ختان البنات (2) العواقب الجسديَّة والنَّفسيَّة

تاريا سالمي جاكوبسون

ينظر الى عملية “الختان الفرعوني” (راجع القسم الأول من الدراسة)، في موطنها الأفريقي، على أنها حماية للبنات من الاغتصاب عندما يخرجن لرعي القطيع. فقيمة البنت تكمن في عذريتها، والغاية من وجودها في هذا المجتمع البطرياركي هي – قبل كل شيء – أن تلد ذرية. ولهذا يجب أن تكون مختومة، ولن يفك ختمها سوى مالكها الشرعي اللاحق. فحتى لو كان الله قد خلق الرجل والمرأة “في أحسن تقويم” وكان راضياً عما خلقه، فان الرجل ليس راضياً، ولهذا راح “يحسّن” خلقة المرأة ويعيد تشكيلها. فحرمها العضوَ المختص بالرغبة لكي لا تشعر، بمحض إرادتها، برغبة نحو رجل آخر على الاطلاق. ان حاجة الرجل الى التحكم، وخوفه من الحياة الجنسية للأنثى، وشكه الرِهابي بأنه ربما يعيل ذرية رجل آخر، هذه جميعاً أمكن تسكينها بحرمان المرأة من حقها المشروع وبإخضاعها عن طريق جعلها سلعة. يقول الكتاب المقدس:”والى رجلكِ يكون اشتياقكِ وهو يسود عليكِ” (التكوين. 3:16): ربما لا ينطبق القسم الأول من الآية على كل النساء ولكن قسمها الثاني ينطبق عليهن بالتأكيد. كما يناقض ختان الاناث وصية النبي محمد التي تقول بأنه إذا كان الختان يعتبر إجباراً له ضرورته كنوع من الاعتبار لتقليد سائد في المجتمع، فينبغي إذن أن يُجرى بشكل رمزي تقريباً وليس بأن تحرم المرأة من مركز الاستشعار الجنسي الذي هو، كما قال، مُرْضٍ للمرأة والرجل معاً. أما العملية “الفرعونية” التي تقطع فيها كامل الأجزاء الخارجية للفرج، فهي ترضي رغبة الرجل وحده ولكنها بالنسبة للمرأة معاناة زوجية مدى الحياة. فالنساء التي أجريت لهن عملية الختان الفرعونية  لا تجلب لهن العملية الجنسية سوى الألم. تبدأ مسيرة الألم عند البنت منذ ليلة الزفاف حيث “تُفتَح”. ويستغرق الأمر ما بين عدة أيام الى عدة أشهر لكي تتوسع الفتحة الصغيرة ويتمكن الرجل من اختراق فرجها. وأحياناً لا تنجح عملية الاختراق إطلاقاً، وفي هذه الحالات تعرض القابلات المساعدة  في هذا الأمر ولكن الرجل عادةً يرفض، فهذه “المساعدة” تسيء الى رجولته. ولهذا ترى الرجل يحمل سكيناً صغيرة للمساعدة حيث يخدش بها عضوها الجنسي شيئاً فشيئاً الى أن ينهي عملية الجماع. لكن أحياناً يحصل خطأ وتحدث السكين جروحاً عند الفتاة مما يستدعي معالجتها طبياً.

العواقب الجسديَّة

كل هذه المعاناة الفضيعة هي من أجل أن تكون الفتاة مفخرة لجنسها! منذ اليوم الذي تجرى لها فيه عملية الختان ستلاقي صعوبات في التبول وستصبح الدورة الشهرية مصدر عذاب لها بسبب الكمية المحدودة من الدم المسموح لها بالجريان وهو ما يتسبب في بقاء الدم في الرحم بما يعنيه هذا من مخاطر صحية ومشاكل عند الحمل. ويمكن أن تصاب بأضرار في مجرى البول والمستقيم، وبحصى في المثانة والمجرى البولي، وبعلة في الكلى، وبالنواسير، بل وحتى يمكن أن تتكون عندها خراجات إذا ما تضررت الغدد اللمفاوية. أما اذا أصيبت بتلف الأعصاب فان الألم يصبح أشد. كما يمكن أن تصاب البنت بالغنغرينا، أو بالكزاز وحتى بالعقم. في بعض القرى يعتقد أن هذه المضاعفات ناتجة عن السحر.

والصعوبات في الجماع كما شرحناها أعلاه قد تؤدي الى التحول الى الجنس الشرجي، وهو بدوره يزيد من التمزقات ويعرض المرأة لتلوث جرثومي. كما إن تلك الصعوبات تعتبر سبباً وراء زواج الرجل بعدة نساء أو انجراره الى الخيانة الزوجية، وربما يتعاطى مع البغاء.

عند توليد المرأة المختونة بالعملية الفرعونية فلابد أن يُشَق جسدها. وبعد الولادة يخاط المكان من جديد من أجل الرجل، فكلما كانت الفتحة ضيقة زاد الاستمتاع الجنسي للرجل. ولعلها في أول ولادة لها لا تتجاوز السادسة عشر من العمر. وحين تلد أطفالاً عديدين (حيث إن 12 طفلاً للأسرة لا يعد أمراً غريباً بين هذه الأسر) فسوف تظهر عندها ندوب وتيبسات جلدية. فلا غرابة والحال هذه أن نساء القرن الأفريقي لديهن مقولة سائرة: أن في حياة المرأة ثلاثة أيام فضيعة: يوم تختن، ويوم تتزوج، ويوم تلد. فلنتصور حياة نساء هكذا ينظرن الى الزواج والولادة، الحدثين اللذين نعدهما – في بلداننا – أسعد مناسبتين في حياة الفتاة (والرجل أيضاً)! ان الولادة في هذه البلدان قد تؤدي الى زيادة احتمال الاصابة بنقص الأوكسجين عند الوليد وزيادة احتمال موت الوليد وموت الأم أثناء الولادة.

العواقب النّفسيَّة

أما المعاناة النفسية فمتنوعة وليس من السهل دوماً دراستها على امتداد فترة زمنية معينة. تسجل منظمة إنقذوا الأطفال السويدية حالات الصدمة النفسية Trauma  مع الهلع والاكتئاب المَرَضيين عند الأطفال ضحايا الختان. وتضيف بعض التقارير العلمية حالات النوم السيء، وتقلبات في الشهية وفي المزاج، والخوف والشعور بالمرارة ممزوجين بالغضب، وقبل كل شيء الشعور بالخذلان بعد العنف الذي تعرضت له هذه الفتاة في طفولتها والذي سيرافقها في حياة البلوغ على شكل صدمة نفسية. ويذهب بعض الأخصائيين الى أن هذه التداعيات تجعل النساء “أهدأ” و”أكثر إذعاناً” وهو ما تعتبره هذه البيئة الاجتماعية شيئاً إيجابياً.

يمارس ختان الإناث غالباً في أفريقيا، في 29 بلداً. في 20 بلداً منها يوجد منع لهذه الممارسة وفق أصول قانونية مختلفة، لكن بما إن هذه الممارسة قادمة من ثقافات وتقاليد تختلف من جماعة سكانية الى أخرى فليس بمقدور أية قوانين أن توقف الختان وحده. السنغال وبوركينا فاسو، الدولتان الجارتان لمالي، فرضتا منعاً لختان الإناث وحققتا نجاحات تستحق الثناء بعملهما في المستويات المحلية بدعم من القانون. بينما مالي لم تدن ختان البنات ولم تقر قانوناً ضده، وهي تعتبره مرادفاً للتطهر (sili-ji)، وهو ما يقابل “الطهور” في مصر والسودان.

ان تشويه الأعضاء الجنسية الأنثوية ليس فيه أي شيء إيجابي يمكن الدفاع عنه، فليس في هذه الممارسة سوى أشياء سلبية ومؤذية تجرح وتهين حقوق الانسان في العمق.

عام 2012 أصدرت الهيئة العامة للأمم المتحدة قراراً بالغاء ختان الإناث بجميع الأشكال التي لا ضرورة طبية لها. وقبل ذلك بعامين كانت منظمة الصحة العالمية قد نشرت ستراتيجيتها لمنع الجهات الصحية من القيام بعمليات ختان البنات وذلك إثر انتشار ظاهرة قيام أصحاب المهن الطبية بهذه العمليات. وهناك كثير من المنظمات، من مستوى القاعدة وحتى المنظمات الحكومية والدولية، تعمل على وقف هذه الممارسة. بعض الدول الأفريقية لديها خطط تهدف الى إلغاء هذا التقليد في خلال خمس الى عشر سنوات أو – في أقصى الحالات – عشرين سنة. العمل يجري ببطء، وهو أمر متوقع حيث إن هذا التقليد ذو طبيعة متعددة الثقافات ومنتشر حول العالم مما يتطلب مجهودات ضخمة في مجال التنوير وبناء الرأي العام. تظهر الدراسات أنه لو أن المجتمعات قررت بنفسها التخلي عن ختان البنات فان التغيير سوف يحدث بوتيرة أسرع بكثير. وهنا يكمن السؤال عن الكفاح ضد قوة التقاليد التي هي أقوى من القوانين العلمانية.

***********

* تاريا سالمي جاكوبسون: كاتبة وشاعرة ورحالة سويدية – فنلندية.

رابط القسم الثاني من الدراسة:

http://tidningenkulturen.se/index.php/ovrigt-kat/ovrigt-kat-5/ovrigt-kat-10/22444-kvinnlig-konsstympning-kks2

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This