إشكاليّة الشَّرعيّة في العالم العربيّ

لعلّنا لا نغير بالظّاهرة في العمق إلاّ الاسم إن نحن استخدمنا في السياق العربي مصطلح “الشّرعية” بدل مصطلح “الخلافة” المعروف جيّداً في سياق الجدل السياسيّ/الديني أو القانونيّ/الديني الذي حفلت به أدبيات العالم العربي الإسلاميّ منذ حادثة السقيفة إلى يومنا هذا. قد يشي مفهوم الشرعية لوهلة ببنية قانونيّة حديثة وصلتنا مع الاستعمار الغربيّ مختلفة ومتجاوزة للجدل الفقهي والصراع السياسيّ الدموي حول الخلافة وفي هذا شيء من الصواب. بيد أن التمعن العميق في المسألة يكشف لنا أن الشّرعيّة مفردةً وممارسة لا تعني تماماً  la légitimité الفرنسية أوThe legitimacy  الإنجليزيَّة بالمعنى القانوني المدني الحديث. وبمعنى آخر سأدلي هنا بفرضية ترى أنّ الشّرعيّة لم تخرج فعليّاً إلى اليوم في سياقها العربي الإسلاميّ عن إطار الخلافة رغم كلّ ما تمّ إنجازه على الصَّعيدين النّظري القانونيّ والقانونيّ المؤسساتيّ فيما دُعي الدّولة العربيّة الحديثة تحت الاستعمار وما بعده.

ولتوضيح هذه الفكرة عليّ هنا أن اقترح سرداً تاريخياً مُبسطاً لمشكلة شرعية الحكم والسلطة في السياق العربي الإسلاميّ. فقبل قدوم الاستعمار الأوروبي الحديث ظلت مسألة شرعية السُّلطة أمراً خاضعاً بالكامل لتقليد دينيّ غامض يقوم على طاعة ولي الأمر واعتماد السلطة الحاكمة على تفسير دينيّ يقول أن عصيان الوالي هو عصيان لأوامر الله نفسه. ومع أن القرآن، مصدر التشريع الأساسيّ في السياق الإسلاميّ ما قبل الحديث، بل وفي معظم الدول العربية لليوم، لم يترك قاعدةً في موضوع كيفية انتقال السلطة، ومع أن النبي محمد لم يوصِ بخليفة بعده، بل ولم يتحدث علناً عن ذلك كما تشهد كتب السيرة والكتب التاريخية إلا أن محاولة ربط الدكتاتورية و”المُلك العضوض” والحكم الأبديّ والحاكم خليفة الله على الأرض وظله وكلمته بمرجعية دينية شبه ثابتة لهو أمرٌ ذو دلالة. فالحكم بسند ربانيّ مُقدّس أو بأمرٍ من السماء ليس حكراً على الثيوقراطيات العربية الإسلامية، بل هو أمر ضارب الجذور في معظم الحضارات والثقافات المعروفة بما فيها الغربية ما قبل الحديثة، (بل والحديثة أحياناً بشكل مموّه). إن هذا الارتباط يؤكد على تلك العلاقة المتلازمة بيت الاستبداد والتوحيد، بين الحكم المطلق والرب المطلق، بين الحزب الشرعي الوحيد الّذي يجبُّ غيره والدين الوحيد الذي يقيم الحرب على ما خالفه من شرائع وأديان.

إلاّ أنّ طرق هذا الباب المعروف جيداً في ثقافة العرب والإسلام أمرٌ سأنأى بنفسي عنه هنا، فأنا لا أود أن أدخل في هذا السياق من المقارنات، بل ولا أزعم بالقدرة على الإتيان بجديد فيما يتعلق بمشكلة الخلافة و”أصول الحكم” في الإسلام رغم إعجابي بذلك الكم الهائل من الأبحاث المستنيرة والتنويريّة بهذا الصدد. الشيء الوحيد الذي ربما أِشير إليه في هذا الصدد هو تسجيل انطباعيّ بأنه وفي العمق لم تجرِ لليوم حل لمشكلة الخلافة وتداول السلطة أو إيجاد الأسس الشرعية لشرعيتها رغم كل ذلك الزمن والواجهة الزائفة للتقدم في بلادنا القروسطية فربما لم تتغير سوى الأسماء من عبد الملك بن مروان الذي خطب بالناس قائلاً: “والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه” وصولاً إلى صدام حسين والقذافي، ومن عثمان بن عفان الذي تعجّب مستغرباً حين طالبوه بالتخلي عن السُّلطة كما لو كان ذلك أكثر الأمور بديهية : “كيف أنزع قميصاً قمصنيه الله!!!” إلى الأسد الابن الذي تعجب من شعب ثار على حكمه فآثر حرق البلد عن التخلي عن السُّلطة ولسان حاله يقول : “كيف أتخلى عن مزرعة ورثنيها أبي!!!”

الجديد في الموضوع ورغم كل تلك المآسي الحاصلة وبعيداً عن تقييم مآلات ما سُمي بالربيع العربي، إلا أن علينا الإقرار بأن الثورات التي قامت في عدة دول عربية ضد أنظمة دكتاتورية محتكرة للسلطة قد فتحت الباب واسعاً ـ وربما للمرة الأولى في التاريخ العربي ـ على إمكانية مساءلة إشكالية الشرعية بشكل قانونيّ وسياسيّ بعد أن كانت أمراً غير مُفكّر فيه أو بالأحرى مسكوت عنه نتيجة كل ذلك القمع والتعتيم المتبع في الأنظمة العربية غير الديمقراطية.

بعبارة “الشّعب يريد إسقاط النّظام” قامت شعوب الربيع العربي ـ بشكل عفويّ ـ بالمطالبة بحقوقها المشروعة التي سُلبت منها دائماً: أي شرعيتها في تحديد أنظمة حكمها وقادتها السياسيين. وكما حصل في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ستجد شعوب الربيع العربيّ أن الدساتير المُحدِّدة لشرعية سلطة الدكتاتوريات والفاشيات العربية هي دساتير غير شرعيّة رغم مرجعياتها القانونية وأن القانون قد لا يُحقق العدالة بل يمكن أن تتلاعب به القوى السياسيّة وتعيد تفصيله على مقاييس مصالحها ليساعدها في حفظ سلطتها وتوسيع امتيازاتها على حساب الشعب وحقوقه، وأن الشرعية قد تتجاوز الإطار القانونيّ الذي يحاول تحديدها وتتعالى عليه.

قبل قدوم الاستعمار الحديث كانت الأمة الإسلامية مكتفية بالشريعة الإسلامية كمصدر وحيد للتشريع، ورغم أن مسألة الخلافة لم تجد مرجعية ثابتة تُحسم عليها إلا أن تقاليد التوريث التي كرسها الصراع السياسيّ راحت تفرض نفسها على بنية الدولة العربية كطريقة لانتقال الحكم بعد موت الخليفة أو قتله.  لكن الاستعمار الغربيّ الحديث نجح في فُتِح باب التشريع في العديد من الدول العربية التي استعمرها أمام القوانين الوضعية الحديثة التي تطورت في الغرب. ومع هذا ورغم قوة الاستعمار ورغبته في الهيمنة، فإن مفرداته ومؤسساته القانونية لم تستطع، خشية النقمة عليه والثورات ضده، أن تفرض نفسها مستأصلة التشريع الإسلامي بل حاولت أن تجد لها مكاناً إلى جانبه محاولةً التأقلم معه دون إقصائه بالكامل.

وإذا كان تداخل العلاقة بين الشرعية légitimité/ legitimacy  والقانونية légalité/ legality قد أثار جدلاً واسعاً في سياق القانون الأوروبيّ الوضعيّ الحديث، فإن علاقة الشريعة الإسلامية بالتشريع السياسيّ والقانونيّ ستزيد من تعقيد المؤشكل أصلاً حيث ستداخل المفاهيم وستلعب القوى السياسية على زيادة والإبقاء على هذا الخلط. وإذا كان النقاش الفلسفيّ القانونيّ في أوروبا الحديثة قد أعاد النظر مراراً في علاقة الشرعية بالقانوينة وجادل طويلاً في أيهما يؤسس للآخر، فإنّ السياق العربي سيجد نفسه أمام مهمة إضافية ونقاش جديد يتمثّل في تبيان علاقة الشريعة الإسلامية بشرعية الحُكم والسُّلطة فالعديد من التوجهات السياسيّة الدينيّة في البلدان العربية تؤكّد وتُصر على كون الشريعة مصدراً من مصادر التشريع الأساسية، بل أساس القانون والحُكم.

ففي مصر الحديثة مثلاً لنتذكر أنّه قد تمّ تغيير الدستور الرسمي مرّات عدّة ابتداءً من دستور 1882 الّذي تمّ إقراره في عهد الخديوي توفيق وصولاً إلى دستور مارس 2007 في عهد حسني مبارك ثمّ الدساتير المُقرّة والمعدلة أثناء ثورة 25 يناير إلاّ أنّ فكّ ارتباط التّداخل اللّغويّ والسياسيّ والقانونيّ لمفاهيم الشرعية والشريعة والنتائج المترتبة عليه أمرٌ لم يتم بعد ولم يُشتغل عليه بشكل نزيه ومحايد انطلاقاً من معيارية قانونية وضعية فاستمر الخرق قائماً وازداد الصدع توسعاً بين قوانين السماء وقوانين الأرض. كان المشرع الأماني المعروف هانس كلزن قد أكد في كتابه التشريع الوضعي ومنهج القانون الطبيعي أن القانون الوضعي هو قانون إنسانيّ ليس له أي مرجعية أخرى سوى إرادة الإنسان ولهذا هو يُقصي من ميدان علوم القانون أي قانون إلهي. لا شك أن إدخال القانون الوضعي إلى جانب التشريع بحدود متفاوتة وعلى مراحل في هذا البلد او ذاك قد مثل نقلة نوعية وتقدماً في سياق التشريع العربي فراحت مفردات القانون الوضعي تظهر لأول مرة في سياق إسلامي لم يعهدها قبلاً فراح العرب يسمعون بالدستور والبرلمان والاستفتاء والانتخابات وبشكل مبهم وغامض، تداول السُلطة. بل إن مع هذا التقدم الحاصل راح بعض المتأسلمين يحاولون أن يجدوا أسساً إسلامية للديمقراطية في الشورى، ومرجعية لحقوق الإنسان في سنة النبيّ الخ. إلا أن تلك النزعة الصارمة في عزل القانون الإلهي عن القانون الإنساني والتي عبر عنها كلزن وعاشتها أوروبا الحداثة ظلت مخترقة ورخوة في إطار السياق العربي. لم يكن ذلك الخليط الإنسانيّ السماويّ متجانساً فظل الصدع ظل قائماً وهذا ما سيشهد عليه ذلك الانقسام الحاد في بلدان العالم الإسلامي بين جماعات الشريعة بوصفها مصدراً وحيداً للتشريع وبين أنصار القانون الوضعي بوصفه الأكثر عدالةً وإنسانيةً وتقدماً من قوانين الشريعة البالية. الطريف في الأمر أن كلا الطرفان المتصارعان يستطيعان العودة إلى نفس الدستور لتأكيد حججهما فهذا الخليط غير المتجانس بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي المدني الحديث يسمح بمثل هذه التناقض كما لاحظنا في سياق الجدل المصري/ المصري حول الشرعية بين أنصار مرسي والأخوان من جهة وبني الداعمين للعسكر وانقلاب السيسي من جهة أخرى.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق