنهاية، نقطة الانطلاق ونقطة الوصول، بل والطريق كله. إنك لست سوى êtrenger”.

************

[i] معهد نيكسوس وهو أحد أهم المعاهد المستقلة في أوروبا والمهتم بالعلوم الإنسانية والاجتماعية. مقره امستردام في هولندا ومن كتابه والمحاضرين فيه مجموعة كبيرة من الحائزين على جوائز نوبل في الآداب. كما أن الفيلسوف الألماني يورغين هابرماس أحد المحاضرين الثابتين فيه وقد كان المفكر الراحل إدوارد سعيد أحد أبرز محاضريه وكتّابه.

[ii] في الواقع لا أجد مقابلاً بالعربية ولا بالإنجليزية ولا بالهولاندية التي تُرجمت إليها هذا النص أي مقابل لهذا اللعب الذي قمتً به على كلمتين فرنسيتين لأيضاح ما أقول. وسأكون هنا مُضطراً لشرحهما. تعني كلمة Être الوجود أو الكينونة باللغة الفرنسية بينما تعني كلمةétranger  الغريب. دمجتُ الكلمتان معاً لأقول أن الغربة أو ربما غربتي على الأقل هي انطولوجيا. وهذه الكلمة المركبة هي عنوان كتاب جديد لي قيد الطبع بالغة الفرنسية عن الغريب فلسفياً.

[iii] أُذكر أنني كتبُ المقال بالفرنسية مع أن مجلة نيكسوس خيرتني بين العربية والانجليزية والفرنسية فاخترت الأخيرة. قاموا هم بترجمته إلى الهولاندية بينما قمت أنا بنقله إلى الإنجليزية والعربية وهذا المقال هو ترجمة عن الأصل الفرنسي.

[iv]Jacques Derrida, Le monolinguisme de l’autre, Galilée, 1996, p. 17-18.

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق