الإصلاح ومكامن الإخفاق

عبد الله العروي، إستبانة، المركز الثّقافي للكتاب، الدار البيضاء، ط.1، 2016

قبل بضعة أشهر أطل علينا المفكّر المغربي عبد الله العروي بعمل جديد، أبان فيه عن بعض من قضايا الرَّاهن المغربي المضطرب، متوسّلا كعادته بخلفية تاريخية فكرية وسياسية عميقة.

عنون العروي عمله هذا بـــ:”استبانة”، واستند فيه على محاورة الذَّات، عبر 111 سؤال، في 140 صفحة من الحجم المتوسط. وينطلق من تفكيك دلالة لقبه العائلي، ليفصح عن معطيات شخصيّة -على غير عادته في مؤلَّفاته السَّابقة- توسَّل بها ليعود لمفهوم مركزي في دراساته التَّاريخيَّة وهو مفهوم القبيلة، المفهوم الوهمي والمؤثّر على حياة العامَّة والخاصَّة. بيد أنَّه يعلن تنصُّله من هذا التَّأثير سلوكيًّا، بداعي ارتباطه مع الكليات: الوطن، الأمَّة والدَّولة. مبرّرا ذلك بكون تغليب منطق الأسرة والقبيلة على حساب المجتمع والدَّولة، يؤدّي إلى آفات وانزلاقات أخلاقيَّة من قبيل الرَّشوة والمحسوبيَّة، ” إذ الأسرة تتوسَّع بسهولة إلى زاوية، إلى حزب، إلى تعاونيّة، إلى شركة” (ص.15)

ظلَّت هذه الانزلاقات طابعة للتَّاريخ المغربي، وبذلك ظلّ الخلاص والصَّلاح المنشود الدَّائم في تاريخ المغرب. وقد شكَّلت هذه التيّمة، الإصلاح، أهمّ القضايا المثارة في هذا الحوار، وبذلك ستكون محور قراءتنا هاته. معلوم أنّ الإصلاح لطالما لازمته تجارب الإحباط، ما جعل الكل يتغياه لكن وفق مصالحه الخاصّة. وبذلك كان أي مشروع إصلاحي إن لم يساير الأهواء، فاشلا ولا يحقّق في النّهاية أي شيء.

فرض تواتر الإخفاق المغربي، حسب العروي توسّل الخلاص من مصلح أجنبي. وهنا استحضر سيبة 1911، الَّتي حتَّمت على السُّلطان عبد الحفيظ الاستنجاد بالأجنبي، موردا أنَّه ” بين تهديد العامّة الجهّال وتقاعس الأعيان الجبناء لم يبق للسُّلطان المحاصر سوى الاستنجاد بالأجنبي” (ص.74). ظنَّ السُّلطان يقول العروي، أنّ الفرنسيين أقصى مطالبهم منه ستكون ماديَّة، تجاريَّة، جاهلا أنَّهم كانوا قد حسموا أمرهم، للتفويض الكامل للسُّلطة.

استنجد المغاربة بالفرنسيين لأنَّ المشروع الإسباني ظلَّ مرفوضا. وعاب الوطنيون على السُّلطان الحسن الأوَّل رفضه، مقترح إنجلترا سنة 1890 والقاضي بفرض حماية لينة مخفّفة. وهي حماية كانت جدُّ ممكنة لو توفّرت للمغرب نخبة واعية مثقَّفة، وكانت حسب العروي تكون أجدى وأنفع للوطن على كلّ المستويات، بل إنّ “عبقريّة ليوطي لا تعدو أن تكون استلهاما لمبادئ السّياسة الإنجليزيَّة، سياسة الأعيان والعمل تحت راية المخزن”(ص.78)

فهل نجح المصلح الفرنسي؟

ماديًّا، يجب العروي، أمر مؤكّد إذ قامت أحسن قيام بدور الدولة، لكن بشريًّا، أي الفكر والعلاقات الاجتماعيَّة، أمر فيه نظر إذ يتداخل فيه الإرادي والعرضي. وعليه ” فالحماية كانت تستحق أن تنعت بالإصلاحيَّة لو سبق إصلاح المحيط المادي إصلاح أدبي يقوم به أبناء البلد” (ص. 81).  فالمصلح الأجنبي يقول:” بدوره قد ينقصه شيء لكي يوجه الإصلاح الوجهة الصَّحيحة، هذا النّقص أو القصور أو العمى يظهر واضحا في كلّ ما كتبه الفرنسيون عن نفسانيّة المغاربة. يرون الخصوصيّة فيما هو عام والدَّيمومة فيما هو طارئ ومؤقَّت” (ص.78)

أخفق المخزن، وأخفقت الحماية، الَّتي لا تعدو أن تكون يقول العروي غير:” فاصلة أقامتها الحرب العالميَّة الأولى وألغتها الثَّانية” (ص.122).  ويضيف فما ” اتّفق عليه في الجزيرة الخضراء هو في النّهاية ما تم الاعتراف به أخيرا في إكس ليبان. والفترة الفاصلة كانت محاولة التفاف على هذا الواقع دون جدوى” (صص.127-128). بصيغة أخرى لم تكن الحماية غير محاولة لفرض واقع جديدة يفرغ اتّفاقيَّة 1906 من محتواها، والاخفاق كان يعني فقط العودة إلى نقطة البدء. لنفهم هذا الأمر يقول العروي ” ما علينا إلاَّ أن نضع صورة الوفد المغربي إلى مؤتمر الجزيرة الخضراء جنب صورة حكومة البكاي الأولى” (ص.128)

رافق الفشل ذاته حكومات المغرب المستقل، إذ أخفقت في بناء تصوُّر إصلاح شامل يتوافق حوله الكلُّ. وعليه فقد حمل لفظ الاستقلال معاني شتَّى، فيمكن القول إنّ الحركة الوطنيَّة المغربيَّة حقَّقت هدفها الأساس بفسخ عقد الحماية وفي الوقت ذاته لم تحقّقه، إذ الفرد المغربي لا يزال يعاني من الآلام والجهل والمرض.

لم يكن زمن الاستقلال يذكر العروي سوى مرحلة استئناف، كان العامل الأساس في تحقيق الاستقلال هو الاستمراريَّة التَّاريخيَّة للمخزن، فالأخير لم يكن دمية في يد الحماية، بل ظلّ فعَّالا حتَّى عندما أصبح شبحا دون أدنى سلطة فعليَّة يصادق آليًّا على ما يقرّره غيره، كان “شبح لكنّه شبح والد هاملت يسير حركات الأحياء” (ص.112)

يربط بعضنا الآن حتميّة إخفاق الإصلاح بغياب الإرادة السّياسيَّة، ما يضحده العروي فحسبه حتَّى لو توفَّرت تلك الإرادة لما تيسَّر التَّطبيق، في غياب القناعة بنجاعته وضعف المعارضة الدَّاخليَّة. وبذلك فكل الأمثلة المساقة على سبيل المقارنة تناقض واقع الحال في المغرب. إذ أنّها إمَّا صغيرة منسجمة أو في حالة غيبوبة غداة هزيمة ساحقة تستغل من قبل شخصيات كاريزميَّة تفرض خطة إصلاحيَّة معدَّة سلفا.

أمَّا واقع المغرب فمحكوم عليه بتوالي الحلول التَّجزيئيَّة التَّرقيعيَّة، أمام العزلة والتَّشاؤم واتّهام النَّفس والغير. ونجاح بعض الحلول في إصابة الهدف، فمردّه إمَّا لحيويّة المجتمع ومواكبة نمو الاقتصاد.

وتظلّ آليات التَّطور والبناء، قرينة تجاوز آفات الخرافات وأسرار الغيب. فأسوء ظاهرة تجثم على واقع المغرب هي ظاهرة الشَّعوذة الَّتي أضحت لديه جزء من العقيدة. الظَّاهرة الَّتي يقول العروي نبذها شبَّان المغرب زمن الحماية مغتربين وسلفيين، إذ “كانت تبدو لنا شكلا من أشكال التَّنصير، والعكس صحيح” (ص.47). وفي ذات الإطار يخلص إلى أنَّ إصلاح أمّ المشكلات، وهو التَّعليم، يكون نتيجة لا سبب التَّطوُّر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق