وعي الإثميّة والجهاز النّفسي (ج2)

دراسة في تطور المنظومة النَّفسيَّة بالنّسبة للتَّحليل النّفسي

 الأنا العليا وَالأنا (نشوءهما ودينامياتهما الأولى) في الجهاز النّفسي لدى الطفل:

             إن الأنا لدى الطفل ترفض أن تكون على وعي بواقع ما غير سار. بادئ ذي بدء تدير ظهرها لذلك الواقع، فتقوم بإنكاره، وفي الخيال تقلب للضد الوقائع الكريهة، وبذلك فإن الأب (الشرير) يصبح في الخيال الحيوان الحامي، بينما الطفل العاجز يصبح المهيمن على البدائل الأبوية القوية. فإذا ما نجح هذا التحول، وأصبح الطفل عن طريق الأخيلة التي يبنيها، غير حافل بذلك الواقع المعني، تخلصت الأنا عنده من الحصر، ولم تعد بها حاجة إلى أن تلتجئ إلى الإجراءات الدفاعية ضد حفزاتها الغريزية ، وإلى تكوين العصاب. (23)

إن الأنا في علاقة وثيقة مع ذلك العالم، الذي تستعير منه موضوعات حبها، وتستمد منه تلك الانطباعات التي يسجلها إدراكها ويسجلها ذكاؤها. وكلما عظمت أهمية العالم الخارجي كمصدر للذة والاهتمام، ازدادت الفرصة في أن تعيش الأنا (الألم) من هذه الناحية. إن أنا الطفل الصغير ما زالت تعيش وفقاً لمبدأ اللذة ، ويلزمها وقت طويل قبل أن تتدرب على تحمل (الألم). وكقاعدة عامة يكون الطفل من الضعف البدئي بحيث يعجز عن الهرب، ويكون ذكاؤه ما يزال بعد من القصور بحيث لا يتبين في ضوء العقل ما هو محتوم فيذعن له. في تلك الفترة من عدم النضج والتبعية، فإن الأنا بالإضافة إلى ما تبذله من جهود للسيطرة على المثيرات الغريزية، تحاول بشتى الطرق أن تدافع عن نفسها ضد (الألم) الموضوعي، والأخطار الموضوعية التي تهددها. (24)

إن (ميلاني كلاين)  ترصن تكون الأنا العليا لدى الطفل  فتقول: حين ينجز الطفل أول اجتياف فموي لموضوعاته. وبما أن الصور الاستيهامية الأولى المتكونة على هذا النحو مزودة بكل صفات السادية العنيفة التي تميز هذه المرحلة من النمو، وبما أن هذه الصور ينبغي إسقاطها مجدداً على موضوعات العالم الخارجي، فإن الطفل يسوده الخوف من أن يعاني هجمات ذات قوة يصعب تصورها، هجمات موضوعاته الواقعية وأناه العليا، وسيساعد حصره على تعزيز ميوله السادية، إذ تدفعه إلى تدمير الموضوعات المعادية ليفلت من عدوانها، فحصر الطفل إذن يدفعه إلى تدمير موضوعه، وذلك أمر يفضي إلى ازدياد الحصر، ويضغط عليه هذا الحصر مجدداً ليهاجم موضوعه. وتكون هذه الآلية السيكولوجية على شكل حلقة مفرغة في رأي (ميلاني كلاين) ، قاعدة للميول المعادية للمجتمع، والإجرامية لدى الفرد. (25)

وتتبع (ميلاني كلاين) : لقد علمنا (فرويد) وَ (أبراهام) أن ميول الطفل السادية سائدة خلال المراحل الأولى قبل التناسلية من التنظيم الليبيدي، التي يحدث في أثنائها انصهار الليبيدو والدوافع المدمرة، ويبرهن على ذلك تحليل كل راشد، إذ يجتاز الطفل الصغير خلال المرحلة السادية – الفموية التي تعقب المرحلة الفموية للمص، طوراً من أكل لحم البشر. هذا الاستيهام، مع أن مسألة أكل ثدي الأم، أو شخصها كله مطروح فيه، غير ذي علاقة فقط برغبة الغذاء البدائية، إنه يستخدم لإشباع ميول الطفل المدمرة. فالمعطيات التي قدمها لي (كلاين) تحليل الأطفال الصغار تظهر أن مرحلة تقع بين السادية الفموية والسادية الشرجية، تبرز خلالها ميول سادية إحليلية، تبرهن هذه المعطيات على أن الميول الشرجية والإحليلية ، استطالة مباشرة للميول السادية الفموية، فيما يخص هدف الهجوم وغرضه النوعي، فالطفل يهاجم في استيهاماته السادية الفموية ثدي الأم ، والوسائل التي يستخدمها هي أسنانه وفكاه، وفي استيهاماته الإحليلية والشرجية ، يسعى إلى تدمير داخل جسم الأم ويستخدم لذلك بوله وبرازه. ونحن نعلم عندما تستيقظ دوافعه التناسلية في أن تكون لديه نظريات لاشعورية لجماع أبويه، ولولادة الأطفال وينبغي لهذه الأفكار أن تؤكد أن الأم في الجماع تدمج باستمرار عضو ذكر الأب في جسمها بواسطة الفم حيث أن جسمها مليء بعدد كبير من الأعضاء الذكرية والرضع، ويرغب الطفل في أن يأكلهم ويدمرهم.  (26)

إن أحد الميول الأكبر شأناً وتواتراً : هو الميل الجنسي الذي اكتسب في معظم الأوقات بفضل الانجذاب الجنسي للطفل نحو أبويه، سمة متمايزة. الابن نحو أمه، والبنت نحو أبيها، ويتحقق في الوقت الذي ينبذ خلاله الطفل، ويتجاوز هذه الاستيهامات ذات العلاقة بغشيان المحارم، عمل سيكولوجي خاص في مرحلة البلوغ، عمل من أكثر الأعمال ما يكون سبباً للألم ، أي الجهد الذي يبذله الطفل ليتخلص من سلطة الأبوين، جهد ينتج وحده التقابل ، ذا الأهمية الكبيرة في التقدم بين الجيلين الجديد والقديم، وفي كل طور من هذه الأطوار التي لابد لكل موجود سويّ من أن يعرفها يمكن أن يوقف بعض الأفراد، وهكذا نجد أشخاصاً لم يتخلصوا قط من السلطة الأبوية، ولم يتقنوا أن يفصلوا عواطف الحنان لديهم عن أبائهم، أو أنهم لم يتمكنوا من فعل ذلك، إلا على نحو غير كامل.  (27)

وحينما تغدو الهيئة الوالدية التي يُخشى من تنفيذها للتهديد بالخِصاء لا شخصية يصير الحظر أكثر تعيّناً ويتحول حصر الخِصاء إلى حصر أخلاقي، وإلى حصر اجتماعي. وإذا شئنا المزيد من العمومية في البيان قلنا: إن غضب الأنا الأعلى وعتابه وفقدان حبه هي ما يعطيه الأنا قيمة الخطر ، وهي التي يستجيب لها بإشارة الحصر. والشكل الأقصى الذي يتخذه هذا الحصر إزاء الأنا الأعلى هو ما تراءى لي (فرويد) ، حصر الموت: الخوف على الحياة ، الحصر إزاء الأنا  الأعلى المسقط على قِوى القدر. (28)

وفي رأي (ميلاني كلاين) تبين أن نبذ دافع الموت نحو الخارج لا يكون تاماً نتيجة اندماج دافعي الموت والحياة معاً، مما يخلق توتراً وحصراً في الأنا، يكون بموجبه الركيزة الأولى للأنا العليا، حيث أن (كلاين) تقول : ويقترح (فرويد) في كتابه ما وراء مبدأ اللذة ، نظرية يعارض بموجبها الليبيدو ، أو دافع الحياة (إيروس) – دافع العدوان، وتستخدم العضوية حتى تفلت من التدمير بفعل دافعها دافع الموت ليبيدها على نمط نرجسي، أي ليبيدو متجه نحو ذاتها لطرد دافع الموت، وتوجيهه نحو موضوعاتها. وسأضيف من جهتي (كلاين) ما يلي: ثمة ارتكاس دفاع داخل النفس ينشأ بصورة موازية لهذا النبذ لدافع الموت نحو الخارج والموضوعات، ضد الجزء من الدافع الذي لم يكن ممكناً طرده إلى الخارج، ذلك أن خطر التدمير بفعل دافع العدوان يثير في اعتقادي (كلاين) توتراً مفرطاً في الأنا التي تشعر به وكأنه حصر. بحيث أنها نفسها منذ بداية نموها أمام مهمة مفادها تجنيد الليبيدو ضد دافع الموت، ولكن ليس بوسعها أن تنجز المهمة، إلا بصور غير كاملة، ذلك أن انصهار الدافعين يمنعها كما نعلم من فصل الواحد عن الآخر، وثمة انقسام يحدث في الهو/الهذا، أي في الرّاقات الدافعية  من النفس يتوجه بسببه جزء من الدوافع ضد الجزء الآخر. وهذا الإجراء الدفاعي يكون في اعتقادي ركيزة النمو للأنا العليا.  (29)

إذا اعترفنا أن الأشياء التي يرهبها الطفل، هي هذه البهائم المفترسة، وهذه المسوخ المتداخلة، التي يجعلها شبيهة بأبويه، فإننا نتوصل إلى النتائج التالية: أولاً: الأنا العليا لدى الطفل لا تتطابق مع صورة الأبوين الواقعيين، ولكنها مخلوقة انطلاقاً من اللوحات المتخيلة، أو الصور الذهنية الاستيهامية التي تمثلهما والتي تشربها الطفل داخل ذاته. ثانياً: خوفه من الأشياء الواقعية، فحصره الرهابي قائم على الخشية التي يعانيها معاً أمام الأنا العليا المنحرفة عن الواقعي، وأمام الموضوعات الواقعية في ذاتها، التي يدركها الطفل، بوصفه متأثراً بأناه العليا في جو متخيل (كلاين).   (30)

أما (إرنست جونز) فيشير بأنه ليس ثمة ريب في أن عاطفة (الواجب فعله) التي تميز الأنا العليا، وهي مصدر فيما سيصبح فيما بعد اتجاهاً أخلاقياً، ناجمة عن كون الطفل (مرغماً على أن يفعل ما يجب فعله) عاطفة تظهر مبكراً. ونقول بعبارة أخرى: إن تهديد الأنا العليا للأنا (ينبغي ألا تفعلي ذلك، ستعاقبين إن فعلته ) يحل محل تهديد سابق (ينبغي ألا تفعلي ذلك لأنه محفوف بالمخاطر) ، فكيف يتحول هذا الخوف من الخطر، ليكوّن أولى العناصر من الأخلاق. وما هي طبيعة هذا الخوف ؟ . أولى مخاوف الطفل هي مادية، أكثر مما هي روحية، ولكن الحب والحاجة أن يكون محبوباً بالسنة الأولى من الحياة، يبدأن في تأدية دور تتنامى أهميته. وذلك أمر يجلب إمكاناً جديداً، هو الخوف من فقدان الحب، إذا أساء إلى الموضوع المحبوب، أو المحب، أو أضر به. وهو الأم أول الأمر. إن انتقال هذه الحاجات من المستوى الجسمي، إلى المستوى الروحي، كونه (مرغماً على الفعل) إلى (وجوب الفعل) ، فالتعرض إلى خطر الخِصاء لا يزال وضعاً خارج الأخلاق، ولكن التعرض إلى خطر الإساءة إلى الأم، وفقدان حبها يصبح شيئاً (يجب الامتناع عن فعله)، وإذ تصبح العلاقة بالوالدين فيما بعد أكثر تعقيداً، يصبح الامتناع عن فعل بعض الأشياء هاماً، بقدر ما يكون تجنب فعل أشياء محفوفة بالأخطار. (31)

وإذا نظرنا في نشوء الأنا العليا، فسنلاحظ أنه نتيجة عاملين، واحد من طبيعة بيولوجية، وآخر من طبيعة تاريخية : طول زمن حالة العوز والتبعية الطفليين المقضي بهما على الكائن البشري، وعقدته الأوديبية ، التي تبين أن كبتها مرتبط بتوقف النمو الليبيدي ، من جراء مرحلة الكمون (ما قبل البلوغ)، أي بالتالي بناء الحياة الجنسية للكائن البشري على مرحلتين. وهكذا لا يكون تمايز الأنا العليا عن الأنا قد حدث صدفة، بل هو يحمل أبرز سمات تطور الفرد والنوع.  (32)

وأخيراً ، فإن الأنا ينفصل عن شطر من الهو/الهذا بفعل مقاومات الكبت، غير أن نطاق الكبت لا يمتد إلى الهذا، ومن ثم يتداخل المكبوت مع بقية الهذا ويختلط به. إن الأنا إذ أنه مضطر إلى أن يخدم ثلاثة من السادة العتاة، وهو يبذل قصارى ما يستطيع للتوفيق بين مطالبهم. وهذه المطالب متناقضة دوماً، وكثيراً ما يبدو التوفيق بينها مستحيلاً، فلا غرو إن أخفق الأنا مراراً وتكراراً في مهمته، هؤلاء هم المستبدون الثلاثة هم : العالم الخارجي، والأنا العليا، والهذا/الهو . وحين نعاين ما يبذله الأنا من جهود ليعدل بين الثلاثة معاً، أو بالأصح ليطيعهم جميعاً، لا نأسف على أننا جسّمنا الأنا  وأقررنا له بوجود مستقل بذاته. إنه يشعر بأنه واقع تحت الضغط من ثلاث نواح، وأنه عرضة لثلاثة أخطار متباينة يرد عليها، في حال تضايقه، بتوليد الحصر.  وبما أنه ينشأ أصلاً عن تجارب النسق الإدراكي، فهو مدعو إلى تمثيل مطالب العالم الخارجي، غير أنه يحرص مع ذلك على أن يبقى خادماً وفياً للهذا/الهو ، وأن يقيم وإياه على تفاهم ووفاق، وأن ينزل في نظره منزلة الموضوع، وأن يجتذب إليه طاقته الليبيدية ، وكثيراً ما يرى نفسه مضطراً، وهو الذي يتولى تأمين الاتصال بين الهذا/الهو والواقع، إلى التستر على الأوامر اللاشعورية الصادرة عن الهذا بتبريرات قبل شعورية، وإلى التخفيف من حدة المجابهة بين الهذا/الهو والواقع، وإلى سلوك طريق الرياء الدبلوماسي باعتبار الواقع، حتى وإن أبدى الهذا/الهو تعنتاً وجموحاً، ومن جهة أخرى فإن الأنا الأعلى ما يفتأ يراقبه ويرصد حركاته، ويفرض عليه قواعد معينة لسلوكه من دون أن يلقي بالاً إلى الصعاب التي يقيمها في وجهه الهذا والعالم والخارجي. وإن أتفق أن عصى الأنا أوامر الأنا الأعلى، عاقبه هذا الأخير بما يفرضه عليه من مشاعر أليمة بالدونية والذنب. على هذا النحو يكافح الأنا، الواقع تحت ضغط الهذا ، والرازح تحت نير اضطهاد الأنا الأعلى والمصدود من قبل الواقع، يكافح لإنجاز مهمته الاقتصادية، ولإعادة التساوق بين مختلف القوى الفاعلة فيه والمؤثرات الواقعة عليه. ومن هنا نفهم لماذا يجد الواحد منا نفسه مكرهاً في كثير من الأحيان على أن يهتف بينه وبين نفسه : ” آه، ليست الحياة بسهلة! “. والأنا ، متى ما أكره على الاعتراف بضعفه ، استولى عليه الذعر: خوف فعلي حيال العالم الخارجي، مخاوف ضميرية حيال الأنا الأعلى، قلق عصابي حيال قوة الأهواء في الهذا. (33)

 

تولد عاطفة الإثمية وَعقدة أوديب:

       إن حالة الطفل الذكر تتبدى في صورتها المبسطة  على النحو التالي: فبادئ ذي بدء يشرع الطفل بتوظيف موضوعاتي حيال أمه، يكون منطلقه الأول الثدي الأموي. أما الأب فيكون استيلاء الطفل الذكر عليه بالتماهي، وتتماشى هاتان العلاقتان ردحاً من الزمن إلى أن تزداد الرغبات الجنسية إزاء الأم شدة، ويتبدى الأب في إدراك الطفل وكأنه عقبة في وجه هذه الرغبات، فتعلن عقدة أوديب عن ظهورها، وعندئذ يتخذ التماهي مع الأب صِبغة عدائية، وينقلب إلى رغبة في التخلص من الأب والحلول محله لدى الأم. أما البنت الصغيرة بعد أن تتخلى عن الأب بوصفه موضوعاً للحب، تأخذ بإظهار ذكورتها وتتماهى لا مع الأم ، بل مع الأب، أي مع الموضوع المفقود، وهذا يفترض أن تكون استعداداتها الذكرية قوية بما فيه الكفاية. (34)

أما الصبي لا يقف إزاء الأب موقفاً مزدوجاً من الناحية الوجدانية، ولا يتخذ من الأم موضوعاً لاختيار حانٍ، بل يسلك بالوقت نفسه مسلك البنت، إذ يتخذ من الأب موقفاً أنثوياً حانياً، ومن الأم موقفاً مقابلاً مبنياً على العداء الغيور. والتماهي مع الأب سيحفظ الموضوع الأموي للعقدة الموجبة، وسيحل بالوقت نفسه محل الموضوع الأموي للعقدة المعكوسة، وهذا يصدق بطريقة مماثلة على التماهي مع الأم، مع مراعاة تغير العلاقات. وبوسعنا إذن أن نفترض أن أعم نتيجة للمرحلة الجنسية التي تهيمن عليها عقدة أوديب، هي الأثر الذي يترسب في الأنا من جراء حدوث هذين التماهيين بصورة متناغمة بنوع ما، وهذا التغير الطارئ على الأنا سيحتفظ بوضعه الخاص، ويقف موقف المعارضة من باقي مضمون الأنا بوصفه مثال الأنا، أو الأنا الأعلى. (35)

إن التأثير الذي يمارسه  العزوف عن العدوان على الضمير، هو من القوة بحيث أن كل جزء من العدوانية نستنكف عن تلبيته تتم استعادته من قبل الأنا الأعلى، فيزيد في حدة عدوانيته الذاتية (ضد الأنا)، وإذا سلمنا بأن عدوانية واسعة قد نمت وتطورت لدى الطفل ضد السلطة التي كانت تحظر عليه التلبيات الأولى، والأهم في آن معاً. لقد كان على الطفل أن يعزف عن تلبية تلك العدوانية الثأرية، ويأخذ أو يقيم في داخله تلك السلطة، التي تغدو عندئذ الأنا الأعلى. ويمكننا القول، فضلاً عن ذلك، أن الطفل إذ ردّ بعدوانية مشددة، وبصراحة مناظرة من جانب الأنا الأعلى على الحرمانات الغريزية الكبيرة الأولى، فإنه يكرر بذلك رد فعل ذا طبيعة سلالية . حيث كان شأنه بالأزمنة ما قبل التاريخية، حين كان الطفل يواجه أباً رهيباً، أباً كانت الأسباب جميعاً تدعو إلى عزو عدوانية مشتطة إليه. (36)

وإذا كان الشعور بالذنب يرجع في أصله إلى مصرع الأب البدائي، فينجم عن ذلك حالة (تبكيت) للضمير ويكون نتيجة الازدواجية البدائية للمشاعر تجاه الأب، فقد كان الأب يبغضونه، ولكنهم كانوا يحبونه أيضاَ، ولما ارتوى غليل الحقد نتيجة للعدوان، عاود الحب ظهوره في التبكيت المرتبط بالجريمة، وأُنجب الأنا الأعلى بفعل التماهي مع الأب، وقلده الحق والسلطان اللذين كان يحوزهما هذا الأخير في معاقبة فعل العدوان المقترف بشخصه، وقد لبث الشعور بالذنب قائماً، وعزز مواقعه عن طريق تحويله إلى الأنا الأعلى طاقة كل عدوان جديد مقموع. (37)

إن العدوان (يُستدمج) ، يُستبطن ، ولكنه يُردّ بصدق القول إلى النقطة عينها التي انطلق منها. وبعبارة أخرى يقلب على الأنا بالذات، وهناك يستعيده قسم من الأنا، قسم لا يلبث بصفته (أنا أعلى)  أن يقف موقف المعارضة من القسم الآخر. وعندئذ يدلل الأنا الأعلى بصفته ضميراً أخلاقياً تجاه الأنا على نفس العدوانية المتشددة، التي كان سيحلو للأنا تلبيتها ضد أفراد غرباء. والتوتر الذي ينشأ بين الأنا الأعلى الصارم، وبين الأنا الذي أخضعه لأمرته نطلق عليه أسم (الشعور الواعي بالذنب)، وهو يتجلى في شكل حاجة إلى القِصاص. (38)

يمكننا أن نبين أصلين لشعور بالذنب: أولهما، القلق حيال السلطة، وثانيهما وهو لاحق، القلق إزاء الأنا الأعلى. فالأول يرغم الإنسان على العزوف عن تلبيته دوافعه الغريزية. أما الثاني، فنظراً إلى استحالة إخفاء ديمومة الرغبات المحرمة عن الأنا الأعلى، فإنه يدفع بالإنسان فوق ذلك إلى إنزال العقاب بنفسه. ويمكننا أن نفهم صرامة الأنا الأعلى، أي أوامر الضمير، فهي لا تعدو أن تكون استمراً لصرامة السلطة الخارجية، التي أعفاها الأنا الأعلى من وظائفها، وناب منابها جزئياً. وهنا نستشف الصلة القائمة بين العزوف عن الدوافع الغريزية، وبين الشعور بالذنب. (39)

وعلى ما سبق فإن (فرويد) يقرر في هذا المقال قائلاً: إن شطراً واسعاً من الإحساس بالذنب لابد أن يكون في الأحوال العادية لاشعورياً، لأن تكوين الضمير وثيق الارتباط بعقدة أوديب التي تنتمي إلى اللاشعور. كذلك فإن الهو/الهذا غير أخلاقي على الإطلاق، وإن الأنا يجاهد ليكون أخلاقياً، وإن الأنا الأعلى يمكن أن يصير مفرطاً في أخلاقيته، وأن يصبح قاسياً قسوة الهذا،  ومما تجدر ملاحظته أنه كلما قيّد الإنسان عدوانيته نحو الخارج، مال إلى مزيد من الصرامة، وبالتالي إلى مزيد من العدوانية في مثال أناه. والأخلاق الدارجة العادية تنطوي بذاتها على تقييد صارم، وتتصف بطابع تحذيري شديد، وهناك بالتحديد يرسي جذوره، ذلك التصور القائل بوجود كائن أعلى يعاقب ويقتصص في غير لين ولا رحمة. (40)

والصحيح أن واقع قتل الأب، أو الامتناع عنه، أمر غير حاسم، ولابد بالضرورة من الشعور بالإثم في الحالتين، ذلك أن هذه العاطفة هي التعبير عن نزاع ثنائية المشاعر، عن الصراع الأبدي بين الإيروس وغريزة التدمير أو الموت. واضطرام هذا النزاع منذ أن فُرضت على الناس مهمة الحياة المشتركة. وما دام هذا المتّحد لا يعرف إلا الشكل الأسري، فإن النزاع يظهر بالضرورة في عقدة أوديب، ويؤسس الوجدان ويولّد العاطفة الأولى للإثمية . وعندما يميل هذا المتحد إلى التوسع. يدوم هذا النزاع نفسه متخذاً أشكالاً تابعة للماضي، ويشتد ويؤدي إلى ضرب من بروز هذه العاطفة الأولى للإثمية. وبما أن الحضارة تخضع لدفعة إيروسية داخلية تنشد أن يتوحد الناس في كتلة تصونها الروابط المحكمة، فهي لا تفلح في ذلك إلا بوسيلة واحدة ، وسيلة أن تعزّز دائماً على نحو أقوى عاطفة الإثمية. (41)

وتشير (ميلاني كلاين) بأنه طالما كانت وظيفة الأنا الأعلى الرئيسة تكمن في إيقاظ الحصر، فإن الأنا الأعلى يستدعي لدى الأنا آليات دفاع عنيفة، وهي لا أخلاقية ومعادية للمجتمع بطبيعتها، ولكن آليات الدفاع التي قاعدة اتجاه لأخلاق فلسفية وأخلاق السلوك تنتعش منذ أن تتناقص سادية الطفل ، وتتعدل سمة الأنا الأعلى ووظيفته، بحيث تتولد عاطفة الإثمية بدلاً من الحصر، ويبدأ الطفل في أن يدلّل على مراعاة موضوعاته، وأن ينفتح على العاطفة الاجتماعية. (42)

وتضيف (ميلاني كلاين) حين يهاجم الطفل داخل جسم أمه، فإنه يهاجم موضوعات عديدة، ويلف في درب غني بالتنائج، والرحم يمثل العالم، ويقارب الطفل في الأصل هذا العالم ليهاجمه، ويدمره، إنه ذو استعداد منذ البدء ليرى العالم الخارجي الواقعي معادياً له قليلاً، أو كثيراً، وأنه مسكون بموضوعات جاهزة لتهاجمه. ويعتقد أنه يهاجم أيضاً أباه وإخوته وأخواته، حين يهاجم على هذا النحو جسم أمه. وهو أحد الأسباب الخفية لعاطفة الإثمية ولنمو عواطفه الاجتماعية والأخلاقية على وجه العموم. ذلك أن ضروب اللوم التي يوجهها الأنا الأعلى إلى الأنا على هذه الهجمات المتخيلة، تولّد عندما تتقلص القسوة المفرطة للأنا الأعلى، عواطف الإثمية التي تدفع ميولاً قوياً إلى أن تعوض عن الخسائر المتخيلة التي ألحقها الطفل بهذه الموضوعات. وتسهم المحتويات الفردية وتفصيلات استيهاماته المدمرة في توجيه نمو تصعيداته التي تساعد ميوله المعوّضة مساعدة غير مباشرة، أو إلى توليد الرغبة الأكثر مباشرة في مساعدة الناس الآخرين. (43)

وفي رأي (إرنست جونز) أن الإثمية مرتبطة قبل كل شيء بالعجز لا بالممنوعات، فالفرد يشعر أنه آثم بكل ما هو عاجز عن فعله، فتكون الممنوعات الخارجية، ثم استدخال هذه الممنوعات، وبالتالي يكوّن الأنا الأعلى ذاته، ضروباً من الحماية من عاطفة العجز لدى الفرد. (44)

وعندما يكون النقد الخارجي قد تم استدماجه ، فإن التهديد بالعقوبة والذنب المقترف لا يكونان بعد قد ارتبطا أحدهما بالآخر في ذهن المريض (الشخص) . في نفس اللحظة التي يتم فيها استدخال النقد يتم فيها استخراج الذنب، وهذا يعني أن ميكانيزم التوحد بالمعتدي يتممه ميكانيزم دفاعي آخر هو على التحديد إسقاط الذنب. فالأنا التي تنمو في هذا الاتجاه استناداً إلى هذا الميكانيزم الدفاعي للإسقاط، تستدخل السلطة التي تتعرض هذه الأنا لانتقاداتها وتدمج تلك السلطة أناها الأعلى، وعندئذ تصبح هذه الأنا قادرة على اسقاط خفراتها المحرمة على العالم الخارجي. فقسوة هذه الأنا على الآخرين سابقة على قسوة هذه الأنا على نفسها. أنها تتبين ما يعتبر جديراً باللوم ، ولكنها تحمي نفسها بهذا الميكانيزم الدفاعي من ذلك النقد الأليم لذاتها. فالسخط العاصف على خطأ شخص آخر هو الطليعة والبديل لمشاعر الإثم الخاصة بالأنا. ويزداد سخط الأنا بشكل آلي كلما كان إدراكها لذنبها بارزاً في هذه المرحلة من نشأة الأنا الأعلى ، هي أشبه ما تكون بمرحلة تمهيدية للأخلاق. فالأخلاق بمعنى الكلمة تبدأ عندما يلتقي النقد المستدخل مع إدراك الأنا لإثمها. ومن هذه اللحظة فإن قسوة الأنا الأعلى تتجه إلى الداخل بدلاً من الخارج، ويغدو الشخص أقل قسوة مع الآخرين. ولكن الأنا الأعلى ما أن يبلغ إلى هذه المرحلة من النمو حتى يكون على الأنا أن تعاني ذلك (الألم) الأكثر شدة، والذي ينجم عن النقد الذاتي وشعور الإثم.  (45)

إن الرسالة التي يشتمل عليها هذا الطقم من الأساطير (أسطورة أوديب)، إنه لكي يستمر المجتمع فإن على البنات أل يخلصن للوالدين، وعلى الأبناء أن يقضوا على آبائهم ويحلوا محلهم. وليس ثمة أبطال في هذه الأساطير، فهي لا تعدو ملاحم تتناول كارثة بشرية لابد منها. وتنشأ الكارثة دوماً في ظرف يخفق فيه الكائن البشري في القيام بواجباته، أو واجباتها تجاه إله أو قريب، وهذا ما يشير إليه (كلود ليفي شتراوس) جزئياً على الأقل ، حين يؤكد أن العِبرة الأخلاقية الأساسية في الأساطير والتي تفهم على أن ” المصلحة الذاتية هي منبع كل شر “. (46)

*************

23- فرويد ، أنّا ، الأنا وميكانيزمات الدفاع ، ترجمة: صلاح مخيم  وَ عبده ميخائيل رزق، مصدر سابق، ص84 .

24- فرويد ، أنّا ، الأنا وميكانيزمات الدفاع ، ترجمة: صلاح مخيم  وَ عبده ميخائيل رزق، مصدر سابق، ص74 .

25- مجموعة من المؤلفين، مراجع الشخصية، الهو والأنا والأنا العليا، ترجمة: وجيه أسعد، مصدر سابق، ص273 .

26- مجموعة من المؤلفين، مراجع الشخصية، الهو والأنا والأنا العليا، ترجمة: وجيه أسعد، مصدر سابق، ص276-277 .

27- مجموعة من المؤلفين، مراجع الشخصية، الهو والأنا والأنا العليا، ترجمة: وجيه أسعد، مصدر سابق، ص80-81 .

28- فرويد ، سيجموند ، الكفّ، العَرَض ، الحصر، ترجمة: جورج طرابيشي، مصدر سابق ، ص65-66 .

29- مجموعة من المؤلفين، مراجع الشخصية، الهو والأنا والأنا العليا، ترجمة: وجيه أسعد، مصدر سابق، ص271-272 .

30- مجموعة من المؤلفين، مراجع الشخصية، الهو والأنا والأنا العليا، ترجمة: وجيه أسعد، مصدر سابق، ص271 .

31- مجموعة من المؤلفين، مراجع الشخصية، الهو والأنا والأنا العليا، ترجمة: وجيه أسعد، مصدر سابق، ص314 .

32- فرويد ، سيجموند، الأنا والهذا، ترجمة: جورج طرابيشي، مصدر سابق، ص35 .

33- فرويد، سيجموند، محاضرات جديدة في التحليل النفسي، ترجمة: جورج طرابيشي، مصدر سابق، ص93-94-95 .

34- فرويد، سيجموند، الأنا والهذا، ترجمة: جورج طرابيشي، مصدر سابق، ص31-32 .

35- فرويد، سيجموند، الأنا والهذا، ترجمة: جورج طرابيشي، مصدر سابق، ص33-34 .

36-فرويد، سيجموند، قلق في الحضارة، ترجمة: جورج طرابيشي، منشورات دار الطليعة ، بيروت ، ط5 ، 2008، ص96-99 .

37- فرويد، سيجموند، قلق في الحضارة، ترجمة: جورج طرابيشي، مصدر سابق، 100-101.

38- فرويد، سيجموند، قلق في الحضارة، ترجمة: جورج طرابيشي، مصدر سابق، ص89.

39- فرويد، سيجموند، قلق في الحضارة، ترجمة: جورج طرابيشي، مصدر سابق، ص94.

40- فرويد، سيجموند، الأنا والهذا، ترجمة: جورج طرابيشي، مصدر سابق، ص56-59.

41- مجموعة من المؤلفين، مراجع الشخصية، الهو والأنا والأنا العليا، ترجمة: وجيه أسعد، مصدر سابق، ص135.

42- مجموعة من المؤلفين، مراجع الشخصية، الهو والأنا والأنا العليا، ترجمة: وجيه أسعد، مصدر سابق، ص275.

43- مجموعة من المؤلفين، مراجع الشخصية، الهو والأنا والأنا العليا، ترجمة: وجيه أسعد، مصدر سابق، ص277-278.

44-غرانبرجر، د. بيلا ، النرجسية، ترجمة: وجيه أسعد، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، ط1 ، 2000 ، ص336.

45- فرويد، أنّا، الأنا وميكانيزمات الدفاع ، ترجمة: صلاح مخيم  وَ عبده ميخائيل رزق، مصدر سابق، ص124-125.

46-إدموند ، ليتش ، كلود ليفي شتراوس ، دراسة فكرية، ترجمة: ثائر ديب ، منشورات وزارة الثقافة، ط1، 2002، ص101.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق