ما تبقى من قواعد التَّدين العاقل..

-11-

القاعدة الحادية عشرة: الشّريعة ليست كلام الله، ولا كلام الرّسول، بل كلام الفقهاء، وتعكس مفاهيمها حقبة التوسّعات الإمبراطورية في العالم القديم..

التّحليل: بين الفينة والأخرى، بمناسبة أو بلا مناسبة، بسبب أو بلا سبب، تقوم الدنيا ويعلو الصخب، ترتفع الشعارات ويكثر الشغب، ويهيج الصادحون بأصوات الغضب، مطالبين بتطبيق “شرع الله” تطبيقاً حازماً جازماً، وبجعل الشريعة مصدراً للتشريع إن لم يكن الأوحد فالأوّل على الأقل، جاعلين من أنفسهم حرّاس الله فوق أرضه، من باب انتحال الصفة ! حتى إذا صارت الأمور إلى الفتنة أو الاستبداد، أو هما معاً، كما جرى في عهد النّميري بالسّودان، أو في عهد الخميني بإيران، أو في عهد الطالبان بأفغانستان، أو كما يحدث الآن في أكثر من مكان، كانت الإجابة جاهزة ناجزة : الوصفة صائبة والخطأ دوماً في التطبيق، فلنجرّب تطبيقا آخر، فريقاً آخر، وحريقاً آخر! أو كما يقول الكهّان في مثل هذا المقام : الوصفة صالحة لكنّ نيّة الزّبون لم تكن خالصة، فلنغيّر النوايا ولنكرّر نفس التفاصيل بلا تعديل! أو كما يقول العطارون حين تفضي إحدى تجارب ما يسمّى بـ”الطبّ النبويّ” إلى نتائج وخيمة: لا شكّ في الدّواء، لا ريب في الشفاء، لكنّ العلاج وجد الضرّر كامناً فأظهره، صامتاً فأنطقه، راقداً فأيقظه، وهذا كل ما في الأمر!.. وفي رواية أخرى، الشريعة مفتاح يحلّ كلّ الأبواب، لكنّ الخلل في كلّ الأبواب.. الشريعة حلٌّ  لكلّ المشاكل، لكنّ الخلل في كل المشاكل. وبهذا النحو يصبح التديّن فرصة سانحة لتعطيل العقل، وقلب الأمور كافّة بلا وجه حقّ، بحيث يتساوى المجانين والعقلاء على حدّ سواء. فلا غرابة أن يقال  : إذا رأيت شيخ الدين يزني فلا تقل إنّ شيخ الدين يزني، بل قل إنّ عيني هي الزانية !

مقابل الدفاع الوسواسي عن الشريعة، لسنا نسمع أيّ دفاع عن العقيدة قد يُذكر، إلا فيما ندر. نسمع الدّعوات تلو الدّعوات إلى التنصيص على مصطلح الشريعة في دساتير دول العالم الإسلاميّ، ولا نسمع مثل ذلك عن العقيدة. بل بلغ الظنّ بالبعض حدّ اعتبار الكفر يكون بإنكار الشريعة لا بإنكار العقيدة. رغم ذلك، تبقى العقيدة في كلّ التأويلات الكلامية، بما فيها التأويل الأشعري نفسه – وهو التأويل المنتصر في الحساب الأخير- هي أساس الإسلام وجوهره؛ لأنها من متعلّقات الإيمان بالله الواحد، ومن خلالها تتحدّد علاقة الناس بإله الناس  أمّا الشريعة فإنّها ضمن الفروع الاجتهادية التي تخصّ علاقة الناس بالناس، حيث يستنبط الفقهاء أحكاماً محدّدة لنوازل محدّدة، عن طريق تطبيق آليات القياس على النصّ الديني. والنصّ الديني قد يكون كلام الوحي، وقد يكون أحاديث الرّسول، وقد يكون آراء الصحابة، وقد يكون أقوال التابعين، أو الأئمة، أو العلماء، أو جمهور العلماء، إلخ. بل، كثيراً ما كانت الآليات المعتمدة تتخطّى مستوى القياس، إلى القياس على القياس.

الشريعة في مبدأ القول ومنتهاه ليست كلام القرآن ولا كلام الرّسول، ولا هي ضمن مسلمات العقيدة والإيمان، بل إنها ثمرة اجتهاد الفقهاء على مدى ألف عام أو يزيد، انطلاقاً من بعض الآيات المنتقاة، وبعض الأحاديث المنتقاة، وإضافة أقوال بعض الصحابة أحياناً -وهي منتقاة كذلك- وإضافة حتى أقوال بعض التابعين في بعض الأحيان، وباعتماد أقوال بعض أئمّة آل البيت بالنسبة لبعض المذاهب، لأجل استنباط أحكام تجيب على أكبر قدر ممكن من الحالات المشابهة للنازلة من حيث الظروف والملابسات والسياق، دون أن ترقى إلى مستوى القانون العامّ الذي ينطبق نظريا على عموم الأشخاص، على قدم المساواة، وبصرف النظر عن الانتماء الديني والمذهبي والطائفي.  بل، داخل مجال الشريعة لا ينتج المشرّع أيّ نصّ قانونيّ، لا يضع أيّ مقترح قانون أو مشروع قانون، وإنما يكتفي بتطبيق آليات القياس على نصّ دينيّ تمّ انتقاؤه لغاية استنباط حكم يجيب عن نازلة محدّدة في سياق دينيّ ومذهبيّ محدّد. والقياس نفسه مجرّد اجتهاد فقهيّ غير مستمدّ من أيّ نصّ مرجعيّ أكان قرآنا أم حديثاً. وفوق ذلك، يتمّ استعماله بدون معايير واضحة المعالم. لقد أفضى ذلك الجهد التشريعي المسمّى بالشريعة، في آخر المطاف، إلى اختلاف الأحكام في كلّ نازلة من النوازل، بحيث لا يبقى للمفتي ما يفعله بعد أن يستعرض الفتاوى السابقة في الموضوع، سوى أن يقوم بترجيح حكم معيّن، أو يترك مسألة الترجيح للسائل أحياناً.

ولقد اتّسمت نتائج جهود الفقهاء أيضاً بميسم العصر الذي عاشوا فيه، عصر التوسّعات الإمبراطورية. لذلك، طبيعي أن تأتي المفاهيم الأساسية لأهمّ أبواب الشريعة متناغمة مع عصر التوسّعات الإمبراطورية في العالم القديم (البيعة، الطاعة، الجماعة، الجهاد، الغزو، الغنيمة، الجزية، الخراج، السبي، الثغور، الولاء والبراء، دار الحرب ودار الإسلام، التدافع، الاحتراب، التمكين، إلخ ). بكل تأكيد، فإنّ مثل هذه المفاهيم لم تعد تناسب عصر الدّولة الوطنية الحديثة، ودولة الحقّ والقانون، ومجتمعات المواطنة والمؤسسات. فضلا عن ذلك، فإنّ ترسيخ تلك المفاهيم في أذهان المتديّنين، عن طريق خطب الجمعة والبرامج الوعظية ومناهج التربية والتعليم، قد تستنفر لدى المتلقين الانفعالات السلبية : الغضب، الغيرة، الحمية، الثأر، إلخ. بهذا النحو تنبع غربة الإنسان المسلم عن العالم المعاصر، عالم التمدّن والسلوك المدني؛ عالم الفصل بين الحياة الخاصة والحياة العامة؛ عالم احترام القوانين الوضعية والتي هي قوانين البشر، باعتبارها ثمرة تعاقد بين كائنات عاقلة راشدة، تأتمر بعقولها وضمائرها، وتُسيّر نفسها بإراداتها، وترسم قدرها وفق قدراتها، وتمسك بزمام مصائرها بلا تواكل، بلا تعويل، وبلا وهن.

الاستنتاج: هكذا هي الشريعة في منتهى القول والتحليل، مجموع الأجوبة التي أنجزها الفقهاء القدماء حول الأسئلة التي واجهتهم، والمسائل التي جابهتهم، وقد صاغوها وفق مفاهيم عصر التوسعات الإمبراطورية في العالم القديم، عصر الغزو، والجهاد، والغنيمة، والسبي، والجزية، والخراج، والفيء، والثغور، والزّحف، والتمكين، إلخ.. ومن ثمة لزوم الطاعة، والجماعة، والبيعة، والعصمة، إلخ.. ومن ثمة “تحصين” النساء باعتبارهنّ “هدفا عسكريا”.. ومن ثمة نتائج أخرى كذلك. لذلك، لن يكون تجييش الناس لنصرة الشريعة سوى إصرارا على عسكرة الإسلام، وتحويل الدين من “رحمة للعالمين” إلى تهديد للسلام العالمي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق