عبد العزيز بومسهولي مسار تجربة فلسفيَّة فريدة من نوعها (1)

“إنّنا أثناء انشغالنا، نتواجد بالضرورة في خضم عزلة تامة. لا يمكننا أن نُشكِّل مدرسة ولا أن ننتمي إلى مدرسة. “جيل دولوز”

 

لقد كان بودّي، في سياق هذا التَّكريم، الَّذي يحظى به اليوم زميلي عبد العزيز بومسهولي، أن أكتفي بقراءة فصل من كتابي “تضاريس فكريَّة نحو فلسفة محايثة” بعنوان الإنسان كعلّة تأسيسية، مذكرا الحضور الكريم، بحيثيات وتفاصيل مُعاشة، تَكلّلت بنحت صديقي الفيلسوف لهذا المفهوم؛ إلاَّ أنّ حماسة الصداقة وتأثير الحدث جعلاني أَعْدِل تماما عن هذا الأمر، مستعيضا عنه بهذه الورقة الَّتي فضّلت أن أتطرق فيها بالأحرى، لصداقة فكريَّة  شاءت الصدف أن تربطني بعبد العزيز، وأنْ تتوطد طيلة أزيد من عقد ونصف من الزمن، مُخلِّفة سلسلة من الحكايات والعواطف؛ حكايات بقدر ما كنا ننتصر فيها للتَّبصُّر والعقلانيَّة على الظلامية والجهل بقدر ما كانت تُيَسِّر لنا نسج خيوط حبّ، قوي، لم يَخْفُت وَهْجه رغم صعوبة المسار وتوالي الأيام والسنين، مدركين أن العقلانية وحدها، بفضل قُوَّتها النَّاجمة عن النّور الَّذي تُسَلِّطُه على كل الأشياء هي ما يُنقد الوئام والصِّلات التي تنشأ بين الناس، مُنَحِّية جانبا كل التناقضات التي تُقِيم الهوة بينهم. على هذا النّحو، يتبدّى أن الفلسفة، على الأقلّ كما فهمناها نحن، لم تُنقذ حياتي فحسب بل أنقذتْ حياتنا جميعا، ما أنْ بَدَّدَتْ فينا حِلكة الظلام، فصِرنا نَفُكّ سويا دسائس ما فتئت تَقبَع  خلف تلك النظرة المتوحشة لِعَيْن المؤمن، وهيّ تتربَّص بالعالم من أجل الانقضاض عليه، ووأدِه.

ولا بأس أن نؤكّد ههنا، أمرا يكاد لا يخلو من الأهمية بمكان، مؤداه أنّ خلف كل تلك المساعي الّتي حاولنا أن ننحت فيها لذواتنا طريقة للعيش تُناسبنا، كانت تحدونا أيضا رغبة جامحة في أنْ نرى المرح يعمُّ الناس كلهم أينما كانوا ودون استثناء. وخلافا لنظرة البؤساء الّتي هي البؤس عينه، تَبنَّينا دونما تردُّد، فلسفة للسَّعادة، مقرونة بفلسفة للمتعة، غيّرَت في اعتقادي مسارات كلّ مِنّا، وجعلتنا نَكتُب بعيدا عن لغة السوق وثقافة التنميق والإشهار والتواطؤات المقيتة، مُعلنين تمرُّدنا الفلسفي ولا انصياعنا التحرُّري. وهو تمرُّد، لا شيء يدل عليه أكثر من كتاباتنا التي فضلا عما أسلفت، لم نَكُن نراهن فيها على الوعظ والإرشاد، التنظير واختراع مفاهيم مجردة أكثر مما كُنا نراهن على الممارسة والتصرف الفلسفي. ذلك أن الفلسفة لم تكن بالنسبة لنا فنّا للمقاومة والتصدي لكل أشكال العصابات الاجتماعية الناجمة عن ثقافة الموت وعبادة الخرافات والأوهام وتقديس المثال الأعلى الزهدي فحسب، بل كانت أيضا سياسة للتحرُّر ونهجا للانفلات من البوتقة، نشدانا لمنظورية هي بَوْصلتنا في الحياة. تبعا لذلك، تجدر الإشارة اليوم على ما يبدو، إلى أنّنا إنْ أفلَحنا في ترسيخ التّفلسف كأسلوب للعيش بَعْد أنْ كان مُجرَّد درس يُلقَّن للطلبة داخل أسوار الثانويات والجامعات، فذلك بفضل الجهد الكبير الذي ولئن ساهمنا فيه جميعا، فَلَنا أن نعترف بأن الجزء الأهم منه إنما يعود إلى صديقنا عبد العزيز بوسهولي جراء ما يتمتع به من خصوبة فكرية عزّ نظيرها. خصوبة لا ينبغي لنا أن نعتقد كما قد يظن البعض أنها سهلة المنال، وتتأتّى بالمجان، بل هي ذات تكلفة باهضة  وعواقب وخيمة، غالبا ما تودي بالفيلسوف إلى تَكبُّد نوع من الخسارات التي لا تظهر للناس إلا في صيغتها الزاهية والبهية، لأنّ الفيلسوف بطبعه هو وحده من يستطيع أن يُحوِّلها إلى ربح، تماما مثلما يُحوِّل  المرضَ صحة والضعفَ قوّة والحزن فرحا.

أتذكر أنَّ شيئا من هذا القبيل قد عانى منه العديد من الفلاسفة قبْلنا، وإذا كان من قَدَرنا أن نشاركهم تجرُّع قَدْر مُعيَّن من هذه المعاناة، فذلك ليس إلا لأننا جازفنا بدورنا بالاقتراب من الخطوط الحمراء، سيّما عندما بادَرْنا بطرح قضية الجسد، جاعلين منه حقا لا تستقيم باقي الحقوق من دونه، وذلك في زمن صار فيه الجنس يخضع لنظام السوق، الَّذي يشجع يا للغرابة البورنوغرافيا وزنا المحارم وكلّ أشكال الاحتيال الأخلاقي الطَّافحة بالنفاق القهري والتقيّة المُولِّدة لعقدة الذنب وتَبكِيت الضمير، معاقبا كل الاختيارات الحرّة التي تقوم على التعاقد وتؤدي إلى تقوية الأفراد وسيادة روح التعايش فيما بينهم. لكن لا غرابة في أنْ يحدُث هذا كلُّه، في مجتمع يُمجِّد الخصوبة الجنسية مُبخِّسا كل خصوبة فكرية، غير مدرك بأن ازدهاره ليس يقوم على ازدياد السواد الأعظم أكثر ما يقوم على العلم والفنّ والإبداع. ولئن كنا طيلة هذا المسار، نمتح من مَعِين هذه الخصوبة الفكرية، فذلك ليس إلاّ لأنّها مدعومة من لدن خصوبتين اثنتين سِرِّيتين كانتا تُصاحبانها بقوة، هما الخصوبة الوجدانية والخصوبة الإراديَّة. وبقدر ما كانت  الخصوبة الوجدانيَّة تجعلنا نتقاسم الأفكار، ونستمتع بما يُعطيه كل واحد منا للآخر، دون انتظاره لأي مقابل، مختبرا قدرته العفوية على السّخاء، بقدر ما كانت الخصوبة الإرادية تفرض علينا العمل وتُجبِرنا على نوع من الاشتغال حتى يكون لما نقوم به أثرٌ قويٌّ على العالم والناس. وعلى خلاف دولوز وغاتاري بوسعي أنْ أقول أنّنا كنا نكتب بستة أيادي لا أربعة، مادام ثمَّة تيّار ثالثا بَيْننا، يَحمل معه كالوادي سيولات غريبة لا تكلّ تجرف معها كل ما قد ينشأ بيننا من ثنائيات، لتفتحها على أفق آخر، مُحافظة على ذلك الفارق أو الشُّق القائم بيننا باستمرار، والَّذي حال ويَحُول دونما  تماهينا أو انصهار  الواحد مِنّا في الآخر، وعَزْفِه إن صحّ التعبير على  نفس الوتر. لقد كُنّا طيلة هذه المدة نَكتُب، ونتقاسم متعة الحياة، في سياق صداقة عجيبة، يلتقط كل واحد منّا هواءها كما لو كان يتزوَّد بطاقة دفينة تجعله يطير جوانيا، متحمسا للانخراط في صيرورة إبداعية تمكنه من تأليف كتب، هيَّ البرهان الدامغ على حِرصنا المستميت على الحفاظ دائما على شيء ما، مُلغزٍ وسِرِّي، ظل يُجسِّد جسرا صلبا مَتَّن وقَوّى هذه الصداقة بدل أن يُوهنها أو يُضعفها.

لقد عشقتُ كثيرا ذلك الكاووس الَّذي يُرتَقب، في كلّ لحظة، أن تخرج منه نجمة راقصة على شكل كتاب أو مقال أو تصوُّر، فيُباغِت به الواحد منا الآخرين، لأنّ الكتابة كما يحلو لعبد الصمد أن يقول هي دوما سرّ يلزمنا كتمانه وعهد لا ينبغي نكثه. لقد عشنا التفلسف إذن على هذا الشكل، نحكي ونتحاور، نتفاهم ونتخاصم، نلتقي ونتباعد، لكن حالما لا نجد ندا في مستوى مَّا نأتيه من أقوال وأفكار، ينزوي كلُّ واحد منا بنفسه أمام نفسه كالمرآة. هل أسمِّي هذه الحركة أو التقنية بالتداعي الحرّ الجماعي؟ ربما ما دام أن كل واحد منا ليس في الحقيقة في معزل عن الآخر، مهما ادّعى ومهما تظاهر. كلّ منّا عبر التفكير يمارس نوعا من التشريح الذاتي مُحلِّلا لخفايا نفسه وذاته؛ إلا أنَّها ذاتٌ ونَفْسٌ ثلاثية الأبعاد، تَكتُب تحت تأثير الالتقاء سالف الذكر الذي صار بمثابة “قَدَر” لا مناص لها من عشقه وحُبّه إن أرادت الاستمرار بجمالية في الحياة. هكذا كتب عبد العزيز عن التيه وتكلم عبد الصمد عن المجرى الأنطولوجي بينما انسقتُ أنا، وراء منطق الرغبة باعتبارها بنظري ما يؤسس للقيمة من حيث هي قيمة لا العكس. ذلك أن القيمة لا تخلقُ الرغبة بل الرغبة هي التي تخلُقُ القيمة. فنحن على حدّ تأويل سبينوزا، لا نرغب في الأشياء لأنها جميلة، بل هِيَّ جميلة لأننا نرغَبُ فيها. وعلاوة عن ذلك، يُمكنُني القول بأن هذا التكريم ذاته، إن كان يبدو لكم جميلا واستحسن كل واحد من الحاضرين المشاركة فيه بهذا الشكل أو ذاك، بمحض إرادته، فذلك ليس إلا لأن ثمة رغبة قوية تحدوه بموجبها اختار بعد تمحيص واع أن يُقرِّر القدوم و يقطع نهائيا مع كل تردُّد. من ثمة يتجلَّى أن التَّحرُّك وفق منطق الرغبة شيء بينما التحرُّك وفق منطق الحاجة شيء آخر.

لعل هذا التمييز، الّذي أوضح داروين، أنّه أساس التباين التاريخي الذي نشأ بين الإنسان والحيوان، مؤكّدا على أنه تباين في الدرجة لا في الطبيعة، هو ما يفصل فصلا تاما بلغة عبد العزيز بين الإنسان كعلة تأسيسية والإنسان في طور المخاض الطبيعي؛ مخاضٌ لم يسعفه بعد  على الولوج والاندماج في العالم. ولنا أن نستحضر توضيحا لهذه الجدلية، أنّ صديقي الفيلسوف يُمَيِّز تمييزا جذريا، بين مفهوم الطبيعة ومفهوم العالم. إذ بحسبه بقدر ما الطبيعة هي مصدر القوة التي يستعيرها منها الإنسان بقدر ما العالم هو مجال تحقق وتعيُّن التجربة الإنسانية باعتبارها تجربة متناهية. على هذا النحو إذن، يتزامن ظهور الإنسان مع ظهور العالم، بحيث أن “تجربة العالم كما يحلو لعبد العزيز أن يسمّيها، تجربة ليست في شيء سابقة على الإنسان ولكنها مساوقة له، مادام أنّ العالم هو نتاج استقلال الكائن الإنساني عن الطبيعة”؛ وبالتالي فالعالم هو مجال التأسيس لماهية الإنسان وتحقُّقه كإرادة حُرَّة يؤكد عبد العزيز. إلا أن هذا العالم الذي نعيش فيه هو بالأحرى عالم تَعِيس بحسباني، حيث أنّ  الجهلة والأميين إن لم أقل الضعفاء بلغة نيتشه غالبا ما يجتهدون للتأثير سلبا في ذوي النفوس القوية سعيا منهم إلى إزعاجهم على حد الملاحظة الثاقبة لمارك أوريل في مؤلفه الأفكار(الشدرة32). لكن هيهات هيهات، فكيف لطنين الذباب أن ينال من جبل شامخ مثل صديقي عبد العزيز، إذ أنّه بَعدَ ما راكمه من كتب وما قطعه من أشواط، يمكنني أن أقول له اليوم بأنّ الأفق قد صار رحبا  وبوسعه أن يجُازف أمام أيّ خطر؛ مادام أن الرهانات الفكرية قد أصبحت الآن ممكنة، وأنّ البحر بملء ما فيه قد انبسط أمامه. ولا أدل على ذلك من هذا الحفل البهي، الذي أغتنم فرصة المشاركة فيه، لأشْكُر منظميه، وكلّ من ساهم على هذا النحو أو ذاك في إنجاحه؛ لأنه حفل-حدث، نحتفي فيه سويا بفيلسوف غزير الإنتاج وعميق النظر ودقيق الرؤية؛ فيلسوف يستحق أن يكون نموذجا يُقتدَى، لا لشيء إلاَّ لأنَّه أفلح على خلاف غيره، في أن يجمع بين التَّفلسف والحياة، وأن يخطو برزانة غير آبه بنباح الكلاب الَّذين يا ما تربَّصُوا به كما تربَّصوا بكبار الفلاسفة من قبْلِه عبر التَّاريخ دونما جدوى. ذلك أن حكمة الفيلسوف تتجلى أكثر ما تتجلى في سِرِّ المقاومة الَّتي يتشبَّع بها مانحة إياه نوعا من الاستقلالية منقطعة النظير. استقلالية مَكَّنتْ عبد العزيز من أن يُحقِّق الاكتفاء الذاتي بلغة الرواقيين، وأن يعيش حكيما بالقليل وفي سلام كما يحلو لبيير شارون، أن يكتب فوق باب غرفة نومه(peu et paix)، لأنَّه يعيش بحقّ الفلسفة ولا يعيش مِنَ الفلسفة. لذلك يستأهل أن أُشِير إليه اليوم أمامكم بأصبعي، على نحو ما فعل نابوليون ذات صباح من أصباح شهر أكتوبر 1808، عندما استقبل غوته ومنحه وساما تشريفيا، هاتفا أمام أعين Daru أكبر معتمديه العسكريين و Berthier رئيس الأركان العامَّة:”Voilà un homme “؛ وهو تعبير لم أجد له للأسف مثيلا في اللّغة العربيَّة مهما حاولت الترجمة، لأنّه باللاتينية  تعبير أقرب ما يكون من …Ecce Homo ، عنوان أحد أروع كتب نيتشه.

*****

[1]  نص المداخلة التي ألقيناها  يوم السبت 1 أبريل 2017 ،احتفاء بتجربة الفيلسوف المغربي عبد العزيز بومسهولي، وذلك في إطار الندوة الوطنية التكريمية التي نظمها مركز عناية للتنمية و الأعمال الإجتماعية بالمغرب، على شرفه بمناسبة الملتقى الربيعي السادس.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق